الأربعاء 20 مايو 2026
ظلت بحيرة فيكتوريا والتي تُعد أكبر خزان للمياه العذبة في القارة الأفريقية، وأحد أهم الموارد الطبيعية المشتركة بين أوغندا وكينيا وتنزانيا، تمثل على مدى عقود طويلة شريان حياة اقتصادي وبيئي واجتماعي، يعتمد عليه أكثر من 45 مليون إنسان في الحصول على المياه العذبة والصيد والنقل وتوليد الطاقة، إلى جانب دورها الحيوي في دعم التنوع البيولوجي.
غير أن هذا المورد الحيوي بات اليوم يواجه واحدة من أخطر الأزمات البيئية في تاريخه، إذ تحولت البحيرة تدريجياً إلى بيئة متدهورة بفعل الضغوط البشرية المتزايدة، والتوسع الصناعي غير المنضبط، وضعف أنظمة الإدارة البيئية، ولم تعد المشكلة محصورة في نطاق محلي، بل أصبحت أزمة إقليمية معقدة تتداخل فيها الأبعاد البيئية والاقتصادية والصحية، وتفرض تحديات كبيرة على دول الحوض.
تكشف الصورة العامة عن تدهور متعدد الأبعاد، يتمثل في تلوث صناعي مباشر، خصوصاً في مدينة جينجا اليوغندية حيث تُصرّف مخلفات المصانع في المياه دون معالجة كافية، ما يؤدي إلى تغيّر لون المياه، وتسمم البيئة المائية.
كذلك ازدهار الطحالب الضارة الناتج عن زيادة المغذيات، مثل: النيتروجين والفوسفور، وهو ما تسبب في انبعاث روائح كريهة ونقص الأكسجين ونفوق الكائنات المائية، بجانب انتشار الأعشاب المائية الغازية في الجانب التنزاني، حيث تمت إزالة أكثر من ألف طن منها، في مؤشر على حجم الاختلال البيئي. وقد فاقم تدهور الأراضي الرطبة التي كانت تعمل كحاجز طبيعي لتنقية المياه، وصول الملوثات مباشرة إلى البحيرة.
تكشف هذه العوامل مجتمعة بأن البحيرة لم تعد فقط مهددة بيئياً، بل أيضاً اقتصادياً، نظراً لاعتماد أكثر من 40 مليون شخص عليها في الصيد والمياه والنقل.
يظهر الجانب اليوغندي من البحيرة الأكثر تضرراً في الوقت الحالي، حيث تظهر كمركز رئيسي للتلوث الأكثر خطورة، خاصة حول مدن كمبالا وجينجا، بسبب التصريف الصناعي ومياه الصرف الصحي والكثافة السكانية العالية. إضافة إلى الخلجان المغلقة التي تحتجز الملوثات، وهذا يجعل التأثير هناك أكثر وضوحاً مثل انتشار الروائح والتلوث المباشر والنفوق المحتمل للكائنات.
إن بحيرة فيكتوريا، التي تُعد أكبر بحيرة عذبة في أفريقيا، تمثل شريان حياة اقتصادياً مهماً لدول المنطقة، وأن استمرار انتشار الأعشاب الغازية قد يؤدي إلى آثار بيئية واقتصادية خطيرة إذا لم يتم احتواؤها
أما تنزانيا فهي تعاني من ضغط بيئي بيولوجي بشكل أكبر نتاج الأعشاب الغازية التي تعيق الصيد والملاحة، لكنها مشكلة قابلة للإدارة نسبياً عبر الإزالة المستمرة، رغم كلفتها العالية.
فيما تُظهر كينيا تأثيرات مشابهة، لكنها تعد الأقل بين دول حوض البحيرة، حيث تشهد أيضاً تلوثاً حضرياً وزراعياً، خاصة حول المدن الكبرى.
في فبراير/شباط الماضي، أرجعت الحكومة الحكومة اليوغندية الروائح الكريهة في الخلجان المحيطة بمدينتي كمبالا وعنتيبي إلى التلوث وارتفاع مستويات المغذيات والحرارة. وشرحت وزارة المياه والبيئة مصدر الروائح الكريهة التي تُؤثر على أجزاء من بحيرة فيكتوريا، وخاصة خليج مورشيسون الداخلي في كمبالا وأجزاء من عنتيبي، قائلة إنها ناجمة عن تحلل الطحالب نتيجة ارتفاع مستويات التلوث والمغذيات في البحيرة.
