الثلاثاء 14 يوليو 2026
في مدينتنا الصغيرة على حافة خارطة السودان، وعندما كنا في المرحلة الثانوية، اعتدنا- أنا وصديقي المسرحي عمر عقال- أن نعرض أشعارنا على أخيه الباشمهندس رضوان، ذات يوم قرأ قصيدةً لي، كانت طويلة، قال لي عبارة ربما نسيها لطول الزمان- عقدين وبضع سنين- لكنني ما زلت أذكرها، قال لي:" بإمكانك أن تكتب رواية"، لم أعرف وقتها ما هي الرواية، ذكر لي موسم الهجرة إلى الشمال، وطلب مني قراءتها، وحدثني عن النجاح الكبير الذي حققه الطيب صالح وترجمات رواياته إلى اللغات الأجنبية، قرأت الرواية، سرى فيّ سحرها، "وحملني القطار إلى محطة فكتوريا وإلى عالم جين مورس"، قلت بحماسة: "بإمكاني أن أكتب مثلها"، أو ربما قلت أفضل منها، ولم أر في عبارتي تلك أي نوع من الغرور.
بعدها سافرت إلى العاصمة لدراسة الصيدلة، وحاولت الاقتراب من الوسط الأدبي، وجدت الجميع - تقريبا - مفتونين مثلي برائعة الطيب صالح، وسمعت بمقولة للقاص والناقد وأسطورة الصحافة الثقافية بالسودان الراحل عيسى الحلو تتحدث عن الطيب صالح الذي صار سقفا للرواية السودانية، أما القاص والروائي الراحل محمد خير عبد الله، والذي ترأس نادي القصة السودانية فيقول: "قد أنجب السودان روائيا واحدا، هو الطيب صالح، أما البقية فهم شرّاح لسردياته"!، وما زال ذلك العبقري الذي رحل عنا يثير الجدل إلى اليوم، ومع مرور ستين عاما على صدور الرواية السودانية الأشهر، أحببت أن أسأل عددا من الكتّاب السودانيين وغيرهم عن تأثير عبقري الرواية العربية على صورة الأدب السوداني في الداخل والخارج، وهل ما زالت روايته سقفا إبداعياً أم مصدرا للإلهام؟ فكانت هذه إجاباتهم:
مثّلتْ كتابات الطيب صالح، عبقري الرواية العربية، لحظة فارقة في تاريخ المدونة السردية السودانية، فاعتبر البعض أن هذه اللحظة نتاج طفرة أكثر منها تطورا طبيعيا تراكميا، وقد حظيت سرديات الطيب صالح، بناء على ذلك، بقراءة واسعة من قبل الكتّاب السودانيين فأرهبتهم بسموقها لحد أن ظن بعضهم بأن العبقري سيظل سقفا للرواية السودانية لن يطاله أحد في المدى المنظور!

تمكّن، بالطبع، كثير من الروائيين السودانيين من الإفلات من قوة الجذب الهائلة التي أحدثتها مؤلفات الطيب صالح نحو ثيمات وطرائق معينة في الكتابة، منهم، مثلا وليس حصرا، أمير تاج السر، والحسن بكري، وبركة ساكن، ومنصور الصويم، إلا أنه لا يزال الكثير منهم أيضا يقبع مستكينا تحت السقف المهيب! ومن يتتبع الأعمال الروائية السودانية اللاحقة للطيب صالح، دائما ما يرى في كثير منها أطياف عوالمه السردية، وهو الأمر الذي ربما دفع الروائي المخضرم محمد خير عبد الله ليرمي بمقولته المتطرفة.
