الأحد 15 فبراير 2026
بداية الأسبوع الجاري، وبعد ساعات على إعلان قيادات عسكرية استحواذهم على السلطة في دولة بنين، تم الإعلان عن فشل المحاولة الانقلابية، واستعادة الأمن في البلاد.
أهم ما يمكن ملاحظته في هذا الحدث، هو أن هذا الإفشال لم يحدث بسبب التفاف الجماهير ودعمهم للنظام الشرعي، كما حدث إثر محاولة الانقلاب التركية مثلاً، حين خرج عشرات الآلاف إلى الشارع، بل بسبب اتفاق الخارج على ضرورة إجهاض هذا الانقلاب.
ما حدث في بنين، الدولة الواقعة على الساحل الغربي لأفريقيا، مهم، لأنه بقدم تأكيداً جديداً على أن القوى الدولية هي التي تملك حق منح الشرعية، وهي التي يمكنها أن تساند الانقلابات أو أن تُنجح التغييرات السياسية، التي توافق مصالحها. كما أن هذه القوى، في المقابل، مستعدة للدفاع بكل شراسة عن الأنظمة التي تخدمها، وعن الزعماء والقادة السياسيين الذين ترى أنها مستفيدة من وجودهم.
إثر سلسلة انقلابات الساحل لم تستطع فرنسا، الدولة الأكثر تأثراً، أن توقف موجة التغيير العاتية، لكنها استخدمت ضغوطاً مكثفة من أجل أن تحاول نزع الشرعية عن الأنظمة الوليدة، وأن تدخلها في حالة من الحصار السياسي والاقتصادي. كما حدث مع النيجر، التي جربت نوعاً قاسياً من الضغوط، كادت تصل حد التدخل العسكري المباشر، لولا تراجع نيجيريا، التي رأت أن مثل هذا التدخل قد يرتد على سلمها الأهلي بسبب التشابك والارتباطات القبلية بين البلدين.
يتذكر المتابع أنه في الوقت الذي كانت فيه فرنسا، تندد بإنقلاب النيجر، وتدعو دول الجوار للتدخل بالقوة من أجل استعادة النظام المعزول، كانت عاصمة الأنوار وغيرها من دول الغرب يغضون الطرف عن انقلاب الغابون، الذي أظهرت قيادته الانقلابية الجديدة ولاءها لباريس، واحتفاظها بالعلاقات معها مع التعهد بعدم المساس بأي اتفاق سابق.
مثل هذا يقال عن السودان، المحاصر أيضاً، والذي يعاني من تجميد عضويته في الاتحاد الأفريقي بسبب عدم الاعتراف بشرعية النظام القائم بعد إزاحة حكومة "الحرية والتغيير" في أكتوبر/تشرين الأول 2021. يدافع قادة غربيون وفاعلون إقليميون عن هذا التجميد، ويرون أنه مبرر، لأن ما حدث هو انقلاب على الشرعية وعلى المكون المدني، فيما يدرك من يقرأ الواقع بعمق أن تلك الإجراءات العقابية لم تكن بسبب الانقلاب، خاصة وأن الحكومة المذكورة المنقلب عليها لم تكن نتيجة انتخاب. كل ما في الأمر هو أن تلك القيادة المدنية كانت، وما تزال، تمثل المصالح الغربية ورؤية الأوروبيين والأمريكيين لما يجب أن يكون عليه مستقبل البلاد. هكذا كانت دول كثيرة ترى أن في إزاحتها إضرار بمصالحها.
إن الاستقرار الاقتصادي ونجاح مشاريع البنية التحتية، خاصة فيما يتعلق بالماء والكهرباء والطرق والاتصالات والرقمنة، لدى غالبية المواطنين، هو أمر كافٍ للتشبث بالوضع القائم، وعدم التحمس للاندفاع إلى مغامرة
إن الحديث عن بنين بوصفه قلعة للديمقراطية ونظاما سياسيا مميزا لن يكون كافياً لإقناعنا بأن هذا هو السبب الوحيد، الذي دفع لتشجيع "إيكواس" بقيادة نيجيريا على التدخل من أجل إرجاع الأمور إلى نصابها وهزمية الانقلابيين.
المفارقات في السياق الإفريقي كثيرة، فنيجريا على سبيل المثال التي تهدد بتدخل جيشها هنا وهناك من أجل استعادة النظام، تعاني هي نفسها من أزمات داخلية، ومن انفراط الأمن إثر تمدد المجموعات الإرهابية التي زادت عملياتها، واستهدافاتها للمدنيين خلال الأسابيع الماضية، ما جعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يلوح بالتدخل العسكري لحماية المسيحيين، الذين يقعون ضحية للهجمات.
الواقع باختصار هو أن بنين هي من آخر حلقات الوجود الفرنسي في المنطقة، فمنذ خروج النيجر ومالي وبوركينافاسو من عباءة باريس خلال الأعوام الماضية، والمستعمر السابق يتعامل بقدر كبير من الانفعال مع كل محاولة جديدة للتمرد في الإقليم، فهو لا يريد أن يفقد ما تبقى له من نفوذ فيه. بنين بمواردها الغنية، ولكن أيضاً بما تمتلكه من موقع على البحر، تظل مهمة للفرنسيين، الذين طردت قواتهم من أكثر من دولة على حدود الساحل. هذا ما يفسر الجدية التي تابعت بها فرنسا الأمر.
