أعادت الحكومة الرواندية تصعيد انتقاداتها للآليات الأممية المعنية بالتحقيق في النزاع بشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، معتبرة أن عدداً من التقارير الصادرة عن خبراء الأمم المتحدة ومؤسسات حقوق الإنسان الدولية تعاني من "انحياز منهجي" وتعتمد على روايات أحادية لا تعكس تعقيدات الصراع الممتد منذ عقود في منطقة البحيرات الكبرى. وجاء الموقف الرواندي في أعقاب تسريب تقرير جديد لفريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالكونغو الديمقراطية، والذي خلص إلى أن رواندا تمارس "سيطرة وتوجيهاً فعليين" على عمليات حركة "إم 23" المسلحة، وأن الدعم الرواندي للحركة تجاوز الاعتبارات الأمنية إلى أهداف استراتيجية تتعلق بالنفوذ الإقليمي والسيطرة على الموارد الطبيعية.
في تصريحات أدلى بها خلال مؤتمر صحفي في كيغالي، رفض الرئيس الرواندي بول كاغامي نتائج التقرير الأممي، معتبراً أن خبراء الأمم المتحدة "يأتون لتأكيد سردية جاهزة مسبقاً"، وأن التقارير المتعلقة بشرق الكونغو أصبحت، بحسب تعبيره، جزءاً من "عملية سياسية" أكثر من كونها تحقيقات مستقلة. وشبه كاغامي فريق الخبراء بـ"من يشعل الحريق ثم يتولى دور القاضي والمدعي العام في الوقت نفسه"، في إشارة إلى ما يراه تجاهلاً دولياً للمخاوف الأمنية الرواندية، وعلى رأسها استمرار نشاط "القوات الديمقراطية لتحرير رواندا" (FDLR)، التي تضم عناصر مرتبطة بالإبادة الجماعية في رواندا عام 1994.
يأتي الاعتراض الرواندي في وقت تتصاعد فيه الضغوط القانونية والدبلوماسية على كيغالي، بعد أن تقدمت جمهورية الكونغو الديمقراطية، في 26 يونيو، بدعوى رسمية أمام محكمة العدل الدولية، تتهم فيها رواندا بالمسؤولية عن عقود من العنف وعدم الاستقرار في شرق البلاد. وتطالب كينشاسا المحكمة بإقرار مسؤولية رواندا عن انتهاكات للقانون الدولي، تشمل القتل الجماعي والنزوح القسري والاستغلال غير المشروع للموارد الطبيعية، وهي اتهامات تنفيها رواندا بشكل قاطع، مؤكدة أن تدخلاتها الأمنية، إن وجدت، تأتي في إطار الدفاع المشروع عن أمنها القومي.
في المقابل، تؤكد الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية أن نتائج التحقيقات لا تستهدف رواندا وحدها، بل تشمل أيضاً انتهاكات ارتكبتها القوات الحكومية الكونغولية والجماعات المسلحة المتحالفة معها. فقد أشار المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فولكر تورك، إلى أن التحقيقات الأولية كشفت عن "استهانة كاملة بحماية المدنيين" من جانب جميع الأطراف، بما في ذلك حركة "إم23"، والقوات المسلحة الكونغولية، والمليشيات المحلية المعروفة باسم "وازاليندو". كما وثقت التحقيقات حالات إعدام ميداني، وعنف جنسي، وتجنيد أطفال، وعمليات تهجير واسعة النطاق قد ترقى إلى جرائم حرب.
تتمسك رواندا بأن التقارير الأممية تعاني من اختلالات منهجية جوهرية، من بينها، بحسب مسؤولين روانديين ومحللين مقربين من الحكومة، الاعتماد المفرط على شهادات مسؤولين كونغوليين وخصوم سياسيين، وعدم إتاحة فرص كافية للباحثين للوصول إلى الأراضي الرواندية أو إجراء تحقيقات ميدانية مستقلة داخل رواندا. كما تشير كيغالي إلى أن التقارير الأممية تولي اهتماماً محدوداً للدور الذي تلعبه جماعة "FDLR" وللخطاب المعادي للتوتسي في بعض المناطق الكونغولية، وهو ما تعتبره تهديداً وجودياً مستمراً للأمن الرواندي. في المقابل، يؤكد خبراء الأمم المتحدة أن السلطات الرواندية نفسها رفضت في مناسبات عدة منحهم إمكانية الوصول الكامل لإجراء التحقيقات الميدانية.
تعكس الأزمة الحالية حول منهجية التحقيقات الأممية عمق الانقسام السياسي والقانوني بشأن طبيعة النزاع في شرق الكونغو، في وقت تتواصل فيه الجهود الأمريكية والقطرية والإفريقية للتوصل إلى تسوية سياسية بين كيغالي وكينشاسا. وبينما ترى رواندا أن المجتمع الدولي يتجاهل هواجسها الأمنية ويختزل الأزمة في مسألة دعم "إم23"، ترى الكونغو وحلفاؤها أن التشكيك الرواندي في التحقيقات الدولية يمثل محاولة لتقويض آليات المساءلة الدولية. ومع استمرار سيطرة "إم23" على أجزاء واسعة من شمال وجنوب كيفو، يبدو أن الخلاف حول شرعية وحياد التحقيقات الدولية أصبح جزءاً من الصراع نفسه، وليس مجرد انعكاس له.