الأربعاء 17 ديسمبر 2025
يشير مؤرخو الأدب الأفريقي إلى أن هناك أجيالاً عديدة تعاقبت في مسيرته، هي: الجيل الأول (المؤسس)، الذي عبّر منتسبوه، أمثال: تشينوا أتشيبي (1930- 2013)، وكوفي أونور (1935- 2013)- عن قضايا تتعلق بالهوية الأفريقية، والاستعمار ومقاومته والتراث الشفاهي. والجيل الثاني (جيل ما بعد تحرر أفريقيا من الاستعمار)، الذي تصدّت إبداعاته، مثل: إبداعات نغوجي وا ثيونغو (1938- 2025)، وجاك مابانجي (1932- 2022)- إلى إبراز التحديات الاجتماعية والسياسية في مرحلة ما بعد استقلال بلدانهم، غير أنه خصّ قضية الوحدة الأفريقية، وقضايا: الفقر والظلم والهجرة- بنصيب كبير من منجزاته الإبداعية. والجيل الثالث (المعاصر)، الذي يشار إلى تميزه بتنوع الموضوعات، والأساليب، التي انتهجها في كتاباته، وقدرته على المزج بين الأصالة والحداثة، والانفتاح على القضايا العالمية. إضافة إلى جيل رابع ما يزال يتخلّق.
ينتمي المبدع الشامل عبد الرحمن وابيري، المولود في جيبوتي عام 1965، إلى الجيل الثالث (وبعض النقاد يعده مخضرما بين الجيلين الثالث والرابع) من كتّاب الأدب الأفريقي، الجيل الذي نشأ وترعرع في دول أفريقية مستقلة، وإن عاش هذا الجيل بعضا من طفولته المبكرة، غير المدركة لما حولها في ظل مفظعات الاستعمار. وأهم من ذلك كله أن هذا الجيل- وجد أسس الأدب الأفريقي قد توطدت، وأركانه قد قوي عودها، وأصبح أدبا له معالمه التي تميزه، وقضاياه التي تنبع من بيئاته، ومؤلفيه، الذين رفدوا ذلك الأدب بأعمال إبداعية، يشار إليها بالبنان في خضم الآداب العالمية، مثل أعمال تشينوا أتشبي، وكوفي أونور، ووول سوينكا، وغيرهم كثير. وقد فرضت الظروف، التي عاشها جيل عبد الرحمن وابيري- أن يبتعد عن القارة الأفريقية للانفتاح على البعد العالمي، فنبت وسط مؤلفاتهم الإبداعية- أدب المنفى والشتات والهجرة.
عبد الرحمن وابيري: خصوصية التكوين والتحليق في سماء الإبداع
رأى عبد الرحمن علي وابيري النور في عاصمة بلاده جيبوتي، قبل 12 عاما من استقلال بلاده عن فرنسا عام 1977، فكان مولده عام 1965. وعندما بلغ سن العشرين عام 1985 سافر إلى فرنسا، التي حصل على جنسيتها لاحقا، لدراسة اللغة الإنجليزية وآدابها، حيث نال دبلوم الدراسات العليا في الأدب الإنجليزي، ثم حصل بعد ذلك على درجة الدكتوراه في أطروحة تناول فيها أعمال الكاتب الروائي الصومالي نور الدين فارح. وقد أهله تكوينه العلمي أن يصبح أستاذا يدرّس الأدبين: الفرنسي والفرانكوفوني في جامعة جورج واشنطن بالولايات المتحدة. ومنذ حصوله على الدكتوراة- وجّه وابيري اهتمامه للبحث في مجال النقد التاريخي لأدب أفريقيا جنوب الصحراء. وقد أشار وابيري في أحد الحوارات معه إلى أن الثقافة العربية مكوّن أساسي لتراثه الأدبي. وبذا يكون قد جمع بين ثقافات ثلاث: الفراكونوفية (الخلفية الاستعمارية)، والأنغلوفونية (الخلفية التكوينية الخاصة بالدراسات العليا)، والعربفونية (بحكم الانتماء إلى الثقافة العربية المتجذرة في بلاده).
