الأحد 7 يونيو 2026
شهدت الأوضاع الميدانية في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية تحولاً بارزاً في مايو/آيار 2026، حيث بدأت حركة "M23" المدعومة من رواندا بالانسحاب من مواقع استراتيجية هامة تحت وطأة ضغوط دبلوماسية مكثفة من الولايات المتحدة. وأكد الجيش الكونغولي ومصادر من المتمردين أن المقاتلين تراجعوا من بلدات رئيسية في مقاطعة جنوب كيفو، وتحديدا من منطقة "كابونامبو" باتجاه الشمال، وهو ما يمثل أول تغيير حقيقي في خارطة السيطرة الميدانية منذ أشهر، ويأتي بعد أسابيع من فرض واشنطن عقوبات على شخصيات سياسية بارزة لصلتها بالتمرد.
يُرجح المحللون أن هذا التراجع ليس مجرد مناورة عسكرية، بل هو استجابة لـ "اتفاقيات واشنطن للسلام" التي رعتها الإدارة الأمريكية مؤخراً، والتي تضمنت بنوداً صريحة تطالب رواندا بسحب قواتها ووقف دعمها للجماعات المسلحة مقابل تسهيلات اقتصادية واستثمارات في قطاع المعادن. ورغم هذا الانسحاب، لا يزال التوتر سيد الموقف، حيث اتهم المنسق السياسي للمتمردين، كورنيل نانغا، الولايات المتحدة بالانحياز لجانب حكومة كينشاسا بعد توقيعها اتفاقيات شراكة تعدينية واسعة، مما يضع مصداقية الوساطة الأمريكية على المحك.
في الجانب الإنساني، بدأ هذا الانسحاب النسبي يفتح نافذة أمل لمئات العائلات النازحة التي فرت إلى بوروندي والدول المجاورة، حيث سجلت المنظمات المحلية عودة أولى المجموعات إلى قرى "أوفيرا" ومحيطها. ومع ذلك، تحذر الأمم المتحدة من أن الفراغ الأمني الذي قد يتركه انسحاب المتمردين قد تستغله جماعات أخرى مثل "القوات الديمقراطية المتحالفة" (ADF)، مما يتطلب انتشاراً سريعاً للجيش الكونغولي وقوات حفظ السلام لضمان عدم انزلاق المنطقة في دوامة عنف جديدة.
يعكس هذا التطور نجاحاً أولياً لسياسة "المشروطية الاقتصادية" التي تتبعها واشنطن في القارة الأفريقية خلال عام 2026، حيث تم ربط الوصول إلى الموارد الاستراتيجية بتحقيق الاستقرار الأمني. وتراقب القوى الإقليمية، مثل كينيا وأنغولا، هذا التحول باهتمام، وسط تساؤلات حول مدى استمرارية هذا التراجع وما إذا كان سيؤدي إلى اتفاق نهائي وشامل لإنهاء ما يُعرف بـ "حرب الكونغو الثالثة" التي هددت استقرار منطقة البحيرات الكبرى لسنوات.
تظل العيون شاخصة نحو الجولات القادمة من المفاوضات المقررة في الدوحة وواشنطن، حيث يسعى المجتمع الدولي لتحويل هذا الانسحاب الميداني إلى واقع سياسي مستدام. ويبقى التحدي الأكبر هو بناء الثقة بين كينشاسا ورواندا، وضمان تنفيذ بنود سحب السلاح وتأمين المناطق الحدودية، لضمان أن يكون هذا التراجع خطوة نحو السلام الدائم وليس مجرد إعادة تموضع بانتظار جولة جديدة من المواجهات المسلحة.