انطلاقا من تأكيد تودوروف بأن العمل الأدبي لا وجود مستقل له، بل إنه يظهر مندمجا داخل مجال أدبي ممتلئ بالأعمال السابقة، أستطيع أن أرى التماهي مع سرديات الطيب صالح واضحا في عدد من الأعمال الروائية السودانية، مثل: "حبال النور والظلمة" لأمير شمعون، والذي بنى نصه على فكرة الغريب الحكيم الذي يحل بالقرية ثم يُحدث فيها تأثيرا كبيرا ينتج عنه تغيير، وهي فكرة مركزية في مشروع الطيب صالح، فنجد مصطفى سعيد الذي حل على ود حامد والشيخ الهميم في عرس الزين وبندرشاه في رواية "بندرشاه وضو البيت"، إضافة إلى ذلك، اتخذ شمعون من قرية في شمال السودان فضاء لأحداث روايته، وهذا الفضاء نجده حتى في روايتي حمور زيادة "الكونج" و"الغرق".
في "الطاووس الأسود" لحامد الناظر، بنى الكاتب شخصية المستشار شمس الدين على غرار شخصية مصطفى سعيد: الغموض والذات المضطربة والذكاء الحاد وإجادة اللغة الإنجليزية، الدونجوانية، لدرجة أنك تحس بأن الناظر استنسخ مصطفى سعيد، ووضعه في سياق جديد، وكذلك استدعى الناظر لنصه كثيرا من المشاهد السردية الشهيرة في موسم الهجرة إلى الشمال، والتي يمكن رصدها بيسر.
وفي رواية "قونقليز" لهشام آدم، نجد مشهدا لأحد الشخصيات، وهو يهذي بالفرنسية بعد سُكر، وهو أشبه بإنشاد مصطفى سعيد للشعر الإنجليزي بين يدي محجوب وهو ثمل، وهو مشهد تأسيسي في رواية موسم الهجرة إلى الشمال.
في روايته (الباترا، مخاوي الطير- 2018)، والتي تدور أحداثها في بيئة شمال السودان حيث النيل وبيوت الطين، بنى الروائي جمال الدين علي شخصية الباترا على نمط شخصية الزين في رواية (عرس الزين) للطيب صالح، وكلاهما يمثل نمطاً من الشخصيات ناقصة العقل يطلق عليه في القرية السودانية "المبروك"، أي الذي يجلب البركة.
استدعيتُ فقط أربعة نصوص سردية سودانية، تمثل عينة ضئيلة من متن كبير، لأبرهن على الفرضية التي سقتها في المقدمة. وأزعم أنه في كل مرة تم استدعاء الطيب صالح.
عندما صدرت موسم الهجرة إلى الشمال، أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، لتناقش العلاقة بين الشرق والغرب، جاءت بأفكار جديدة لم تكن موجودة في الروايات التي ناقشت نفس الفكرة مثل: "عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم، و"الحي اللاتيني" لسهيل إدريس، وكانت -صراحة- رواية فذة ومتمكنة، وفيها عمق كبير، ومهارة أسلوبية فائقة، وكأن زمنها مستوحى من ألف ليلة وليلة. هذه الرواية نالت شهرة كبيرة كما هو معروف، وما تزال تتمتع بالحضور نفسه في الأدب العربي والعالمي، ولو بحثت عنها في موقع أمازون للكتب مثلا، تجد أرقام توزيعها باللغة الإنجليزية، ما زالت عالية.

نعم، الكثير من الكتاب السودانيين ربما استلهموا من هذه الرواية، على الأقل الاستلهام المعنوي، وإمكانية كتابة نص مقتحم، لكن أنا ضد مسألة السقوف، وأن يكون ثمة كتاب سقفا لا يمكن تجاوزه، هذا غير صحيح، السودانيون كتبوا بعد ذلك، وجاءت أجيال أجادت الكتابة، وأبدعت وعملت على أفكار أخرى، فقط تظل مسألة انتشار الكتابة الجديدة صعبة قليلا، بسبب كثرة ما يكتب، وخاصة في مجال الرواية، فالكل يكتبون الرواية الآن، ومن العسير الحصول على النص المناسب لقراءته أو الترويج له.