جمعت شخصية عبد الرحمن وابيري بين قرض الشعر وكتابة الرواية وتأليف القصة القصيرة، إضافة إلى كتابة المقالات والنقد الأدبي والعمل الأكاديمي. والعملان الأخيران (النقدي والأكاديمي) يفهمان مما تم ذكره. أما كونه شاعرا- فيستنتج من ديوانه "تسمية الفجر". أما كونه روائيا، فيبرز من خلال روايته "حصاد الجماجم". وأما كونه قاصا، فيؤكد ذلك تأليفه لمجموعة قصصة، في بداية مسيرته الإبداعية بعنوان "بلد بلا ظلال". وغير ذلك من الأعمال، التي تؤكد أنه شاعر وروائي وقاصّ مبدع. فلا غرو بعد ذلك أن تجد أعماله حظوة في الانتشار بين قراء كثر في أنحاء العالم؛ لا سيما بعد أن ترجمت أعماله إلى لغات عديدة، منها: الإنجليزية والألمانية والإيطالية والبرتغالية والصربية والإسبانية، ليمنح من خلال أعماله جائزة الأكاديمية الملكية للعلوم والأدب والفنون الفرنسية، والجائزة الكبرى للأدب الإفريقي السود.
إن أهم السمات المميزة لكتاباته تكمن في إبراز عناصر الخرافة والفكاهة والشعر الغنائي. فنصوص وابيري يكسوها الحنين العميق، الذي تحمله لغة شائعة للغاية. إضافة إلى أنها تسمع صوتا جديدا، وشخصية جديدة في مسيرة الأدب الأفريقي
لعبت شهرة عبد الرحمن وابيري في المجال الإبداعي والأكاديمي، الخاصين بالأدب الأفريقي- دورا في اشتراكه في عدد من المحافل الدولية، منها: ترأسه لجنة التحكيم الخاصة بالجائزة الأدبية "صوت فرنسا" في نسختها الثانية، التي نظمتها إذاعة فرنسا الدولية، بالمشاركة مع دار نشر "لاتيس"، ومدينة الفنون الدولية. وقد ترشح لهذه المنافسة المخصصة للشباب في أفريقيا- ما لا يقل عن 350 عملا. كما شارك في مهرجان مراكش للكتاب الأفريقي في نسخته الثالثة، في فبراير/ شباط 2025، والتي جمعت أكثر من 40 كاتبا ومثقفا ومفكرا أفريقيا من أكثر من 20 دولة؛ لتقدّم عرضا استثنائيا للأدب الأفريقي المعاصر.
تميز وابيري بملكة الكتابة في مجالات: القصة القصيرة والرواية والشعر. فصدرت له أعمال أدبية عديدة، منها: "أرض بلا ظلال" (بلد بلا ظلال)، و"تسمية الفجر"، و"الأغنية الإلهية"، و"عبور"، و"حصاد الجماجم"، و"ممر الدموع"، و"دفتر نوماد" (دفتر الرحّل). وقد جاء الدور هنا لتسليط الضوء على بعض أعماله الإبداعية في هذه الفنون الأدبية الثلاثة. وذلك أن المقام يقتضي تقديم إشارات سريعة مختصرة عن بعض تلك الأعمال- تعريفا بها، وبالقضايا التي ركزت عليها، وبرأي بعض النقاد حولها، وربما بالأثر الذي أحدثته في فضاء الأدب الإفريقي.
في البدء نشير إلى أن لعبد الرحمن وابيري في مجال القصة لقصيرة- مجموعة قصصية بعنوان "بلد بلا ظلال"، دشن بها أعماله الإبداعية، حيث نشرت تلك المجموعة عام 1994، ووقتذاك كان المؤلف يبلغ من العمر نحو 29 عاما. وحظيت بقبول واسع، واستقبال متحمس، وذلك عائد بحسب النقاد إلى أصالة الأسلوب المستخدم في تلك المجموعة، والموضوعات المهمة، التي تطرق إليها الكاتب في ثنايا تلك المجموعة، التي كانت سببا في حصوله على جائزة الأكاديمية الملكية للعلوم والأدب والفنون الجميلة الفرنسية. ولأن الغالبية العظمى من الروائيين- يبدأون مسيرتهم الإبداعية، إما بكتابة الشعر أو القصة القصيرة تمهيدا للدخول في عالم الرواية، الجنس الأدبي الأكثر تعقيدا- فقد مثّلت إحداهما، وغالبا كتابة القصة القصيرة، مدخلا ونقطة انطلاق لعالم الرواية من أوسع أبوابه
لعبد الرحمن وابيري العديد من الروايات، منها: "عبور"، و"حصاد الجماجم"، و"دفتر نوماد". وتعد "دفتر نوماد"، التي صدرت عام 1996 إحدى أهم بداية أعماله الأدبية، التي مثلت له مرحلة مهمة؛ لينال بعدها شهرة، في مجال ما يسمى حاليا بـ"الأدب العالمي" المكتوب باللغة الفرنسية. يعد "دفتر نوماد"- من أروع أعماله وأدقها، حيث يواصل فيها استكشاف هذا الفضاء، الذي هو خيالي وجغرافي في حد ذاته، وربما إتقان أكبر لتقنيته السردية، التي تمزج الشعرية والخيال وثراء الرموز الحسية. وعند بعض النقاد فإن محتوى الرواية مزيج من الشعر والقص والذكريات الشخصية، والنقد الاجتماعي والسياسي؛ الذي ترتب عليه نفي وابيري إلى فرنسا لمدة عشرة أعوام.
