الاثنين 12 يناير 2026
يمثل الاعتراف الإسرائيلي، الذي أعلنته تل أبيب في 26 ديسمبر/كانون الأول الجاري، بصوماليلاند دولة مستقلة ذات سيادة كاملة، تحوّلًا نوعيًا في مقاربة ملف ظلّ لعقود محصورًا في نطاق الحذر الأفريقي والتجاهل الدولي. فالخطوة، التي جاءت دون إجماع دولي أو توافق أفريقي، ليست مجرد قرار دبلوماسي ثنائي بين هرجيسا وتل أبيب، بل تحمل فعلًا جيوسياسيًا عالي الكلفة، وتداعيات تتجاوز الصومال إلى مجمل بنية الاستقرار في القرن الأفريقي. تباين رد الفعل بين هرجيسا ومقديشو، يعكس حقيقة الأمر، فحين تحتفل الأولى بتحقق حلم الدولة، تظاهرت الثانية تنديداً بالخطوة الإسرائيلية.
منذ إعلان انفصالها عام 1991، من طرف واحد عقب انهيار الدولة الصومالية المركزية، نجحت صوماليلاند في بناء سردية سياسية تقوم على كونها "الدولة الصومالية التي نجحت حيث فشلت الدولة الأم". فقد نجحت في بناء مؤسسات حكم محلية مستقرة، وتنظيم انتخابات، وتوفير مستوى من الأمن والاستقرار مقارنة ببقية دولة الصومال. غير أن هذا النجاح النسبي لم يترجم إلى شرعية أفريقية ودولية، إذ ظلت خارج منظومة الاعتراف الدولي، وبقيت محكومة بسقف منخفض، لأسباب بنيوية عميقة.
فالدولة ليست مجرد مؤسسات إدارية أو استقرار أمني نسبي فحسب، إنما منظومة شرعية قانونية واقتصادية وسياسية متكاملة وفق سياسات المنظومة الدولية. وفي هذا البعد تحديدًا، ظلت صوماليلاند تعاني من نقص حادّ: دولة بلا سيادة قانونية حيث غياب الاعتراف الدولي وضعف الاقتصاد الإنتاجي ومحدودية الموارد والاستثمار، وغياب النفاذ إلى المؤسسات المالية الدولية، حيث تعتمد بشكل كبير على التحويلات المالية من الشتات. بينما رأت نخب صوماليلاند في الاعتراف الإسرائيلي كسرًا لعزلة طويلة مريرة، فإن أغلب القوى الإقليمية والدولية تراه محاولة قفز فوق السياق الأفريقي، وفرض أمر واقع من خارج القواعد المتفق عليها. بل تفتح هذه الخطوة أبواب الصراعات على مستوى الخسارة أكثر منها على الربح.
لا يمكن فهم الاعتراف الإسرائيلي بمعزل عن السياق الجيوسياسي الأوسع في البحر الأحمر والخليج والقرن الأفريقي. فصوماليلاند تطل على واحد من أكثر الممرات البحرية استراتيجيةً في العالم، وهو مضيق باب المندب، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية والطاقة. فالاعتراف لا يستهدف إقليمًا هامشيًا، بل يقع في قلب واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم، حيث تتقاطع خطوط التجارة العالمية، وتتصادم مصالح القوى الكبرى، وتتشابك الهشاشة السياسية مع الجغرافيا الاستراتيجية. من هنا، فإن خطورة هذا الاعتراف لا تكمن فقط فيما يمنحه لصوماليلاند، بل فيما يسحبه من رصيد الشرعية عن النظام القائم، ويضيفه إلى منطق القوة والانتقائية.
تسعى إسرائيل، داخل هذا المناخ إلى توسيع هامشها الاستراتيجي وتأمين خطوط الملاحة، وتعزيز قدرتها على الرصد الأمني، خاصة بعد أحداث الـ7 من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، والتي أعادت صياغة حضور الأمن الإسرائيلي في منطقة البحر الأحمر، مستغلاً بعض الثغرات في جسد السيادة الصومالية إلى جانب إحياء زخم اتفاقيات أبراهام التي بدأت منذ 2020، فضلاً عن فرضية ترحيل الفلسطينيين إلى أرض الصومال. كما يندرج هذا التحرك ضمن سياسة أوسع تهدف إلى بناء شبكات نفوذ في أفريقيا، خاصة في المناطق التي تشهد فراغًا دوليًا أو هشاشة سياسية كمنطقة القرن الأفريقي التي بات يتصاعد حولها صراعات القوى الكبرى، مثل: الصين والولايات المتحدة وتركيا ومصر وأثيويبا.