حين نتحدث عن أثر "موسم الهجرة إلى الشمال" في الأدب السوداني، فإننا في الحقيقة نتحدث عن إشكالية أعمّ تخصّ علاقة النصوص المؤسِّسة بما يأتي بعدها. رواية الطيب صالح ليست سقفا أغلق سماء الرواية السودانية، بل هي بالأحرى نجمٌ ساطع جعل الناظر من بعيد لا يرى سواه، فيما السماء نفسها مأهولة بكواكب أخرى تنتظر من يلتفت إليها.
داخليا، أي بالنسبة للروائيين السودانيين أنفسهم، أحسب أن الرواية كانت مصدر إلهام أكثر منها عبئا. فالكتابة الكبرى لا تخنق ما يأتي بعدها بقدر ما تفتح له ممرات. وأنا هنا أنظر إلى تجارب أمير تاج السر، وعبد العزيز بركة ساكن، وحمور زيادة، وأخيرا إلى الجيل الذي مثّله ستيلا قايتانو ومنصور الصويم؛ إنها تجارب خرجت من تحت العباءة لتؤسّس عوالمها الخاصة: الهامش، والحرب، والجنوب، والمرأة، واللغات المتعددة للسودان. وعليه فثمة استفادة من الدرس الصالحي في تفجير اللغة وتعميق السؤال الوجودي، لكن دون تقليد.

أما خارجيا، فهنا تكمن المفارقة المُرّة. نعم، لقد طغت الرواية على ما سواها في الذائقة العربية والعالمية، فصار الطيب صالح مرادفا للأدب السوداني كله، وهذا ظلمٌ مزدوج، فمن جهة هو ظلم للأدب السوداني الذي اختُزل في عنوان واحد، ومن جهة أخرى هو ظلم للرواية ذاتها التي حُمِّلت أكثر مما ينبغي لنصّ واحد أن يحمله.
المسؤولية هنا لا تقع على الرواية، بل على النقد العربي الكسول، وعلى مؤسسات الترجمة والنشر التي تُفضّل إعادة إنتاج المألوف على المغامرة بالمجهول. الطيب صالح فتح بابا، لكنّ كثيرين اكتفوا بالوقوف عنده.
تأبى ترِكة رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" داخل الخطاب الأدبي السوداني الانضواء تحت لواء تفسير أحادي؛ فهي لا تستقرُّ بارتياح كقمة تحجب الآفاق، ولا تتلاشى تماما في الخلفية كمجرد أثرٍ عابر، بل تشغل حيزا أكثر تعقيدا وإثارة للقلق؛ حيث تظل شامخة ومثمرة في آنٍ واحد. لقد غدت الرواية لدى الكثير من الكُتّاب السودانيين "استفزازا" إبداعيا أكثر منها سياجا مانعا. فاشتباكُها العميق مع قضايا الذاكرة، والاغتراب، ووشائج التاريخ الاستعماري الملتوية، قد دفع بالأصوات اللاحقة إلى إعادة صياغة علاقتها بسلطة السرد. فبينما اختار البعض الكتابة في ظلالها - بوعيٍ أو دون وعي- سعى آخرون جاهدين للإفلات من قوة جذبها، عبر إعادة تعريف القالب والمحتوى على حدٍ سواء.

أما خارج حدود السودان، فإنَّ صدى الرواية يثير توترا أكثر هدوء؛ فمما لا شك فيه أنها شكّلت البوابة العالمية للأدب السوداني، غير أنَّ هذا الاعتراف قد يضيق أحيانا بقدر ما يتسع. فبينما يقبعُ بعضُ القراء في أسر رؤية "صالح" المتفردة، يجدُ فيها آخرون دعوةً للانفتاح على مشهدٍ أدبيٍّ أرحب لا يزال ينتظرُ سبر أغواره، إنَّ الرواية، من هذا المنظور، لا تزالُ قائمةً لا كَسقفٍ للتطلعات، بل كـسؤالٍ ما زال الأدبُ السودانيُّ يجيبُ عنه بأصواتٍ متعددةٍ ومتجددة.
