الجمعة 17 أبريل 2026
تمثل ظاهرة انتشار السلاح بين المدنيين في القارة الأفريقية، واحدة من أكثر المشكلات التي تفرض تحديات أمنية وإنسانية يصعب التصدي لها، ففي مدن القارة وقراها ليس غريبا أن ترى مجموعة مسلحة تتجول في الشوارع مشهرين أسلحتهم الفتاكة، وهم لا يحملون صفة عسكرية؛ هذه الظاهرة تتزايد بشكل واضح في مناطق القرن الأفريقي ودول الساحل، التي تشهد اضطرابات أمنية متصاعدة، ما بين حروب أهلية أو موجات تمرد مسلح، يدفع ثمنها في نهاية المطاف المدنيون والفئات الأكثر هشاشة.
في السودان الذي يشهد حربًا أهلية قاسية منذ أبريل/ نيسان 2023، والتي خلفت عشرات الآلاف من القتلى والمصابين، دعا حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، بعد أسابيع قليلة من اندلاع الصراع، مواطني الإقليم الذي يفترض أن يحميه بموجب سلطة القانون، إلى حمل السلاح لحماية أرواحهم وممتلكاتهم. لتكون هذه الدعوة تكرارًا لتجارب سابقة، شهدتها القارة على مدار العقود الماضية، حتى أصبح الطلب على السلام متزايدا بين المدنيين، على حد وصف تقرير صادر عن مشروع ENACT المتخصص في مكافحة الجريمة المنظمة في مايو/آيار 2024.
لم تقتصر الدعوة على إقليم دارفور الذي يمتلك رصيدًا مروعا من الانتهاكات الإنسانية وجرائم الحرب، بل تحولت لتوجهات عامة نحو عسكرة المجتمعات الأفريقية، إذ بات الجيش السوداني يعترف بمن يسميهم "المستنفرين"، حيث دعت وزارة الدفاع السودانية في مايو/آيار 2025، العسكريين المتقاعدين والقادرين على حمل السلاح إلى الذهاب نحو أقرب نقاط عسكرية لإعادة تسليحهم، لتقابل هذه الدعوة بانخراط حركات مسلحة، ومجموعات قبلية كانت بعيدة عن مسرح الأحداث إلى صفوف الجبهتين المتقاتلتين، حيث أعلنت حركات مسلحة وكيانات جهوية انضمامها إلى الجيش مقابل أخرى انضمت إلى الدعم السريع.
شهدت الساحة الإثيوبية هي الأخرى وقائع مماثلة، إبان حرب حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد مع مسلحي إقليم تيغراي، حيث دعا رئيس الوزراء الإثيوبي وقتها، جميع المدنيين المؤهلين للقتال بالانضمام إلى صفوف الجيش. بينما انحازت مجموعات من عرقيات الأورومو إلى التغراي، مقابل انحياز مسلحين من أمهرة وعفار إلى القوات الفيدرالية، وهو ما كاد أن يحول الصراع إلى حرب أهلية واسعة على أسس عرقية.
سلطة الحكومة المركزية في عدد كبير من الدول الأفريقية، لا تتعدى حدود العاصمة وعليه لا تقوى الدولة على القيام بوظيفتها الأساسية في توفير الأمن والخدمات الأساسية لمواطنيها، وهو ما يسمح لجماعات محلية أن تقوم بهذا الدور
تكرر الأمر ذاته في الصراعات التي شهدتها دول منطقة الساحل الأفريقي، وتحديدا بوركينا فاسو، التي تخوض حربا ضروس مع الجماعات الجهادية المنتشرة في مواقع مختلفة من البلاد، إذ لجأت الحكومات المتعاقبة في واغادوغو إلى تسليح المدنيين لصد نفوذ الجماعات الجهادية التي تنشط في شمال البلاد.
عن الحالة السابقة يقول الدكتور تانغي كويديلور الباحث في معهد العلوم الاجتماعية السياسية (ISP) في ورقة بحثية له، إن البلد الذي شهد انقلابين عسكريين خلال السنوات الأخيرة، يعيش حالة غير مسبوقة من تسليح المدنيين لمعاونة القوات الحكومية، مشيرا إلى أن الحكومة لم تجد سبيلا سوى حشد المواطنين على نطاق واسع لمحاربة الجماعات الجهادية.
يؤكد الباحث أن هذا الحشد هو أسلوب قديم اتبع في البلاد منذ فترة الرئيس توماس سانكارا، الذي وصل إلى السلطة بعد انقلاب عسكري في عام 1983، إذ سعى إلى جعل الجيش مؤسسةً داخل المجتمع، وكان يرى أن المدنيين هم في الأساس عسكريون في إجازة، يمكن توظيفهم لخدمة أهداف الدولة في أي وقت.
