تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الخميس 5 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

بناء السلفية في إثيوبيا: من الاستيراد إلى التوطين

23 يوليو, 2025
الصورة
بناء السلفية في إثيوبيا: من الاستيراد إلى التوطين
Share

يُفترض على نطاق واسع أن المملكة العربية السعودية أدّت دورًا رئيسيًا في نشر السلفية داخل إثيوبيا، سواء عبر إرسال الدعاة مباشرة، أو من خلال تمويل بناء المساجد بطرق غير مباشرة. وعلى الرغم من أن للمملكة دور لا يمكن إنكاره، إلا أن من الخطأ المبالغة في تقدير أهميته. فالعامل الأكثر تأثيرًا في هذا المجال كان المسلمون الإثيوبيون أنفسهم، الذين عبروا البحر الأحمر، وتولّوا مهمة تكييف التعاليم السلفية مع الواقع المحلي.

لقد أتاح القرب الجغرافي بين شبه الجزيرة العربية ومنطقة القرن الأفريقي نشوء روابط تاريخية بين المسلمين العرب ونظرائهم في القرن الأفريقي. لكن المملكة المسيحية التاريخية في إثيوبيا سعت، في المقابل، إلى النأي بنفسها عن الجزيرة العربية، مصوّرةً نفسها على أنها "جزيرة مسيحية" تحيط بها "بحار معادية"، تهدّد وجودها. وقد أسّس هذا التصوّر لقيام توجهات انعزالية وسياسات دفاعية تجاه جيرانها المسلمين. وفي الوقت ذاته، ظلّ يُنظر إلى المسلمين الإثيوبيين باعتبارهم شركاء محتملين لقوى إسلامية خارجية، ما دفع الدولة إلى إبقائهم على مسافة من التأثيرات الإسلامية "الوافدة".

تُعد ديناميات القرب والبعد هذه عنصرًا حاسمًا لفهم طبيعة الاتصال والتفاعل بين المملكة العربية السعودية وإثيوبيا. فالمبادرات الدعوية السعودية، ومساعي الدولة الإثيوبية لإحباطها، ومحاولات المسلمين الإثيوبيين التفاوض مع هذا الواقع، كلها أسهمت في إنتاج علاقات معقّدة، تتسم بمزيج متداخل من القرب والمسافة، والقيود والتواصل.

ورغم أن المسلمين الإثيوبيين سافروا إلى الحجاز لأداء الحج على مدار التاريخ، فإن العلاقات الرسمية بين إثيوبيا والسعودية لم تبدأ بالتبلور إلا في القرن العشرين. ومع ذلك، وعلى عكس مناطق أفريقية أخرى شهدت تنامي النشاط السعودي منذ أوائل ستينيات القرن الماضي، لا سيما عبر "رابطة العالم الإسلامي"، ظل الحضور السعودي في إثيوبيا محدودًا حتى أواخر الثمانينيات.

ومع ذلك، فقد بلغ التأثير الديني السعودي إثيوبيا. لكن، لم تكن المملكة هي من نقل السلفية مباشرة، بل المسلمون الإثيوبيون أنفسهم، الذين حملوها إلى بلادهم. فمع تأسيس الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة عام 1961، شرع عدد متزايد من طلاب العلوم الدينية الإثيوبيين في عبور البحر الأحمر طلبًا للتحصيل الشرعي. وقد قدمت الجامعة منحًا سخية لهؤلاء الطلاب، بهدف عودتهم لاحقًا إلى بلادهم لنشر العقيدة السلفية. وهكذا، تسربت السلفية تدريجيًا إلى الداخل الإثيوبي، أولًا عبر دعاة أفراد، ثم عبر مؤسسات تعليمية ناشئة. ومن المهم التأكيد على أن السلفية التي نقلها هؤلاء العائدون لم تكن نسخة مطابقة للتعاليم السعودية، بل كانت منذ بدايتها منغمسة في الواقع المحلي ومحكومة بظروفه.

عكس مناطق أفريقية أخرى شهدت تنامي النشاط السعودي منذ أوائل ستينيات القرن الماضي، لا سيما عبر "رابطة العالم الإسلامي"، ظل الحضور السعودي في إثيوبيا محدودًا حتى أواخر الثمانينيات

أفسح سقوط النظام العسكري الماركسي، المعروف باسم "الدرغ" (1974–1991)، وصعود "الجبهة الثورية الديمقراطية لشعوب إثيوبيا"(EPRDF)  إلى السلطة عام 1991، المجال أمام السعوديين للعب دور أكثر فاعلية في إثيوبيا. فقد عززت رابطة العالم الإسلامي حضورها في البلاد، من خلال ذراعها التنموي، "الهيئة العالمية للإغاثة الإسلامية". وانخرطت الهيئة في برامج تنموية متعددة، وقدّمت تمويلًا لبناء المساجد ونشر الأدبيات الدينية. وكان أبرز مشاريعها "مدرسة أولياء"، التي تولّت إدارتها رسميًا في عام 1993. وإلى جانب المنهج العلماني المفروض من قِبل الدولة، أُدرجت اللغة العربية والدراسات الإسلامية ضمن الأنشطة التعليمية غير النظامية. كما قدّمت مؤسسات سعودية أخرى، مثل: "الندوة العالمية للشباب الإسلامي" و"مؤسسة الحرمين"، دعمًا غير مباشر في هذا الصدد.