أما رواية "حصاد الجماجم" (2000)، التي تؤرخ للأحداث الدموية، التي عانت منها دول أفريقية عدة. وتركز الرواية على أحداث الإبادة الجماعية، التي جرت أحداثها في جمهورية رواندا، في وسط أفريقيا عام 1994. حيث قامت مجموعة من قبيلة الهوتو بإبادة جماعية من قبائل التوتسي، قدرت بين 500 ألف إلى مليون نفس بشرية، إثر ما يعتقد أنه تخطيط من أحد أحزاب الصفوة في المجتمع الرواندي، المسمى "أكازو". يرى أحد النقاد أن هذه الرواية تتسم باللغة الشعرية، التي تمتزج بالواقع، وتستلهم الكثير من أحداثها بناء على خبرات، وشهادة الناجين من الإبادة، التي قام المؤلف بجمعها، بعد زيارة إلى رواندا- قام فيها بمقابلة الكثير ممن شهدوا الأحداث المأساوية بأنفسهم، وحكوا للكاتب خبرات معقدة، ومشاعر متضاربة بين أفراد الجماعتين المتنازعتين.
تقف المجموعة الشعرية "تسمية الفجر" (1998) في مقدمة الأعمال الشعرية المتميزة للرجل، ففيها تكتشف القاريء مقتطفات من قصص الأنبياء، ودروس من القرآن الكريم، وإشارات أدبية كلاسيكية، مثل العاشقين المتقاطعين بالنجوم، على غرار "مجنون ليلى". كما يقدم لمسة وفاء لشعراء الماضي، مقدما بذلك مجموعة تتضمن أصداء تاريخية وثقافية قوية بين موطنه جيبوتي "بلد مطلع على الوجود المتغير" والشرق الأوسط. كما يرسل وابيري من خلال هذه المجموعة رسالة مفادها أن "القانون ليس الطريق الذي يقود إلى المصدر". وتعد هذه الرسالة بمثابة نداء إلى أولئك، الذين يسيئون تأويل النصوص الدينية، ويقدمون تفسيرات جامدة متطرفة.
من النماذج الشعرية المتاحة لعبد الرحمن وابيري قصيدة "شجرة السنط"، التي ترجمتها نانسي نعومي كارلسون إلى الإنجليزية، ضمن قصائده عديدة لوابيري. وقام بترجمتها إلى العربية الكاتب والمترجم العراقي بنيامين يوخنا دانيال. تقول القصيدة:
إنك أميرة المشهد الطبيعي
ولا خلاف في هذا،
تتسلق أغصانك المواعز
الهزيلة،
معتلية قبتك..
ثمة سحابة كثيفة
من النمل،
تعانق جذورك،
محتمية بظلك
من حرارة الشمس..
بينما المعاز منهمكة
بقضم أجمل أوراقك
بتأنّ.. ورويدا رويدا.
تتشكل قصيدة "شجرة السنط" من كلمات بسيطة، أغلبها متداول، ويكتنفها أسلوب غير معقد، وتمنح القاريء، وفقا لذلك، معنى يتشكل من صورة شجرة سنط، تأكل من أوراقها مواعز، وتعبث بجذورها مجموعة كبيرة من النمل. فهل هذا ما يريد أن يوصله مؤلف القصيدة إلى القاريء من معنى؟ في ظننا- تبدو هذه القصيدة غارقة في الرمزية، وقد تم اختيار كلماتها وأسلوبها وعنوانها بعناية. ولا شك أن هذه الرمزية ستوصل للقاريء المعاني التي يرمي إليها الشاعر. فاستخدام الشاعر لشجرة السنط، ذو دلالة خاصة، تختلف إذا استخدم نوعا آخر من الشجر، مثلا شجرة الأراك، التي لها دلالة أخرى غير دلالة شجرة السنط. فشجرة السنط، التي تم اتخاذها عنوانا/ بوابة لهذه القصيدة- تستمد رمزيتها من الثقافة الأفريقية، التي تعدها رمزا للحياة والصمود والبركة، بالإضافة إلى رمزيتها الدينية والنفعية في حياة الأفارقة.