من هذا المنظور، يبدو الاعتراف بصوماليلاند اعترافًا وظيفيًا، يخدم اعتبارات الأمن والنفوذ أكثر مما يستند إلى مبادئ تقرير المصير أو بناء الدولة المستقرة. لم تعد السيادة والحق في وحدة الجغرافيا ذات أهمية مقابل المصالح الأمنية والعسكرية والمطامح حول الموارد. فالدولة، وفق هذا المنظور، لم تعد سوى جهازا أمنيا وظيفيا تتحكم فيها شركات الأمن العابرة للحدود، والمليشيات الخارجة عن القانون. فالسيادة الوطنية والشرعية، لم يتبقى منها سوى فُتات المفهوم على أروقة الأكاديميا.
خطورة هذا الاعتراف لا تكمن فقط فيما يمنحه لصوماليلاند، بل فيما يسحبه من رصيد الشرعية عن النظام القائم، ويضيفه إلى منطق القوة والانتقائية
يثير الاعتراف الإسرائيلي، لكن من منظور القانون الدولي، إشكاليات عميقة. فمبدأ سيادة الدول ووحدة أراضيها يشكّل حجر الأساس في ميثاق الأمم المتحدة. والاعتراف بالكيانات الانفصالية خارج إطار تفاوضي أو استفتاء معترف به دوليًا، يفتح الباب أمام فوضى قانونية تهدد النظام الدولي نفسه الذي بات يتآكل بكثافة يوماً وراء آخر. كما أن هذا الاعتراف يضعّف الدور الأفريقي في إدارة أزماته الداخلية، ويقوّض مبدأ "الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية"، لصالح تدخلات خارجية انتقائية تحكمها المصالح لا القواعد إذا أخذناه من وجهة نظر المركزية الأفريقية الوحدوية.
يشبه الجدل الحالي حول صوماليلاند حالة كوسوفو في كونها كيانًا حظي باعتراف انتقائي دون إجماع دولي. والنتيجة كانت دولة محدودة العضوية الدولية، تعاني من هشاشة اقتصادية وأمنية، وتبقى ساحة تجاذب بين القوى الكبرى. كما لم يخدم الاعتراف المحدود بتايوان سوى صراع القوى الكبرى مع الصين، لا حق تقرير المصير. وبالمثل، قد تتحول صوماليلاند إلى ورقة في صراعات البحر الأحمر. فالاعتراف الأحادي قد ينتج كيانات معزولة تعتمد على دولة راعية واحدة، وهو سيناريو محتمل لصوماليلاند إذا بقي الاعتراف محصورًا في دولة اسرائيل وحدها. وحتى الاعتراف الدولي الكامل، كما في حالة جنوب السودان، لم يمنع الانزلاق إلى حرب أهلية مدمرة. ما يثبت أن الشرعية الشكلية لا تعوض غياب المؤسسات والهوية الوطنية الجامعة.
قوبل الاعتراف الإسرائيلي برفض حاسم من الحكومة الصومالية، التي اعتبرته انتهاكًا صارخًا لسيادتها ووحدة أراضيها بل دعت إلى جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي، لمناقشة تداعيات خطوة الإسرائيلية تجاه هرجيسا. فيما عبّرت أكثر من 20 دولة ومؤسسة أفريقية وعربية من بينها السعودية وتركيا ومصر وباكستان وجيبوتي، إلى جانب جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الخليجي والاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيغاد عن رفضهم الكامل للاعتراف الاسرائيلي بصوماليلاند، معتبرين الخطوة سابقة خطيرة، وتهدد استقرار منطقة تعاني أصلًا من أزمات متراكمة. أما الصين فأعلنت، أنه "لا ينبغي لأي دولة أن تشجّع أو تدعم قوى انفصالية داخلية في دول أخرى من أجل مصالحها الأنانية"، في إشارة غير مباشرة إلى إسرائيل.