الوزارة أوضحت في بيان، أن بحيرة فيكتوريا وحوضها يُعيلان أكثر من 45 مليون نسمة في المنطقة، حيث تُوفر المياه للشرب والنقل والطاقة الكهرومائية وسبل العيش، فضلاً عن كونها موطناً لأنظمة بيئية واقتصادات حيوية. إلا أن الخلجان الأكثر استخداماً في أوغندا، بما في ذلك خليج مورشيسون الداخلي وكيتوبولو وناكيوجو في عنتيبي، تتعرض الآن لضغوط بيئية متزايدة.
يقول المسؤولون إن هذه الخلجان تتلقى كميات هائلة من التلوث نتيجة جريان المياه السطحية المحملة بالطمي والبلاستيك والنفايات البشرية، ومياه الصرف الصحي البلدية من الضواحي المحيطة، والمخلفات الصناعية، ومياه الصرف من الحقول الزراعية. وقد تفاقم الوضع بسبب تدهور الأراضي الرطبة التي كانت تُصفّي النفايات والمغذيات قبل أن تصب المياه في البحيرة المفتوحة.
إن عمليات الإزالة تأتي ضمن خطة حكومية شاملة للسيطرة على انتشار النباتات الغازية التي تشكل تهديداً كبيراً للملاحة وصيد الأسماك والتنوع البيولوجي في البحيرة
ووفقاً لشبكة مراقبة جودة المياه التابعة لوزارة المياه والبيئة اليوغندية، والتي تُشغّل 23 محطة مراقبة في خليج مورشيسون الداخلي و10 محطات في خليج عنتيبي، استمرت مستويات النيتروجين والفوسفور في الارتفاع.
تُغذي هذه المغذيات النمو السريع للطحالب وعندما تموت الطحالب وتتحلل، فإنها تستهلك الأوكسجين الموجود في الماء، وتُطلق غازات مثل: كبريتيد الهيدروجين والأمونيا، مما يُنتج الرائحة الكريهة القوية التي أبلغ عنها السكان. تقول الوزارة إن الرائحة الكريهة ازدادت حدة في الأسابيع الأخيرة بسبب الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، مما سرّع عملية التحلل، كما يُشكّل انخفاض مستويات الأكسجين المصاحب للتحلل خطراً على الحياة المائية، وقد يؤدي إلى نفوق الأسماك.
لمعالجة هذه المشكلة، أعلنت الحكومة أنها تعمل على استصلاح الأراضي الرطبة المتدهورة حول بحيرة فيكتوريا ومناطق مستجمعات المياه التابعة لها، بهدف تحسين الترشيح الطبيعي للنفايات قبل وصولها إلى البحيرة. كما أولت السلطات أولوية قصوى لتطبيق منطقة عازلة بعرض 200 متر حول بحيرة فيكتوريا، بهدف اعتراض الملوثات وحماية الشواطئ.
في كينيا لوحظ ارتفاع حاد في مستويات النترات والنتريت في العينة الثانية، لا سيما عند مصب نهر كيسات قد تكون مستويات النتريت المرتفعة سامة للأسماك، إذ تعيق نقل الأكسجين في الدم، وهي حالة تُعرف باسم "مرض الدم البني".
دقّ العلماء ناقوس الخطر بشأن ارتفاع مستويات التلوث في بحيرة فيكتوريا، مما يُسهم في نفوق الأسماك المتكرر في جميع أنحاء البحيرة. وفي نتائج نشرها المعهد الكيني لأبحاث البحار ومصايد الأسماك، أظهر وجود طبقات نفطية في أجزاء من البحيرة، بالإضافة إلى التركيزات العالية من الأمونيوم والنتريت، أدلة على تصريف نفايات سامة في المسطح المائي العذب، وجددت هذه النتائج الدعوات إلى تطبيق أكثر صرامة لأطر حماية البيئة القائمة.