يستطرد كويديلور، أن أحد أشهر الجماعات المدنية المسلحة التي شهدتها بوركينا فاسو هي جماعة "كوغلويغو" أو "صيادو الدوزو"، الذين نشطوا في البلاد خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وتستلهم منهم الإدارة الحالية دعوات تسليح المدنيين لبناء نوع من الشرطة المجتمعية، تكون مهمتها مساعدة القوات النظامية في حفظ الأمن، ومنع الجريمة.
بناء على هذه الحالة يجد المتطوعون أنفسهم في الخطوط الأمامية جنبًا إلى جنب مع قوات الجيش النظامية، خاصة وأن أعداد الجيش البوركيني قليلة مقارنة بجيوش أفريقية أخرى، وهو ما دفع البلاد لتجنيد مزيد من المدنيين حيث أقدمت في فبراير/ شباط 2023، على تجنيد 5000 جندي وضابط، أضيفوا إلى 50 آلفا سبق تجنيدهم عام 2022، انضموا وقتها إلى "لواء اليقظة والدفاع الوطني"، وهو ما يشير إلى أن عدد المسلحين المدنيين يفوق عدد عناصر الجيش النظامي وفق كويديلور.
في محاولة لتبرير الحالات السابقة يرجع الباحث المصري حمدي عبد الرحمن، في مقال له، ظاهرة تسليح المدنيين في أفريقيا، إلى عدد من العوامل فرضتها البيئة الأفريقية، أهمها عجز الدولة عن مواجهة الأزمات الأمنية، وغياب منظومة العدالة، الذي بسببه وجد الكثيرون أنفسهم مجبرين على حل أزماتهم بأنفسهم، وحماية أرواحهم وممتلكاتهم. كما أن الدولة لجأت إلى تسليح المدنيين في بعض الأحيان لعجز أجهزتها عن مواجهة موجات الإرهاب والتمرد.
يطلق الباحث مسمى "حراس الليل" أو "الحراس المحليين" على المسلحين المدنيين، مشبها هذه الظاهرة بمجالس الصحوات التي انتشرت في العراق، بعد سقوط نظام الرئيس الراحل صدام حسين، مشيرا إلى أن هؤلاء الحراس عادة ما يقومون بمهام الشرطة، لاسيما في مناطق الأطراف البعيدة عن سلطة الدولة المركزية.
الخطورة تكمن في ارتكابهم لجرائم مروعة، وإفلاتهم من العقاب، فوفقا لما ذكرته مجموعة الأزمات الدولية، فإن بوركينافاسو على سبيل المثال شهدت جرائم متنوعة ارتكبتها القوات المساعدة، أو المتطوعين لمساندة الجيش في عملياته ضد الجماعات الجهادية في البلاد
يشير إلى أن سلطة الحكومة المركزية في عدد كبير من الدول الأفريقية، لا تتعدى حدود العاصمة، وعليه لا تقوى الدولة على القيام بوظيفتها الأساسية في توفير الأمن والخدمات الأساسية لمواطنيها، وهو ما يسمح لجماعات محلية أن تقوم بهذا الدور، منوها إلى أن تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى أن عدد المحاربين المحليين في بوركينا فاسو وحدها يصل إلى 400 ألف مقاتل تقريبا.
استنادا إلى ذلك يقول معهد الدراسات الأمنية (ISS)، وهو منظمة أفريقية تهدف إلى تعزيز الأمن البشري، في مقال إن الصومال هو الآخر تحول إلى بحر يموج بالأسلحة غير المشروعة، بسبب غياب الدولة، وضعف الجهود الدولية الرامية إلى مواجهة ظاهرة تهريب الأسلحة، لافتا إلى أن البلاد تدخل إليها كميات كبيرة من الأسلحة الإيرانية، قادمة من اليمن، والتي عادة ما تكون موجهة إلى حركة الشباب. وقد تنتقل إلى جماعات مماثلة في كينيا وإثيوبيا وموزمبيق، وهو ما يُهدد الأمن في منطقة مضطربة أصلًا.
على الرغم من تبرير الحكومات التي أقدمت على تسليح مواطنيها لمواجهة التهديدات الأمنية، بأن هذه الإجراءات استثنائية، وأنها ستعمل بعد انتهاء الصراع على جمع السلاح، وتفكيك المجموعات المسلحة، إلا أن وقائع الأحداث تشير إلى أن هذه المهمة ليست سهلة على الإطلاق، وهو ما يظهر في ليبيا على سبيل المثال التي فشلت المساعي الأممية والمحلية في تفكيك الميليشيات المسلحة المنتشرة فيها، منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011، ولا تزال تحتفظ هذه القوات بترسانة ضخمة من الأسلحة التي استولت عليها عقب سقوط رأس النظام، وتفكك مؤسسة الجيش.
