الأربعاء 12 أغسطس 2026
حقق الجيش السوداني واحدا من أبرز تقدمه الميداني في إقليم كردفان منذ بداية العام، بإعلانه استعادة السيطرة على مدينتي بارا وأم سيالة إلى جانب جبرة الشيخ، بعد عملية عسكرية واسعة نفذتها القوات المسلحة مدعومة بالقوة المشتركة للحركات المسلحة وقوات متحالفة معها. وجاءت العملية بعد أسابيع من معارك متقطعة في المحور الشمالي لولاية شمال كردفان، حيث كانت قوات الدعم السريع قد عززت انتشارها في المناطق الواقعة شمال وغرب مدينة الأبيض، في محاولة للإبقاء على سيطرتها على طرق الإمداد المؤدية إلى دارفور. وأكدت مصادر عسكرية أن القوات الحكومية بدأت عقب دخولها أم سيالة عمليات تمشيط واسعة امتدت باتجاه بارا، قبل أن تعلن بسط سيطرتها على المدينة وتأمين محيطها، مع استمرار ملاحقة القوات المنسحبة نحو الغرب. وأوردت وسائل إعلام عربية أن العمليات العسكرية جاءت بعد هجوم شنته قوات الدعم السريع على قرى جنوب الأبيض، أعقبه هجوم مضاد واسع للجيش انتهى باستعادة المواقع الاستراتيجية.
تمثل بارا أحد أهم المفاتيح العسكرية في وسط السودان، إذ تقع على الطريق البري الذي يربط الأبيض بشمال كردفان ودارفور، بينما تشكل أم سيالة نقطة ارتكاز على المحور الممتد بين الأبيض وبارا، وهو المحور الذي اعتمدت عليه قوات الدعم السريع خلال الأشهر الماضية في نقل التعزيزات والإمدادات بين دارفور ووسط البلاد. ويرى محللون عسكريون أن السيطرة على المدينتين تعني عملياً إبعاد خطر الهجمات البرية المباشرة عن مدينة الأبيض، التي ظلت طوال الأشهر الأخيرة تتعرض لهجمات بالطائرات المسيّرة والقصف المدفعي، كما تمنح الجيش قدرة أكبر على تأمين طريق الصادرات والطرق المؤدية إلى ولايتي النيل الأبيض والخرطوم، مع فتح المجال أمام عمليات هجومية أوسع غرباً باتجاه حدود دارفور.
أشارت حكومة ولاية شمال كردفان إلى أن العمليات جاءت عقب هجوم نسبته إلى قوات الدعم السريع على منطقة بربر جنوب الأبيض، أسفر عن مقتل خمسة عشر مدنياً وإصابة آخرين، إضافة إلى نهب ممتلكات السكان. وقالت حكومة الولاية إن القوات المسلحة تحركت فوراً لملاحقة المهاجمين، وتمكنت من دحرهم وإجبارهم على الانسحاب، قبل أن تبسط سيطرتها الكاملة على المنطقة وتبدأ عمليات تأمين واسعة لمنع أي محاولات تسلل جديدة. وفي الوقت نفسه تحدث شهود عيان عن تعرض محطات مياه في رهيد النوبة وأم نبق لقصف بطائرات مسيّرة، وهو ما أدى إلى تعطل مصادر مياه يعتمد عليها آلاف النازحين الفارين من أم سيالة وجبرة الشيخ وشرق بارا.
يمثل هذا التقدم تحولاً في طبيعة العمليات العسكرية التي شهدتها شمال كردفان خلال العامين الماضيين. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 احتفظت قوات الدعم السريع بوجود واسع في بارا، مستفيدة من موقعها الجغرافي الذي يربط دارفور بوسط السودان، بينما بقيت مدينة الأبيض تمثل أهم معاقل الجيش في الإقليم. وخلال الأشهر الأخيرة تحولت المنطقة إلى واحدة من أكثر الجبهات اشتعالاً، مع تبادل الهجمات ومحاولات متكررة من الجيش لقطع خطوط الإمداد القادمة من دارفور، في مقابل سعي قوات الدعم السريع إلى الحفاظ على ممراتها اللوجستية نحو غرب كردفان ودارفور. وتشير تقارير ميدانية إلى أن أم سيالة كانت خلال العام الماضي مسرحاً لمعارك متكررة بين الطرفين بسبب أهميتها في التحكم في الحركة العسكرية على المحور الغربي.
ورغم التقدم الذي أحرزه الجيش في شمال كردفان، فإن القتال لم يتوقف على تخوم دارفور. فقد استمرت الاشتباكات على المحاور الشرقية والشمالية للإقليم، خاصة في المناطق الحدودية بين شمال كردفان وغرب دارفور، مع محاولات من قوات الدعم السريع لإعادة تنظيم خطوطها الدفاعية وإرسال تعزيزات نحو مواقعها داخل دارفور. وتفيد مصادر ميدانية بأن المواجهات تركزت على الطرق المؤدية إلى الفاشر وبعض المحاور الغربية، وسط استخدام مكثف للمركبات القتالية والطائرات المسيّرة، الأمر الذي يعكس انتقال مركز الثقل العسكري تدريجياً من محيط الأبيض إلى خطوط التماس الفاصلة بين كردفان ودارفور.
يعتقد مراقبون أن استعادة بارا وأم سيالة تمنح الجيش أفضلية عملياتية في المرحلة الحالية، لأنها تقلص مساحة تحرك قوات الدعم السريع داخل شمال كردفان، وتقطع أحد أهم الممرات البرية التي تربط قواتها المنتشرة في دارفور بالمناطق الوسطى. كما تفتح الباب أمام عمليات لاحقة تستهدف تثبيت السيطرة على كامل الولاية ثم التقدم غرباً نحو غرب كردفان ودارفور، حيث ما تزال قوات الدعم السريع تحتفظ بمراكز ثقلها العسكرية والإدارية. في المقابل، يرجح استمرار المعارك خلال الأسابيع المقبلة مع سعي كل طرف إلى إعادة رسم خطوط السيطرة قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة من العمليات، خاصة أن دارفور أصبحت تمثل الساحة الرئيسية المتبقية للحرب بعد التغيرات العسكرية التي شهدتها ولايات الوسط والعاصمة خلال الأشهر الماضية.