الأحد 8 مارس 2026
تشهد ولاية النيل الأزرق تصعيدا عسكريا لافتا منذ أواخر يناير/ كانون الأول 2026، في ظل تحركات متزامنة لقوات الدعم السريع والحركة الشعبية–شمال تهدف إلى توسيع نطاق نفوذهما قرب الشريط الحدودي مع إثيوبيا، مستفيدتين من الطبيعة الجغرافية الوعرة وتشابك خطوط الإمداد في المنطقة. ويأتي هذا التصعيد في توقيت حساس، أعقب إعلان الجيش السوداني في مطلع فبراير/شباط 2026 فك الحصار عن مدينة كادوقلي، عاصمة ولاية جنوب كردفان، واستعادة السيطرة عليها بعد أشهر من الضغوط العسكرية التي مارستها قوات الدعم السريع وحلفاؤها.
في الفترة ما بين 25 يناير/كانون الثاني وحتى الأيام الأولى من فبراير/شباط، اندلعت مواجهات عنيفة في عدد من محليات النيل الأزرق، أبرزها محلية باو، ومحيط منطقتي السلك وملكن، وصولًا إلى تخوم الكرمك القريبة من الحدود الإثيوبية. وشهدت هذه المناطق عمليات هجوم وكرّ وفرّ، حيث تمكنت قوات الدعم السريع والحركة الشعبية في مراحل أولى من التقدم نحو بعض القرى والمواقع الريفية، مستهدفة طرق الإمداد ومواقع الجيش المتقدمة، في محاولة لفرض واقع ميداني جديد يتيح لها الاقتراب من الشريط الحدودي.
غير أن الجيش السوداني، مدعومًا بقوات نظامية ووحدات احتياط، أطلق عمليات مضادة في نهاية يناير، نجح من خلالها في استعادة السيطرة على مناطق استراتيجية، من بينها منطقة السلك، وتأمين محيط مدينة الدمازين عاصمة الولاية. هذه العمليات حدّت من اندفاع القوات المتحالفة مع الدعم السريع، وأعادت رسم خطوط التماس بعيدًا عن بعض النقاط الحساسة على الحدود.
ورغم ذلك، لا تزال مناطق مثل الكرمك وأجزاء من الريف الشرقي للنيل الأزرق تشهد توترًا أمنيًا، مع استمرار محاولات الدعم السريع والحركة الشعبية لإعادة التمركز، وفتح ثغرات باتجاه الحدود الإثيوبية. ويُنظر إلى هذه التحركات باعتبارها جزءا من استراتيجية أوسع لتعويض الخسائر التي مُنيت بها هذه القوات في جنوب كردفان، لا سيما بعد فقدان القدرة على التأثير المباشر في كادوقلي، التي شكّلت سابقًا نقطة ضغط عسكرية وسياسية مهمة.
حتى الآن، لم تتمكن قوات الدعم السريع والحركة الشعبية من بسط سيطرة كاملة أو مستقرة على الشريط الحدودي مع إثيوبيا في ولاية النيل الأزرق. فالسيطرة القائمة توصف بأنها متقطعة وغير متصلة جغرافيًا، وتعتمد على وجود مؤقت في بعض المناطق الريفية، دون إحكام فعلي على المعابر أو الطرق الحدودية الرئيسية. في المقابل، يواصل الجيش السوداني تعزيز انتشاره في المحاور الشرقية، إدراكًا لأهمية منع أي اختراق قد يسمح بفتح خطوط إمداد خارجية أو خلق واقع حدودي جديد.
وتحمل السيطرة المحتملة على الحدود الإثيوبية تبعات استراتيجية كبيرة. ففي حال تمكنت قوات الدعم السريع والحركة الشعبية من تثبيت وجودها هناك، فإن ذلك قد يوفر لها عمقًا لوجستيًا، ويُطيل أمد الصراع عبر تسهيل الحركة والإمداد، فضلًا عن تعقيد المشهد الأمني في شرق السودان. كما أن هذا السيناريو من شأنه أن يرفع مستوى القلق الإقليمي، ويزيد من مخاطر النزوح والضغط الإنساني في مناطق تعاني أصلًا من هشاشة الأوضاع المعيشية.
في المحصلة، يُظهر المشهد الميداني أن تحرير كادوقلي شكّل نقطة تحول لصالح الجيش السوداني في جنوب كردفان، لكنه لم يُنهِ محاولات الدعم السريع والحركة الشعبية لفتح جبهات بديلة في النيل الأزرق. ومع أن هذه القوات لم تنجح حتى الآن في السيطرة على الحدود مع إثيوبيا، فإن استمرار الاشتباكات والتحركات العسكرية يؤكد أن هذه الجبهة ستظل إحدى أكثر ساحات الصراع حساسية في المرحلة المقبلة، لما تحمله من أبعاد عسكرية وسياسية وإقليمية متشابكة.