مرة أخرى، من المهم التأكيد على الدور النشط الذي اضطلع به المسلمون الإثيوبيون أنفسهم في تطوّر الحركة السلفية المحلية. فقد أُنشئت مساجد ومدارس دينية جديدة في أنحاء البلاد، وعلى الرغم من أن عددًا منها تلقى تمويلًا من السعودية أو من جهات خارجية أخرى، فإن الغالبية الكبرى منها تمّ تمويلها محليًا. كذلك لعب المسلمون الإثيوبيون دورًا محوريًا في تأسيس منظمات سلفية محلية، من بينها "جمعية الدعوة والمعرفة الإسلامية" و"رابطة الشباب المسلم الإثيوبي"، وقد أسهمت هذه المؤسسات في التوسّع التدريجي للسلفية خلال تسعينيات القرن الماضي. ومن الجدير بالذكر أيضًا أن المسلمين الإثيوبيين انفتحوا على أفكار وافدة من مصادر متعددة، لا تقتصر على السعودية، ما أدى أحيانًا إلى اندماج هذه الأفكار مع المفاهيم السلفية.

هيمنة السلفيين على المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في البلاد منحتهم أفضلية مؤسسية عزّزت من حضورهم وموقعهم التمثيلي

تدريجيًا، بدأت السلطات السياسية الإثيوبية تُبدي قلقًا متزايدًا إزاء ما اعتبرته تَناميًا في وعي ونشاط السكان المسلمين، وفسّرت هذا التغير على أنه مؤشر على تصاعد محتمل في "التطرف". وقد شكّل عام 1995 نقطة تحوّل حاسمة، عقب محاولة اغتيال فاشلة استهدفت الرئيس المصري آنذاك، حسني مبارك، أثناء زيارته للعاصمة أديس أبابا لحضور قمة الاتحاد الأفريقي. عمّق ذلك الحدث شعور الحكومة الإثيوبية إزاء ما اعتبرته تأثيرًا خارجيًا "خطيرًا"، وعلى الرغم من أن أصابع الاتهام لم تُوجَّه رسميًا إلى المملكة العربية السعودية، إلا أن صورتها بدأت تُختزل بوصفها المصدر الأساسي لما يُسمّى بالتطرف الديني. ومع هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، ترسّخ هذا التصوّر، ودفع الحكومة الإثيوبية إلى الحد من الأنشطة الدينية السعودية داخل البلاد.

في عام 2011، كانت "الهيئة العالمية للإغاثة الإسلامية" آخر منظمة سعودية يتم إبعادها من إثيوبيا، حيث أفضت الخلافات بينها وبين وزارة التربية والتعليم حول المنهج الدراسي في "مدرسة الأولياء" إلى سحب ترخيصها وإنهاء وجودها القانوني. ومنذ ذلك الحين، بات أي دعم سعودي رسمي للأنشطة الدينية يمر عبر الملحقية الثقافية السعودية، وكان نطاق هذا الدعم محدودًا للغاية. وبالرغم من وجود قنوات غير رسمية للدعم، يموّل من خلالها بعض الأفراد السعوديين الأثرياء مشاريع محددة، فإن السياسات الجديدة التي تبنّاها ولي العهد محمد بن سلمان قد قيّدت هذه القنوات أيضًا.

إلا أن تراجع المشاركة الدينية السعودية لم يؤدِّ إلى إضعاف السلفية في إثيوبيا؛ بل على العكس، يبدو أن السلفية تشهد ازدهارًا في مختلف أنحاء البلاد، حيث تهيمن على المساجد المحلية، ومؤخرًا على "المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا". ويبدو أن انحسار الدعم السعودي قد أسهم، في الواقع، في تعزيز استقلالية الحركة السلفية، وفي مواصلة تشكّل هوية سلفية محلية الطابع. وقد أخبرني أحد أبرز العلماء السلفيين في البلاد أن تراجع الدعم السعودي دفعهم إلى الاعتماد على أنفسهم، وتطوير تصورهم الخاص للإسلام، وتعزيز البنية الدينية المحلية بإمكاناتهم الذاتية.

ومن اللافت أن مصطلح "السلفية" لم يكن شائع الاستخدام في إثيوبيا حتى سنوات قليلة مضت، لكنه بات اليوم يُستخدم من قبل السلفيين أنفسهم لتعريف حركتهم. كما أخذ هذا المصطلح يُقابل بمصطلح "التصوف"، وهو الآخر لم يكن حاضرًا في الخطاب الديني الإثيوبي حتى وقت قريب. ويشير ذلك إلى بروز اصطفافات دينية معلنة، وإلى تصاعد حدة الاستقطاب بين التيارين السلفي والصوفي. أما محاولات التوفيق السابقة بينهما، فيبدو أنها قد وصلت إلى طريق مسدود في الظرف الراهن. وفي حين تبدو محاولات التوفيق السابقة بين الطرفين وقد بلغت طريقًا مسدودًا في الظرف الراهن، فإن هيمنة السلفيين على المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في البلاد منحتهم أفضلية مؤسسية عزّزت من حضورهم وموقعهم التمثيلي. ومع تصاعد هذا التوتر، يظل مستقبل العلاقة بين التيارين مفتوحًا على احتمالات متباينة: مزيد من الاستقطاب والانقسام، أم بداية مسار نحو إعادة توازن ديني جديد؟