يظهر الانفعال الفرنسي أيضاً في الضغوط، التي تمت ممارستها على السنغال، والتي جعلت الرئيس باسيرو فاي يتراجع، أو يؤجل، مشروع حزبه الانتخابي، الذي قاده للوصول إلى الرئاسة، والذي كان يقوم على فك الاتباط التاريخي بفرنسا. الأمر مشابه أيضاً لما يحدث من دعم سياسي لرئيس ساحل العاج الحليف من أجل إبقائه في السلطة.
في الوقت الذي كانت فيه فرنسا، تندد بإنقلاب النيجر، وتدعو دول الجوار للتدخل بالقوة من أجل استعادة النظام المعزول، كانت عاصمة الأنوار وغيرها من دول الغرب يغضون الطرف عن انقلاب الغابون، الذي أظهرت قيادته الانقلابية الجديدة ولاءها لباريس
رئيس بنين باتريس تالون يمثل الرئيس النموذجي، وبالتالي الشرعي، وفق النظرة الفرنسية، فهو من الأثرياء، الذين يضعون أموالهم في فرنسا، ويرتبطون معها بشكل شخصي بمصالح وتشابكات مالية، ما يعني بالضرورة أن بإمكانه أن يكون ضامناً لمصالح فرنسا وشبكة علاقاتها في بلاده. أما الحزب الحاكم فهو أقرب لتجمع سياسي يجمع تالون مع رجال المال والأعمال، الذين تشتبك مصالحهم مع الدولة ومشاريعها الحكومية من جهة، ومع مصالح مستثمرين من الخارج من جهة أخرى، فيما يقوم برنامجهم على تطويع مقدرات البلاد لخدمة مشاريع تحقق أكبر عائد من الربح لأصحابها.
تالون، ومثله من تبقى من حلفاء للغرب أو لفرنسا، يمتلكون أهمية أخرى، وهي أن بإمكانهم لعب دور "الموظف المحلي"، الذي يمكن تكليفه بلعب أدوار في الإقليم. يتهم نظام تالون مثلا من قبل النيجر التي لم تنس لها فرنسا الطريقة المهينة التي تم بها طرد سفيرها، بأنه يساهم في زعزعة استقرارها، وفي التدخل في شؤونها.
استبدال كل ذلك بوجوه جديدة غير معروفة الولاء ولا الخلفيات هو أمر تتعامل معه فرنسا كتهديد، خصوصا وأن هناك احتمالاً قائماً بأن تكون هذه الوجوه الجديدة مؤمنة بخطابات التمرد على الاستعمار، التي تجد رواجاً وشعبية في أوساط كثيرة.
انهيار الانقلاب السريع كانت له عدة أسباب، أهمها ضعف التنسيق والتخطيط، فالمقارنة مع تحركات الساحل الأخرى المشابهة، يمكن أن ترينا بوضوح حجم الارتباك الذي تميز به الانقلابيون.
يظهر الانفعال الفرنسي أيضاً في الضغوط، التي تمت ممارستها على السنغال، والتي جعلت الرئيس باسيرو فاي يتراجع، أو يؤجل، مشروع حزبه الانتخابي، الذي قاده للوصول إلى الرئاسة، والذي كان يقوم على فك الاتباط التاريخي بفرنسا
السبب الثاني هو أن هذا الانقلاب لم يكن يحظى بدعم شعبي واضح، حيث بدا أن الناس كانوا مهتمين أكثر باستدامة الاستقرار، خصوصا وأن غالبيتهم لا يعانون مما كان يعاني منه مواطنون في مالي وبوركينافاسو من ضغط اقتصادي أو من تزايد التهديدات الإرهابية، التي دفعت لتشجيع الكثيرين لتنحية القيادات العسكرية الفاشلة العاجزة عن حمايتهم. في بنين يمثل الإرهاب تهديداً ثانوياً، فهو محدود ومحصور بنطاق مناطق الشمال.
إن الاستقرار الاقتصادي ونجاح مشاريع البنية التحتية، خاصة فيما يتعلق بالماء والكهرباء والطرق والاتصالات والرقمنة، لدى غالبية المواطنين، هو أمر كافٍ للتشبث بالوضع القائم، وعدم التحمس للاندفاع إلى مغامرة لا يعرف أحد ما ستقود إليه.
ربما تكون وجهة النظر هذه صحيحة، فقد علمتنا التجارب أن التغييرات العشوائية، التي لا تستند على خطة أو رؤية، تظل محفوفة بالمخاطر، وقد تقود إلى مصير هو أسوأ مما كان عليه الحال.
مع ذلك، فإن القناعة التي تولدت لدى كثير من المهتمين والمراقبين هي أن الطريقة الأمثل لكسب الشرعية والاعتراف ليست تكوين حكومة مدنية ولا تنظيم انتخابات، بل عقد تفاهمات مع القائمين على القرار الدولي. نعلم اليوم أنه إذا ما تم التوصل مع هؤلاء المؤثرين الدوليين لنوع مقبول من الصفقات الرابحة، فإنه سيتم تمرير كل شيء، حتى لو كان انقلاباً واضحاً أو جرائم مشهودة بحق الشعب.