تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الخميس 16 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
كتب

عبقرية "أفجودييه" وقصص من إهمال المواهب

26 مايو, 2025
الصورة
عبقرية "أفجودييه" وقصص من إهمال المواهب
Share

أسعدت كثيرا بالاحتفاء الذي حظي به تدشين ديوان الشاعر الراحل أحمد سعيد ديريي المشهور بلقبه البلاغي " أفجودييه" AfGudhiye" في صوماليلاند، إذ أقيم أول حفل تدشين لديوانه في مدينة بورما مساء يوم الجمعة الماضي، بحضور رسمي وشعبي كثيف، وسط توقعات بإقامة حفلات أخرى لعرض الديوان الجديد في هرجيسا ومدن أخرى قريبا. 

أتوجه هنا بالتهنئة لمؤلف الديوان الشاب خضر شكري الذي عكف دهرا على جمع حكم الراحل ودرره البلاغية وفلسفته العميقة وحفظها في ديوان خالد، والشكر موصول إلى المسؤولين الذين رعوا حفل التدشين في بورما، وكل من أسهم في تخليد هذا التراث الأدبي الرائع.

لم ألتق بالشاعر الفيلسوف أحمد سعيد أفجودييه، ولكنني تابعت إنتاجه الفني والأدبي فترة طويلة، فوجدت فيه عمقا في المعنى والمغزى، ولطالما أثارت قصائده وأغانيه الجدل في الأوساط السياسية بسبب عمق معانيها وبعد نظر مؤلفها. اشتهر الرجل بالشعر المفعم بالحكم، وبمختلف المحسنات البديعية والبلاغية والتورية والأحاجي اللغوية، كما برع في التأليف المسرحي والتمثيل.

لكن الراحل، وهذا أمر مؤسف، لم يلق رعاية تليق بمقام إبداعه، فقد أمضى حياته متواضعا بعيدا عن الأضواء. كما عانى كثيرا من التهميش والإهمال في فترات مرضه الذي سبق رحيله.

تابعت إنتاجه الفني والأدبي فترة طويلة، فوجدت فيه عمقا في المعنى والمغزى، ولطالما أثارت قصائده وأغانيه الجدل في الأوساط السياسية بسبب عمق معانيها وبعد نظر مؤلفها

عاش أفجودييه، واللقب يعني البليغ المفوه، مخلصا لموهبته الأدبية، متمسكا برسالته الفنية الهادفة بعيدا عن التطبيل لقصور الحكم، فدفع ثمن هذه الرسالة حين وهن عظمه وساء حاله، وذلك شأن كثير من الموهوبين والمبدعين في بلداننا، و"لا كرامة لنبي في قومه" كما يقال.

عبّر المرحوم أحمد سعيد أفجودييه، (1964- 2018)، في إحدى قصائده الفريدة، عن الصراع الداخلي الذي يشعل قلب كل فنان وشاعر شريف يعاني البؤس والمتاعب في سبيل أداء رسالته المجتمعية، حين يرى أقرانه من المطبلين والتافهين في نعيم وراحة بال، فقال، وأنا هنا أحاول ترجمة بعض أبياته الصومالية:

لو هِمّتي قلّت لكنت مدلّلا             ولساد بين العالمين مقامي 

أوصيكِ يا نفسي بهمْسٍ خافضٍ     وتجاهلٍ.. لا تجهري بملام

لكن نفسه لم تطاوعه فثبت على مبدئه الشريف، وأبى أن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، واستمر كذلك حتى وافته المنية، مخلفاً وراءه دروساً وعبرا تنفع الأجيال القادمة. 

وجدتُ قواسم مشتركة بين شعرائنا الصوماليين ذوي الرسالة الفنية الهادفة، ومن ذلك حرصهم الشديد على الاستقلال في التفكير، وحب الحرية، والتمرد على أي نوع من الهيمنة، وتوعية المجتمع والإسهام في تنويرهم وإرشادهم بجد وإخلاص دون انتظار مقابل. على هذا المنوال سار السيد محمد عبد الله حسن، وعبد الله سلطان تمعدي، وعبد القادر يميم، ومحمد هدراوي، ومحمد حاشي غاريي، وغيرهم. تاركين وراءهم حكما ودروسا نافعة مخلصة تتناقلها الأجيال، لا أموالا اختلسوها من خزانة عامة أو خاصة.

تعكس النماذج السابقة ما يعانيه الأدباء ومبدعو الكلمة من إهمال شديد في مجتمعاتنا، فالأدب وخاصة الشعر يتطلب صفاء ذهن دائم، ونوعا من التفرغ، لكن ذلك يبدو صعبا في البيئات الفقيرة والدول الهشة، حيث تمثل لقمة العيش همّا يؤرق مضاجع الشعراء والأدباء

على ذكر الأدباء المرشدين، أود الإشارة إلى أن كتابة هذا المقال تتزامن مع الذكرى الرابعة لرحيل الفنان المسرحي الصومالي إبراهيم سوران، متأثرا بفيروس كورونا. وقد كان شاعرا بليغا وممثلا هادفا، يتمتع بحس فني راق، وموهوبا مطبوعا، ولم يكن من المتكلفين. والشاهد في الموضوع أن سوران لم يلق رعاية صحية تليق بمقام إبداعه، وهذا انعكس في تفاعل متابعيه الذين أعربوا عن شديد الاستياء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أثناء مرضه الأخير.

تعكس النماذج السابقة ما يعانيه الأدباء ومبدعو الكلمة من إهمال شديد في مجتمعاتنا، فالأدب وخاصة الشعر  يتطلب صفاء ذهن دائم، ونوعا من التفرغ، لكن ذلك يبدو صعبا في البيئات الفقيرة والدول الهشة، حيث تمثل لقمة العيش همّا يؤرق مضاجع الشعراء والأدباء ومن يعولونهم، لا سيما أن بضاعتهم ليست ذات مردود مادي ملموس، فينتهي بهم الأمر إلى التكسب بإنتاجهم وتسخيره لمن لا يستحق، أو التخلي عن مواهبهم التي لا تؤكلهم عيشاً، والانشغال بما يفيدهم مادياً  أو جعلها هواية، تُمارس في ساعات الفراغ  فقط، أو الإخلاص لها والتمسك بها والرضا بشظف العيش في سبيل أداء الرسالة المجتمعية، وهذا ما فعله كثير من الشعراء الفقراء في مختلف العصور. 

العناية بالإبداع والمبدعين في مختلف المجالات مسؤولية مشتركة، وكان أستاذنا في المعهد الإسلامي السعودي في جيبوتي، عبد السلام بري، يكتب بجريدة القرن الجيبوتية عمودا ثابتاً بعنوان "حتى لا تموت المواهب"، وهو عمود استمر طويلا، وحظي بمتابعة جيدة. لكن أستاذنا طوى قلمه وكتابه وحزم أمتعته وهاجر فجأة إلى بلاد بعيدة في الغرب، واستقر هنالك، ربما بعد أن توصل إلى أن المناخ في منطقتنا غير ملائم لتنمية المواهب وتطويرها.

أختتم مقالي هذا بالدعوة إلى الاهتمام بالمواهب وصقلها وتنميتها والعناية بالموهوبين والمبدعين، وعلى الحكومات أن تمد لهم يد الدعم والرعاية وتوفر لهم الأجواء الملائمة للإبداع دون منّ أو أذى، وأظن أن كلامي واضح.