الاثنين 7 سبتمبر 2026
أعلن الرئيس البوركينابي إبراهيم تراوري، في 26 يونيو/ حزيران الماضي، إنهاء الاتفاقيات العسكرية مع الجمهورية الفرنسية، مدشنا بذلك مرحلة جديدة من القطيعة الدبلوماسية مع باريس. مقابل انحسار الدور الفرنسي، فتحت واغادوغو جبهة جديدة مع تل أبيب بقبولها اعتماد سميون سيروسي سفيرا فوق العادة، ومفوضا للكيان الإسرائيلي لدى بلاده، في وقت تشهد منطقة الساحل إعادة تشكيل واسعة لتحالفاتها وعلاقاتها الخارجية.
وضعت التحركات الدبلوماسية الرئيس تراوري تحت مجهر النقد والمساءلة، حيث برز تناقض صارخ بين خطابه المناهض للاستعمار وممارسته على الأرض. ففي الوقت الذي يبرر قرار فك الارتباط بفرنسا بالسعي نحو التحرر والسيادة الوطنية، ينعطف نحو بناء تقارب وثيق مع كيان يمارس جرائم ضد الإنسانية بحق الشعب الفلسطيني، ما يفرغ شعارات التحرر من مضمونها الفكري والأخلاقي.
مع مرور الوقت، اتسع نطاق هذا الجدل محليا وإقليميا، وحتى لا يتحول إلى تهديد حقيقي لشرعية النظام القائم، اهتدى الرجل لفتح جبهة خلافية جديدة عبر تصريحات أثار فيها ملف "استعباد العرب للأفارقة لمدة ألف عام". مثيرا بذلك موجة واسعة من الرفض في أوساط عربية وأفريقية، وسط انتقادات حادة اعتبرت ذلك تعميما تاريخيا يهدد بإثارة حساسيات عرقية وثقافية، في ظرفية زمنية حرجة تعاني فيها منطقة الساحل من أزمات أمنية وسياسية بالغة التعقيد.
يُمثل اعتماد النقيب إبراهيم تراوري للسفير الإسرائيلي فوق العادة، سيمون سيروسي، تحولا بارزا في معالم الدبلوماسية البوركينابية، فمنذ وصوله إلى السلطة، جعل الرئيس من إعادة هيكلة شبكة العلاقات الدولية لبلاده ركيزة أساسية لمشروعه السياسي. فقد استثمر حالة السخط الشعبي والرفض المتزايد للنفوذ الفرنسي للقيام بفك ارتباط تدريجي عن مظلة باريس التقليدية، مقابل التأسيس لمرحلة جديدة تقوم على عقيدة تنويع الشركاء، وتوزيع التحالفات بما يخدم المصالح الوطنية والاستقلالية في القرار السياسي.
وقد أوضحت رئاسة بوركينافاسو عبر منشور عبر منصتها الرسمية أن العلاقة بين الطرفين تستند إلى اتفاقية عامة للتعاون الاقتصادي والعلمي والفني والثقافي، إلى جانب إطار مؤسسي للتعاون لم يدخل حيز التنفيذ حتى الآن. فيما وقفت الصحافة الإسرائيلية (i24news) عند الحدث بوصفه خطوة استراتيجية في وقت تسعى فيه تل أبيب لتعميق نفوذها وتوسيع حضورها في أفريقيا ومنطقة الساحل.
في الوقت الذي يبرر قرار فك الارتباط بفرنسا بالسعي نحو التحرر والسيادة الوطنية، ينعطف نحو بناء تقارب وثيق مع كيان يمارس جرائم ضد الإنسانية بحق الشعب الفلسطيني، ما يفرغ شعارات التحرر من مضمونها الفكري والأخلاقي
تاريخيا، تضرب العلاقات بين بوركينا فاسو (فولتا العليا سابقا) وإسرائيل بجذورها في العقد الأول بعد الاستقلال عام 1960، تحت حكم الرئيس موريس ياميوغو، قبل أن تشهد قطيعة حاسمة إثر حرب أكتوبر 1973، انسجاما مع موقف منظمة الوحدة الأفريقية وتضامنا مع مصر. تكرس هذا التوجه المناهض لإسرائيل وتعمّق أيديولوجيا في حقبة توماس سانكارا، الذي تبنّى خطا جذريا ضد الإمبريالية، معلنا الدعم المطلق لحركات التحرر الوطني، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. غير أن هذا الإرث الراديكالي شهد تحولا براغماتيا حذرا عام 1994، حين أُعيدت العلاقات الدبلوماسية في أعقاب اتفاقيات أوسلو، دون أن تتوج آنذاك بفتح سفارة مقيمة لإسرائيل في واغادوغو.