يجري الحديث عن أزمة نفوق جماعي للأسماك اجتاحت البحيرة، مخلفةً وراءها خسائر فادحة، وكان مزارعو مقاطعتي كيسومو وبوسيا الأكثر تضرراً. وقد ربطت التحقيقات الأولية حالات النفوق بظاهرة صعود المياه - وهي عملية طبيعية ترتفع فيها المياه العميقة ذات نسبة الأوكسجين المذاب المنخفضة إلى السطح، مما يؤدي إلى اختناق الأسماك؛ وهي ظاهرة تُجبر المزارعين على توخي الحذر الشديد في عمليات الاستزراع المائي.
أظهرت مجلة "كينيا أكواتيكا" الصادرة عن المعهد الكيني لبحوث مصايد الأسماك (KMFRI) أن عينات المياه التي جُمعت بين نوفمبر/تشرين الثاني 2024 ويناير/كانون الثاني 2025، احتوت على مستويات مرتفعة من الفوسفور والنيتروجين. ويقول الباحثون إن الملوثات التي جُمعت من ثلاث نقاط، بما في ذلك مصب نهر كيسات، يُرجح أنها ناتجة عن جريان المياه السطحية، واضطراب الرواسب، ومياه الصرف الصحي غير المعالجة، والمخلفات الصناعية؛ وتتفاقم هذه المشكلة بسبب قرب البحيرة من المراكز الحضرية الرئيسية.
كما يُعزى ذلك إلى زيادة تصريف الأنهار الرئيسية من جهة سيايا، وربما نتحدث عن مدن صناعية مثل كاكاميغا، التي تضم بعض هذه المصانع الكبرى. أما بالنسبة للمجتمعات الساحلية، فإن تأثير مياه الصرف الصحي المتدفقة إلى مصادر رزقهم واضح ومقلق، وفقاً للباحثين.
في تنزانيا حذّر خبراء من أن التلوث البلاستيكي يؤثر بالفعل على الحياة المائية، مستشهدين بدراسات أُجريت في مدينة موانزا. وقال فيتوس ميدارد، وهو مدير إحدى المنظمات غير الحكومية، وجدت دراسة أجريت عام 2015 جزيئات بلاستيكية دقيقة في حوالي 20٪ من أسماك الفرخ النيلي والبلطي التي جُمعت عينات منها في منطقة موانزا.
أوضح ميدارد أن وجود الجزيئات البلاستيكية الدقيقة في الأسماك يشير إلى دخول البلاستيك إلى السلسلة الغذائية للإنسان. وأضاف أن دراسات أخرى تُظهر أن بحيرة فيكتوريا تحتوي على آلاف الجزيئات البلاستيكية لكل كيلومتر مربع، معظمها يقل حجمه عن مليمتر واحد، مما يجعلها سهلة الابتلاع من قِبل الأسماك والكائنات المائية الأخرى.
إن الرائحة الكريهة ازدادت حدة في الأسابيع الأخيرة بسبب الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، مما سرّع عملية التحلل، كما يُشكّل انخفاض مستويات الأكسجين المصاحب للتحلل خطراً على الحياة المائية، وقد يؤدي إلى نفوق الأسماك
في الوقت نفسه، قالت المنسقة التنفيذية لمنظمة سينرجستيك غلوب، أنجلينا مانياما، إن النفايات البلاستيكية تُساهم أيضاً في التحديات البيئية الحضرية. وأشارت إلى انسداد شبكات الصرف الصحي باعتباره مصدر قلق بالغ، مُلاحظةً أن النفايات البلاستيكية قد فاقمت الفيضانات في مناطق مثل مكويوني في موانزا، وذلك بمنعها التدفق السلس للمياه أثناء هطول الأمطار الغزيرة.
من جانبها أعلنت الحكومة التنزانية أنها أتلفت أكثر من ألف طن من الأعشاب المائية الغازية في أجزاء من بحيرة فيكتوريا، ضمن حملة وطنية مستمرة تهدف إلى استعادة النظام البيئي للبحيرة وحماية مصادر رزق ملايين السكان في منطقة الحوض.
قال مدير منطقة بحيرة فيكتوريا، ريناتوس شينهو، خلال مؤتمر صحفي في العاصمة دودوما، إن عمليات الإزالة تأتي ضمن خطة حكومية شاملة للسيطرة على انتشار النباتات الغازية التي تشكل تهديداً كبيراً للملاحة وصيد الأسماك والتنوع البيولوجي في البحيرة. وأوضح أن هذه الأعشاب تنتشر بسرعة كبيرة بسبب الظروف البيئية الملائمة والأنشطة البشرية حول البحيرة، مما يجعل السيطرة عليها تحدياً مستمراً يتطلب تدخلاً مستداماً ومنسقاً.