الأمر لا يقتصر على احتفاظ المسلحين بأسلحتهم، بل الخطورة تكمن في ارتكابهم لجرائم مروعة، وإفلاتهم من العقاب. فوفقا لما ذكرته مجموعة الأزمات الدولية في ورقة بحثية، فإن بوركينافاسو على سبيل المثال شهدت جرائم متنوعة ارتكبتها القوات المساعدة، أو المتطوعين لمساندة الجيش في عملياته ضد الجماعات الجهادية في البلاد.
القضاء على ظاهرة المسلحين غير النظاميين في منطقة القرن الأفريقي يتطلب معالجة الصراعات التاريخية والاضطرابات السياسية المستمرة في المنطقة، وتهيئة الظروف الأساسية للسلام والتنمية المستدامين
ذكرت المجموعة أن عمليات التجنيد نفسها تتم على أسس طائفية، حيث تستبعد عرقية الفولاني من الانضمام للجان الدفاع عن الشعب (VDP) للاشتباه في تعاونهم مع الجهاديين، وهو ما يتسبب في تفاقم ظاهرة تآكل التماسك الاجتماعي في البلاد. إضافة إلى تكرار عمليات استهداف مجموعات الفولاني على أسس عرقية، وفي المقابل لم يُعاقب أفراد الشعب المتطوع قط على أعمال العنف الجماعي التي يُزعم تورطهم فيها.
لم يكن شعب الفولاني وحدهم هم من يدفعون ضريبة تسليح المدنيين وفوضى السلاح في أفريقيا، إذ تشير منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقرير لها صدر مطلع عام 2025 إلى أن المدنيين في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي تحملوا وطأة النزاعات المسلحة بين القوات الحكومية وجماعات المعارضة المسلحة خلال العام 2024، وأنهم في جميع أنحاء المنطقة، كانوا ضحايا قمع ممنهج من الأطراف المتصارعة.
مام هذه الظاهرة المتفاقمة، يرى معهد الدراسات الأمنية، في التقرير السابق الإشارة إليه، أن مواجهة فوضى السلاح، تتطلب عملا جماعيا من قبل دول القرن الأفريقي، إذ يتوجب عليها اتخاذ إجراءات مشتركة استباقية من خلال فرقة العمل المعنية بالبحر الأحمر وخليج عدن، التابعة للهيئة الحكومية الدولية للتنمية (إيغاد)، والتي أُنشئت للتعاون في مجال الأمن البحري، منتقدا اعتماد حكومات دول المنطقة على الجهود الدولية التي عادة ما تكون قاصرة وغير فاعلة في مواجهة هذه الظاهرة.
يتفق مع هذه الخطوة الباحث إيدن ماتياس، المتخصص في برامج العدالة الانتقالية وبناء السلام في منطقة القرن الأفريقي، والذي يرى في مقال له أن القضاء على ظاهرة المسلحين غير النظاميين في المنطقة يتطلب معالجة الصراعات التاريخية والاضطرابات السياسية المستمرة في المنطقة، وتهيئة الظروف الأساسية للسلام والتنمية المستدامين.
المدنيين في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي تحملوا وطأة النزاعات المسلحة بين القوات الحكومية وجماعات المعارضة المسلحة خلال العام 2024، وأنهم في جميع أنحاء المنطقة، كانوا ضحايا قمع ممنهج من الأطراف المتصارعة
يشير إلى أن جميع أنحاء القرن الأفريقي تواجه صراعات أهلية مطولة، وتوترات عرقية، وانتهاكات لحقوق الإنسان، وغالبا ما تفشل مساعي نزع السلاح وتسريح المقاتلين بسبب غياب الثقة، وضعف منظومة العدالة، وهو ما يشكل تحديات أمام تحقيق الاستقرار والسلام في المنطقة.
يشير الاستعراض السابق إلى أن تجارب تسليح المدنيين، وإن كان لها أثر إيجابي على المستوى القصير، إلا أنها قد تشكل عقبة تهدد استقرار المجتمعات الأفريقية على المستوى الطويل، لذا قد تكون الدول الأفريقية مطالبة بتعزيز قدرات أجهزتها الأمنية، وتعزيز مبادئ الحكومة القائمة على الشفافية وتفعيل القانون، بدلا من تسليح مواطنيها بشكل قد يهدد بقاء الدولة ذاتها مستقبلا.