إن اعتماد السفير الإسرائيلي الجديد في بوركينافاسو لا يُعد نقطة بداية للعلاقات الثنائية، فقد سبق للرئيس السابق روك مارك كابوري أن تسلّم أوراق اعتماد سفير إسرائيلي مقيم في أبيدجان في فبراير/ شباط 2021، كما تسلّم الرئيس إبراهيم تراوري أوراق اعتماد السفيرة روني يديديا كلاين في ديسمبر/ كانون الأول 2023. لكن هذا التطور المثير يستمد أهميته من السياق السياسي الجديد في منطقة الساحل، حيث تبحث دول المنطقة عن خيارات جديدة لعلاقاتها الخارجية، بالتوازي مع مساعٍ إسرائيلية لتثبيت حضورها في أفريقيا عبر الشراكات الثنائية، ما يجعل بوركينافاسو محطة جديدة في خريطة التحرك الإسرائيلي بغرب أفريقيا.
يأتي توقيت اعتماد السفير الجديد في لحظة جيوسياسية فارقة، تقاطعت مع إعلان واغادوغو إنهاء التعاون العسكري مع فرنسا، ما يُجسد القاعدة الاستراتيجية القائلة بأن "السياسة لا تعرف الفراغ". لكن المفارقة تكمن في مسار المجلس العسكري الذي روّج لقراره كاستجابة لتطلعات الشارع ورغبته في التحرر، ثم ما لبث أن انحرف نحو تعميق الروابط مع تل أبيب ليكشف عن تناقض جوهري بين الممارسة والخطاب، مما يفرغ شعارات السيادة والاستقلالية من مضمونها الحقيقي، ويحيلها إلى مجرد أداة للاستهلاك الإعلامي والتعبئة الداخلية.
تسلط هذه التحركات الضوء على النفعية السياسية التي تُسير القرار في واغادوغو، فالتوظيف الداخلي لشعارات "السيادة" و"مناهضة النفوذ الفرنسي" لا يعدو كونه أداة لتأمين الشرعية الشعبية، دون أن يمنع السلطة من الانخراط في واقعية براغماتية تبحث عن مظلات أمنية وشبكات حماية بديلة، وذلك لأن الإنهاء الظاهري للتواجد الفرنسي لا يضمن تلقائيا تجريف شبكات المصالح العميقة المترسخة عبر العقود.
استحضر المقولة التقليدية الشائعة في أروقة الدبلوماسية الأفريقية بأن "تل أبيب هي البوابة الأقصر لنيل رضا البيت الأبيض"؛ وهو تكتيك براغماتي يهدف بالأساس إلى امتصاص ارتدادات العزلة الدولية، وتخفيف حدة التبعات الناجمة عن المواجهة الحاسمة مع النفوذ الفرنسي
بالموازاة مع ذلك، أيقن النظام الحاكم من فداحة الأثمان المترتبة على الاندفاع المطلق نحو موسكو، في ضوء النكسات الميدانية في مالي التي أظهرت هشاشة الاعتماد المفرط على الدعم الروسي، وأثره المباشر على استقرار النظم الحاكمة. فقد أبان الواقع في دول الساحل عن عجز هذا الخيار عن تقديم ضمانات أمنية واستراتيجية حقيقية، ما يجعله مجرد استنزاف مستمر يدفع باتجاه إعادة صياغة العقيدة الأمنية والدبلوماسية للبلاد.
تتجاوز خطوة التقارب بين بوركينافاسو وإسرائيل حدود التعاون الثنائي، لتتحول إلى رسالة استراتيجية عالية التشفير تبعث نحو العواصم الغربية، وفي مقدمتها واشنطن. فالظاهر أن النظام في واغادوغو استحضر المقولة التقليدية الشائعة في أروقة الدبلوماسية الأفريقية بأن "تل أبيب هي البوابة الأقصر لنيل رضا البيت الأبيض"؛ وهو تكتيك براغماتي يهدف بالأساس إلى امتصاص ارتدادات العزلة الدولية، وتخفيف حدة التبعات الناجمة عن المواجهة الحاسمة مع النفوذ الفرنسي.