لم ينتصر جيل وابيري للأصالة على حساب الحداثة، كما أنه لم ينتصر للحداثة على حساب الأصالة، بل مزج بينهما بإبداعية؛ مما وسم كتابات ذلك الجيل بخصوصية المرحلة
وعلى الرغم من أن الرمزية، التي ألبسها الشاعر لهذه القصيدة، قد لا يُتفق على دلالتها، لأن طبيعة الرمزية، تكفل للقصيدة قراءات تختلف حسب الحالة المزاجية والنفسية للقاريء لحظة القراءة- إلا إنني أرى أن الرسالة التي يريد الشاعر إيصالها تتكون من صورة تشكلها شجرة السنط (= الحياة والصمود والبركة)، التي ترمز إلى تنوع الموارد الطبيعية والبشرية، كثرة ولونا، وهذا يتسق مع طبيعة القارة (أفريقيا)/ أو الدولة (جيبوتي). وفي جزء من هذه الصورة- تبدو أفريقيا/ جيبوتي محاصرة من عدو خارجي (المواعز). وأن هذا العدو مهما بدا قويا فهو كالمواعز (هزيلة). وأن هذا العدو يركز على الجوانب الخارجية السطحية (القبة والأوراق). وفي جزء آخر من الصورة- تبدو أفريقيا/ جيبوتي محاصرة من عدو داخلي (النمل)، الذي ينخر من الداخل (الجذور)، الشق الأكثر تأثيرا وضررا على الشجرة (أفريقيا/ جيبوتي). فالشاعر ينبهنا هنا إلى خطورة العدو الداخلي مقابل العدو الخارجي.
يجدر بنا بعد هذا التطواف السريع على بعض مؤلفات عبد الرحمن وابيري الإبداعية- أن نشير بصورة مجملة إلى مميزات إبداعاته، والجديد الذي تثيره. إن القاريء المتعمق في كتابات وابيري الإبداعية- سيلحظ أن أهم السمات المميزة لكتاباته تكمن في إبراز عناصر: الخرافة والفكاهة والشعر الغنائي. وفي السياق ذاته يرى أحد النقاد أن نصوص وابيري يكسوها الحنين العميق، الذي تحمله لغة شائعة للغاية. إضافة إلى أن نصوصه- تسمع صوتا جديدا، وشخصية جديدة في مسيرة الأدب الأفريقي. وفي الوقت عينه تتعارض مع الروايات السياسية والملحمية في كثير من الأحيان. وفي السياق ذاته أيضا- يرى ناقد آخر أن الجديد في شعر وابيري- يتمثل في المكان، الذي يعطيه لاستحضار كونه الشخص الحميم، الذي يعمل كمرشح يتيح لنا المؤلف من خلاله رؤية الحقيقة.
نتبين من خلال العرض السابق، أن المبدع الشامل عبد الرحمن وابيري، الذي جمع بين الثقافات: العربونية والفرانكوفونية والأنغلوفونية- يمثل أيقونة للجيل الثالث من الكتّاب الأفارقة، وليس بالضرورة أن يكون الأيقونة الوحيدة لذلك الجيل. المهم أنه كان شاهدا على الفترة، التي أعقبت استقلال بلاده عن فرنسا، بل شاهدا على بلدان أفريقية عديدة استقلت عن الاستعمار الأوروبي. فسعى هو والجيل الذي ينتمي إليه- إلى تناول موضوعات عديدة في كتاباته الإبداعية، والتزم باستخدام أساليب جديدة في تلك الكتابات، برزت بوضوح في: "دفتر نوماد"، و"حصاد الجماجم"، و"وتسمية الفجر"، وغيرها. وفي الوقت نفسه لم ينتصر جيل وابيري للأصالة على حساب الحداثة، كما أنه لم ينتصر للحداثة على حساب الأصالة، بل مزج بينهما بإبداعية؛ مما وسم كتابات ذلك الجيل بخصوصية المرحلة. إضافة إلى ذلك لم يغلق نفسه على خصوصية القارة الإفريقية، بل أعلن انفتاحه على القضايا العالمية؛ ليفتح الباب واسعا للأجيال، التي ستتلوه من الكتّاب الأفارقة.