أشار المسؤولون إلى أن الحكومة تعمل بالتعاون مع جهات بيئية مختلفة، من بينها مكتب نائب الرئيس وهيئات إدارة البيئة، من أجل تنفيذ برامج دورية لإزالة الأعشاب ومراقبة انتشارها.
كما تم إنشاء مراكز مراقبة متخصصة في حوض بحيرة فيكتوريا لجمع البيانات البيئية وتحليلها، بهدف دعم اتخاذ القرار ووضع سياسات أكثر فاعلية لحماية الموارد المائية.
وأكد التقرير الحكومي أن بحيرة فيكتوريا، التي تُعد أكبر بحيرة عذبة في إفريقيا، تمثل شريان حياة اقتصادياً مهماً لدول المنطقة، وأن استمرار انتشار الأعشاب الغازية قد يؤدي إلى آثار بيئية واقتصادية خطيرة إذا لم يتم احتواؤها.
تُعد بحيرة فيكتوريا مورداً عابراً للحدود تتشاركه كينيا وأوغندا وتنزانيا، وهي محمية بموجب القوانين الوطنيّة والاتفاقيات الإقليميّة، وتفرض كينيا غراماتٍ تصل إلى أربعة ملايين شلن على تصريف النفايات السامة في المسطحات المائية.
من جهة أخرى، تفرض أوغندا غرامات تصل إلى 1.6 مليون دولار أمريكي على المخالفين الذين يرتكبون عمليات تصريف مواد خطرة واسعة النطاق، بينما تحدد تنزانيا حداً أدنى للغرامة قدره 7200 دولار أمريكي، وتضغط الجماعات البيئية حالياً من أجل تطبيق منسق عبر الحدود، بالإضافة إلى توعية المجتمعات المحلية للحد من التلوث.
ومن المقرّر أن تحتفل الدول الأعضاء في مجموعة شرق أفريقيا في 21 مايو/أيار المُقبل، بيوم بحيرة فيكتوريا الأول، وهي مبادرة إقليمية جديدة تهدف إلى تعزيز الحفاظ على موارد البحيرة واستخدامها المستدام.
سيُقام هذا الحدث السنوي، الذي ستتولى تنسيقه لجنة حوض بحيرة فيكتوريا، في منطقة موانزا (تنزانيا)، وهي مركز اقتصادي رئيسي على الشواطئ الجنوبية لبحيرة فيكتوريا.
وقد وافق مجلس وزراء مجموعة شرق أفريقيا القطاعي المعني بحوض بحيرة فيكتوريا العام الماضي، على يوم بحيرة فيكتوريا، الذي سيُحتفل به في 21 مايو/أيار من كل عام، وذلك في إطار الجهود المبذولة لإنشاء منصة إقليمية متخصصة لتعزيز الإدارة المستدامة للبحيرة وحوضها.
ومن المتوقع أن تجمع الاحتفالات صانعي السياسات وشركاء التنمية والباحثين، والجهات الفاعلة في القطاع الخاص، والمجتمعات المحلية، مُوفرةً منصةً لعرض الابتكارات وأفضل الممارسات في مجالات الحفاظ على البيئة، وإدارة مصايد الأسماك، والطاقة المتجددة، وإدارة النفايات.
ورغم هذه الجهود المشتركة تؤكد كل المؤشرات أن بحيرة فيكتوريا تواجه لحظة حاسمة في تاريخها، فالنظام البيئي للبحيرة يعمل كوحدة واحدة، ما يعني أن أي تدهور في جزء منها سينعكس على بقية الأجزاء.
ورغم أن الجانب الأوغندي يظهر كالأكثر تضرراً في الوقت الحالي، فإن الأزمة في جوهرها إقليمية، تتطلب استجابة جماعية ومنسقة، فمستقبل البحيرة ومعها مستقبل ملايين البشر، يعتمد على مدى قدرة دول الحوض على التحرك بشكل سريع وفعال، قبل أن تصل الأزمة إلى نقطة اللاعودة.