الأحد 15 فبراير 2026
شرعت إثيوبيا، عبر الخطوط الجوية الإثيوبية المملوكة للدولة، في تنفيذ مشروع ضخم لبناء مطار دولي جديد في مدينة بيشوفو الواقعة على بُعد نحو 45 كيلومتراً جنوب شرقي العاصمة أديس أبابا، بكلفة مُعلنة تبلغ 12.5 مليار دولار، في خطوة تقول الحكومة إنها ستنتج «أكبر مطار في أفريقيا» عند اكتماله بحلول 2030.
وأعلن رئيس الوزراء آبي أحمد، عبر منصة “إكس”، أن مطار «بيشوفو الدولي» سيكون «أكبر مشروع بنية تحتية للطيران في تاريخ أفريقيا»، مشيراً إلى أنه سيضم أربع مدارج، ومساحات لوقوف 270 طائرة، وطاقة استيعابية تصل إلى 110 ملايين مسافر سنوياً—أي أكثر من أربعة أضعاف الطاقة الحالية للمطار الرئيسي في البلاد الذي تتوقع الحكومة بلوغه حدوده التشغيلية خلال عامين إلى ثلاثة أعوام.
وفقاً لتصريحات مسؤولين في الخطوط الإثيوبية، سيُموَّل نحو 30% من المشروع من موارد الشركة، بينما يعتمد الباقي على المقرضين والمؤسسات المالية. وقد خُصص بالفعل 610 ملايين دولار لأعمال الحفر وتجهيز الأرض (Earthworks) على أن تُستكمل خلال عام، فيما يُتوقع أن يبدأ المقاولون الرئيسيون أعمالهم في أغسطس/آب 2026. وتُظهر هذه الأرقام، إضافة إلى انتقال تقدير الكلفة من 10 مليارات دولار إلى 12.5 مليار، حساسية المشروع لمعادلات التمويل وتقلبات الأسعار وتكاليف التنفيذ.
وتبرز هنا مفارقة سياسية–اقتصادية لافتة: إطلاق المشروع يتزامن مع مسار إثيوبيا لإعادة هيكلة ديونها بعد تعثرها عن سداد سندها الدولي الوحيد في أواخر 2023، ومع سعيها لإتمام ترتيبات مع حاملي سندات بقيمة مليار دولار ضمن «الإطار المشترك» لمجموعة العشرين، في وقت يعمل فيه صندوق النقد الدولي مع أديس أبابا ضمن برنامج تمويل قائم.
توقيت تدشين المشروع يزيد من حساسية الجدل حول أولويات الإنفاق والحوكمة. فالهيئة الوطنية للانتخابات في إثيوبيا أعلنت أن موعد الانتخابات العامة السابعة سيكون في 1 يونيو/حزيران 2026، وأن فترة الحملات الانتخابية تبدأ في 9 يناير/كانون الثاني 2026 وتمتد حتى 27 مايو/أيار، مع جدول تفصيلي للتسجيل والترشح وإعلان النتائج.
وبينما تقدم الحكومة المشروع كعنوان لقدرة الدولة على «تحديث الاقتصاد» وبناء بنية تحتية تنافسية، يرى منتقدون أن “القصص الكبرى” من نوع «أكبر مطار» و«أكبر سد» و«مشاريع تجميل حضري» تُستخدم أيضاً لتعزيز خطاب الإنجاز قبيل الاستحقاق الانتخابي، خصوصاً في بيئة سياسية–أمنية معقدة وتحديات معيشية حادة، ما يجعل سؤال الشفافية والرقابة البرلمانية على عقود المطار وتمويله سؤالاً سياسياً بقدر ما هو اقتصادي.
تستند الخطوط الإثيوبية—الأكبر في أفريقيا من حيث الشبكة والحجم—في دفاعها عن المشروع إلى نمو أعمالها: فقد ارتفعت إيراداتها في السنة المالية 2024/2025 بنحو 8% إلى 7.6 مليارات دولار، مع زيادة عدد المسافرين 11% إلى 19 مليوناً وإضافة ستة مسارات جديدة، بحسب تصريحات رئيسها التنفيذي. وتراهن الشركة على أن قيود الطاقة الاستيعابية في مطار «بولِه» بأديس أبابا باتت عنق زجاجة يهدد نموها، ما يجعل المطار الجديد ضرورة تشغيلية لا ترفاً.
وفي سياق التمويل، تؤكد «الخطوط الإثيوبية» أن بنك التنمية الأفريقي سيقدم قرضاً بقيمة 500 مليون دولار، ويتولى قيادة تعبئة بقية التمويل للمطار “الأخضر” في منطقة أبوسيرا قرب بيشوفو، مع بدء بطاقة أولية 60 مليون مسافر سنوياً قبل التوسع إلى 110 ملايين.
تصف وثيقة صادرة عن وزارة التجارة الأمريكية المشروع بوصفه «مطار بيشوفو الأخضر» على مساحة 35 كيلومتراً مربعاً، وتشير إلى أن المرحلة الأولى تتضمن مبنى ركاب بنحو 1.1 مليون متر مربع بطاقة 60 مليون مسافر سنوياً بحلول 2029، إضافة إلى مرافق شحن تتجاوز 100 ألف متر مربع ومدرجين متوازيين في المرحلة الأولى، مع مدرجين إضافيين في المرحلة الثانية. كما تتوقع الوثيقة أن يستحوذ المطار عند تشغيله على نحو 95% من حركة السفر الدولية في إثيوبيا، مع وجود كونسورتيوم تصميم تقوده Sidara ويضم مكاتب دولية مثل Zaha Hadid Architects وPascall+Watson، فيما تقدم KPMG استشارات هيكل التمويل.
في المقابل، يفتح المشروع ملفاً اجتماعياً شديد الحساسية يتعلق بالأراضي وإعادة التوطين. فقد نقلت تقارير أن المشروع أدى إلى نقل/إعادة إسكان نحو 2,500 مزارع، بتكلفة قُدرت بنحو 350 مليون دولار، مع الإشارة إلى أن الموقع يقع في إقليم أوروميا الذي يشهد—وفق تقارير—توترات وصعوبات أمنية.
وتحدثت منصة “The Reporter” الإثيوبية عن أن حزم إعادة التوطين قد تتجاوز 350 مليون دولار لأكثر من 2,000 أسرة زراعية، وتشمل إسكاناً ومرافق إنتاجية وخططاً مرتبطة بالبنية الأساسية للمنطقة الجديدة.
في المحصلة، يضع مشروع «بيشوفو الدولي» إثيوبيا أمام معادلة مزدوجة: من جهة، فرصة لتحويل القيود التشغيلية الحالية إلى منصة نمو إقليمي وتعزيز مكانة الناقل الوطني، ومن جهة أخرى، اختبار حقيقي لصلابة إدارة المخاطر المالية في بلد يعيد هيكلة ديونه ويعتمد على مقرضين خارجيين، فضلاً عن اختبار الشفافية والحوكمة في عقود بمليارات الدولارات في موسم انتخابي تتصاعد فيه حساسية “التسويق السياسي” للمشاريع العملاقة.