حين كتب موسم الهجرة إلى الشمال، لم يكن الطيب صالح ينجز رواية فحسب، بل كان يشقّ مجرى عميقًا في الوعي العربي والأفريقي معًا، النّص ارتفع كعلامة فارقة، حتى بدا وكأنه يحدّد أفق القراءة ذاتها، ويضع معيارا قاسيا لكل ما يأتي بعده. منذ ذلك الحين، تشكّلت حول الرواية هالة نقدية وثقافية واسعة، جعلت من حضورها طاغيًا إلى حدّ أنّ كثيرًا من الأعمال السودانية الأخرى بقيت في الظل، رغم ما تحمله من غنى وتنوّع وتجريب.

هذه الهيمنة الرمزية خلقت مفارقة لافتة: عملٌ واحد يفتح الباب، وفي الوقت نفسه يضيّق الممرّ، فالقارئ، حين يقترب من الأدب السوداني، يدخل غالبًا عبر هذا النص، ويقيس ما يقرأه على إيقاعه الخاص، وعلى لغته المكثّفة، وعلى توتره بين المحلي والعالمي. هكذا، تتحوّل الرواية من إنجاز فردي إلى مرجعية ثقيلة، تفرض على بقية الكتّاب أن يكتبوا في فضائها أو في مواجهتها.
مع ذلك، يزخر الأدب السوداني بأسماء وتجارب تمتلك حساسية مغايرة ورؤى عميقة، من أعمال تستكشف تحولات المجتمع، إلى نصوص تنبش في الذاكرة والهوية واللغة، هذه الكتابات تحمل قيمتها الخاصة، وتستحق قراءة تتحرر من المقارنة الجاهزة، قراءة تنظر إليها بوصفها عوالم مستقلة، لا ظلالًا لنص سابق، بهذا المعنى، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة توزيع الضوء، بحيث يتّسع المشهد لكل هذه الأصوات، ويخرج الأدب السوداني من أسر عملٍ واحد، مهما بلغت عظمته، نحو تعددية تُنصف ثراءه الحقيقي.
من منظورٍ شخصي، تتربع رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للأديب الطيب صالح بوصفها ذروةً أدبية ومصدراً ملهماً وبعيد الأثر للسرد السوداني، إنَّ وضعها كـ "سقف" لا يعكس قصوراً في الحقل الأدبي، بل يجسد القوة الفنية الاستثنائية والصدى العالمي الذي حققته الرواية. ومع ذلك، فإن هذه المكانة المرموقة قد تُلقي بظلالها — بغير قصد — مما يضع ضغوطاً على الكُتّاب اللاحقين الذين يجدون أنفسهم أمام تحدي صياغة أصواتهم الخاصة في حضرة هذا العمل الشامخ.

بيد أنَّه من منظورٍ أرحب وأكثر تفاؤلا، نجد أنَّ الاعتراف الدولي بالرواية قد شرّع الأبواب أمام القراء حول العالم للتعرف على الأدب السوداني. فبدلاً من أن تحجب الروايةُ ما سواها، هي بمثابة بوابة جاذبة — تثير الفضول وتحفز على سبر أغوار السرديات الغنية والمتنوعة المنبثقة من أرض السودان.
في نهاية المطاف، لا تكمن الإشكالية في الرواية ذاتها، بل في الكيفية التي تُقدّم وتُروّج بها الدوائر الأدبية العالمية للأصوات السودانية الأخرى. فمن خلال التنظيم المدروس والرؤية المستدامة، لا ينبغي أن يُنظر إلى "موسم الهجرة إلى الشمال" كظِلٍّ يطغى على المجال، بل كمنارة تضيء الطريق؛ تُرشد القراء نحو تقديرٍ أعمق وأكثر شمولاً لآفاق الأدب السوداني.