لا يمكن فصل التقارب الإسرائيلي الراهن مع بوركينا فاسو عن المحاولات الحثيثة التي تبذلها تل أبيب لإيجاد موطئ قدم جديد في العمق الأفريقي، وتعزي هذه التحركات بالأساس إلى حاجتها الماسّة لتخفيف وطأة العزلة السياسية والمحاصرة الدبلوماسية التي تلاحقها دوليا عقب الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني منذ السابع من أكتوبر.
يشكل هذا الاختراق في غرب القارة، الذي وصل اليوم إلى بوركينافاسو وقبلها تشاد، حلقة جديدة ضمن مسار النفوذ الإسرائيلي، واستكمالا لخطة التمدد التي انطلقت - بعد طوفان الأقصى - في الشرق الأفريقي عبر بوابة الاعتراف بصوماليلاند، في محاولة لترسيخ واقع جيوسياسي جديد للعلاقات مع العواصم الأفريقية بمستويات مختلفة.
التوظيف الداخلي لشعارات "السيادة" و"مناهضة النفوذ الفرنسي" لا يعدو كونه أداة لتأمين الشرعية الشعبية، دون أن يمنع السلطة من الانخراط في واقعية براغماتية تبحث عن مظلات أمنية وشبكات حماية بديلة
هكذا تتأكد الحقيقة الاستراتيجية القائلة إن القارة الأفريقية لم تكن يوما ساحة هامشية في العقيدة السياسية لإسرائيل، بقدر ما ظلت دائرة حيوية تراهن عليها تل أبيب لتثبيت مشروعية وجودها، وتوسيع نفوذها، ومزاحمة القوى الدولية والإقليمية المتنافسة.
تستند هذه الديناميكية الجيوسياسية إلى قراءة مزدوجة الأبعاد، تكمن زاويتها الأولى في اعتبار التغلغل الإيراني المزايد في أفريقيا بمثابة المحفز الأساسي الذي استدعى هذه الاستجابة الإسرائيلية المضادة. فقد دفعت هذه الهواجس تل أبيب إلى التحرك وفق استراتيجية هجومية استهدفت الاختراق الدبلوماسي لمناطق ومحاور حيوية، في خطوة استباقية لقطع الطريق أمام طهران وإعادة صياغة موازين القوى في العمق الأفريقي.
وتتجلى الزاوية الثانية في واقع الحضور الإسرائيلي بأفريقيا، فرغم إقامة تل أبيب علاقات دبلوماسية مع أكثر من 40 دولة أفريقية، إلا أن إدارتها الفعلية لهذا النفوذ تظل محصورة في شبكة محدودة لا تتجاوز 12 سفارة. حضور محدود لا يكفي لتأمين الكتلة التصويتية الصلبة لدول القارة التي تمثل ثقلا راجحا في المحافل الدولية؛ بحصيلة 54 مقعدا في الجمعية العامة للأمم المتحدة، و3 مقاعد في مجلس الأمن، و14 مقعدا في المجلس الاقتصادي والاجتماعي، فضلا عن 13 مقعدا في مجلس حقوق الإنسان.
إن الانعطافة البوركينابية نحو تل أبيب، بالتوازي مع قطع الجسور مع باريس ومحاولة الهروب للأمام بتأجير الخلافات التاريخية، لا تخرج عن كونها استجابة براغماتية لواقع جيوسياسي معقد ومتحول في الساحل الأفريقي. ويبقى السؤال الأبرز الذي يفرض نفسه هو: هل تنجح واغادوغو عبر بوابة تل أبيب في تأمين استقرار نظامها، ونيل قبول العواصم الغربية دون أن تخسر رصيدها الشعبي والأخلاقي؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بكشف ما إذا كان هذا التقارب خطة استراتيجية قائمة على حسابات دقيقة، أم مجرد مناورة تكتيكية مؤقتة ستحرق أوراق النظام في بيئة أمنية وسياسية شديدة الانفجار!