في ظنّي أن رواية «مَوسِم الهِجرة إلى الشمال» للطيّب صالح ستبقى دومًا مصدرَ إلهامٍ لكثيرٍ من الأدباء في كلّ مكان، وهذا أمر جيّد وطبيعيّ لكاتب فريد من طراز الطيّب صالح، أمّا مسألة كونه سقف الرواية السودانية؛ فهذا شأنٌ ضارٌّ تَسبّب فيه الناقد المتساهل أولًا ثمّ القارئ المتسرّع ثانيًا، يكاد لا يخلو أيّ نقد عن كاتب سودانيّ من الوقوف عند ناصية الطيّب صالح والبدء منها أو الانتهاء بها، وهذا يدلّ على إجْحاف في براعة وتميُّز الكتابات السودانيّة التي تسبَح في عالم آخر بعيد تمامًا عن سِكَة الطيّب صالح. معظم النقاد يتساهلون في قراءة الأدب السودانيّ الجديد ويراوغون باستيعاب كتابات الطيّب صالح ويسوقونها بإفراط كمرجعيّة لكلّ أدب سودانيّ بَعده، هذا الأمر للأسف ليس في صالح الأدب السودانيّ برُمّته ويغلق الباب من البداية بفرضيّة: "لا أدبَ سودانيّ بعد الطيّب صالح"، لا أعرف من أين يأتون بهذا اليقين!

الرواية هي سيّدة عصر الكتابة منذ سنوات لأسباب كثيرة لا يسمح المجال هنا بعرضها، وازداد كُتّابُها في العَقْدين الأخيرين؛ ربّما منذ بدء ظاهرة الجوائز ذات القيمة الماليّة العالية والوجاهة الأدبية، ممّا جعل الشاعر يتّجه إلى كتابة الرواية، والقاص يتغير نحو كتابة الرواية، حتى الروائي نفسه يكثّف من إسهال الأعمال الروائية في زمن قصير.
سيُوضع الأدب السودانيّ في وضعيّته الصائبة، حين يكون للسودان دور نشر كبيرة محترفة محترمة تنافس بقوة في عالم النشر العربيّ، وأيضا حين يوجد دعم ماليّ محليّ يناسب تلك القوّة السودانيّة الناعمة، بغير هذا، لا يمكن تقديم الأدب السودانيّ خارج أرضِه ولا حتّى في الداخل بما يستحقّه من تنويرٍ وتقدير.
السؤال يضعني بين احتمالين: أن تكون «الموسم» سقفاً، أو أنها علامة فارقة ضمن مسار أوسع للرواية السودانية. وأنا أميل إلى الاحتمال الثاني؛ إذ إن تجارب روائية سودانية عديدة تشكّلت بمعزل عنها، إما لعدم قراءتها، أو لقراءتها دون أن تُحدث أثراً واضحاً، أو لأن أصحابها تجنبوها بقصديّة الابتعاد عن المقارنة.

شخصياً، حين قرأتها أول مرة لم تستوقفني، بل وجدت «عرس الزين» أكثر جاذبية، لكن مع تكرار القراءات أعادت «الموسم» تموضعها، لتصبح عملاً مهماً في قائمة قراءاتي، لا باعتبارها نهاية الطريق. أما كونها مصدراً للإلهام، فأثرها يظل نسبياً؛ لا يعمل بالطريقة نفسها لدى الجميع، شأنها شأن أي شيء يمكن قياسه. وهنا يمكن النظر إليها بوصفها «مرآة كاشفة» أكثر من كونها نموذجاً يُحتذى، بل عملاً يفتح الأسئلة بدل أن يفرض الإجابات -بحسب منهج كانط- ويحرّض على الاختلاف لا على التكرار.
فيما يتعلق بموقع الرواية، وبحسب تجربتي الشخصية، تبدو في الوعي الثقافي القارئ بالعربية والمُنتبه إلى السودان، متجاورة مع الشعر؛ إذ يُستدعى اسم الروائي الطيب صالح إلى جانب محمد الفيتوري والهادي آدم، وهذا أعتبره مؤشراً مهسماً. فالرواية السودانية عموماً، رغم حداثتها مقارنة بالشعر من حيث الأسبقية الزمنية، استطاعت أن تحجز موقعاً موازياً لا تابعاً، ومن ثم جُعلت سقفاً للرواية السودانية لظروف تخص مسيرة الكاتب الحياتية وسطوع نجمه في المجالين الغربي والعربي، وهذا لا يقلل من قيمتها الفنية.
أثر رواية موسم الهجرة إلى الشمال يشمل ثنائية التسقيف والإلهام ويتجاوزهما أيضا، فهي أدت الدورين معا، وقد حجزت لها مكاناً تاريخياً خاصاً لكنه لا يمنع ظهور رواية ألمع منها في المستقبل.

شكلت الرواية لحظة تأسيس فارقة، بترسيخها حضور السودان في الأدب العربي والإفريقي والعالمي، وطرحت أسئلة الهوية والقلق الحضاري بعمق غير مسبوق، ما جعلها واحدة من أبرز روايات القرن العشرين. بهذا المعنى، بدت لفترة طويلة سقفا يُقاس عليه ما بعده من إبداع سوداني، لكنها أيضا صنّفت نفسها كرواية كلاسيكية، وهذا بطبيعته يتيح تجاوزها زمنياً وإبداعياً بما ينفي فكرة التسقيف، كما أن تجارب روائيين سودانيين عظام مجايلين للطيب صالح (1929 - 2009) مثل إبراهيم إسحق (1946 - 2021) وعيسى الحلو (1944 - 2021)، بل وروائيين معاصرين كثر آتين بعده، تُظهر أن الرواية السودانية لم تتوقف عند سقف موسم الهجرة إلى الشمال، بل انفتحت على أشكال سردية مختلفة وموضوعات جديدة، ما يدل على تحول السقف الصالحي إلى أفق إلهام وحافز للتفوق أكثر منه قيداً.
في سياق الإلهام، أسهمت الرواية في لفت الانتباه العالمي إلى الأدب السوداني والعربي، بفضل ترجمتها وانتشارها الواسع، وإن كانت اختزلت صورة الأدب السوداني لدى البعض في نموذج واحد، فإن ذلك أدى في المقابل إلى تنقيب مستمر عن كنوز هذا الأدب الذي فتح غطاءه الطيب صالح بروايته.
كانت دعوة الباشمهندس رضوان لي بالدخول لعوالم الطيب صالح نقطة فارقة في حياتي، كان طموحي المبكر أن أتفوق على الطيب صالح، ومع مرور الزمن، تلاشت في داخلي تلك الرغبة، طورت نظرة أرى العالم من خلالها مثل كرة ضخمة، ونحن جميعا نحيط بها من أطرافها، كل منا يقف بجوار الآخر، ولا يستطيع أي منا إلا أن ينظر من الزاوية المتاحة له، زاويته الفريدة التي لا يشاركه فيها أحد، ولذلك نحتاج إلى مجموع هذه الرؤى لتكتمل نظرتنا للعالم، كل منا لديه الفرصة لإدهاش الآخرين بلا استثناء، بإمكان أي شاعر -إذا أجاد- أن يُدهش الشعراء، وكل روائي أتقن عمله يستطيع أن ينتزع من -زملائه قبل قرائه- عبارة مثل: "كيف استطاع أن يصنع هذا العالم المذهل، لقد لفت أنظارنا إلى أشياء لم نكن نفكر فيها من قبل بهذه الطريقة"، موسم الهجرة لا يستطيع أن يكتبها سوى الطيب صالح، مائة عام من العزلة لا يمكن أن يكتبها غير ماركيز، والخبز الحافي لن يكتبه أحد غير محمد شكري، وهذا قانون يسري على كل عمل، وربما هذا هو سر بقاء الأعمال العظيمة وسر بحث الناس عن المزيد والمزيد من الأعمال الجديدة التي تستحق القراءة والتي تساهم في تشكيل نظرتنا للعالم.