بينما شدّد الاتحاد الأوروبي على ضرورة الحفاظ على وحدة الصومال، محذرًا من تداعيات الاعترافات الأحادية على الأمن الإقليمي. وأطلقت حركة الشباب في الصومال تهديدات مباشرة ضد صوماليلاند، على خلفية ما وصفته بتبادل الاعتراف بين هرجيسا وتل أبيب. فيما حذرت جماعة الحوثيين في اليمن، من أن أي وجود إسرائيلي في صوماليلاند سيُعتبر "هدفاً عسكرياً" لقواته. واصفةً اعتراف إسرائيل بصوماليلاند بأنه "موقف عدائي يستهدف الصومال ومحيطه الأفريقي واليمن والبحر الأحمر".
يعكس هذا الرفض الواسع، إدراكًا إقليمياً ودوليًا بأن القضية لا تتعلق بصوماليلاند وحدها، بل بمنظومة كاملة من السياسات والقواعد التي تحاول ضبط العلاقات الدولية، وإن كانت غير عادلة، أكثر مما يعكس دفاعًا تقليديًا وتضامناً لخطر محتمل عن الصومال كدولة بعينها. فهذه المواقف لا تنطلق فقط من اعتبارات التضامن السياسي، إنما من خشية عميقة من كسر بنية تقاطعات الاجندة القائمة من جهة وهدم قاعدة تأسيسية مفترضة في العلاقات الدولية، تتمثل في احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها من جهة ثانية.
على المستوى الأفريقي، يعكس الرفض قلقًا أمنياً على بنية علاقات المصالح القائمة أكثر منه قلقاً وجوديًا من عدوى التفكك، كما يتم الترويج له، وكأن الدولة القطرية في القارة قد تشكلت عبر صيرورة تاريخية طبيعية، وتوافق اجتماعي طوعي أصيل. ومن هذا المنظور، فالقارة الأفريقية، التي قامت دولها الحديثة على حدود استعمارية مصطنعة، اختارت منذ الاستقلال تثبيت هذه الحدود لا بوصفها عادلة، بل باعتبارها أقل الخيارات كلفة.
وأي إخلال بهذا التوافق الهشّ يُنظر إليه كتهديد مباشر لاستقرار دول متعددة الإثنيات والهويات، تعاني أصلًا من هشاشة الدولة الوطنية. خاصة، ثمة مناطق تتطالب من عقود بالانفصال مثل بيافرا في نيجيريا، وبونتلاند في الصومال، وشرق ليبيا في ليبيا، وكابيندا في أنغولا، وإقليم دارفور في السودان، ومنطقة الصحراء الغربية في المغرب، وأزواد في مالي، وبوغنفيل في بابوا غينيا الجديدة. ولكن في الواقع فإن رفض الاتحاد الأفريقي لا ينبع من موقف أخلاقي بقدر ما هو دفاع براغماتي عن بقاء النظام الإقليمي نفسه.
كما أن القرار يضع الدول، ولاسيما في القارة الأفريقية، في معادلة صعبة، حيث دعم وحدة وسيادة الدول مقابل إقامة علاقات استراتيجية مع إسرائيل. إذ كثير من الحكومات قد تجد نفسها في مواجهة ضغوط داخلية وخارجية لإعادة تقييم سياساتها تجاه المنطقة. وإذا تمكّن الاعتراف من أن يصبح قاعدة لتوسع النفوذ الأجنبي، قد تتحوّل منطقة القرن الأفريقي إلى ساحة تنافس نفوذ بين قوى كبرى: الولايات المتحدة والصين وتركيا وإيران، عبر وكلاء محليين، مما يعقّد جهود السلام ويزيد من مخاطر الصراع.
أما عربيًا، فيعكس الرفض إدراكًا بأن الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند لا ينفصل عن استراتيجية أوسع لتوسيع النفوذ في البحر الأحمر والخليج والقرن الأفريقي، بما يمس الأمن القومي العربي، خاصة لدول مطلة على الممرات البحرية الحيوية. كما يُقرأ القرار كجزء من سياسة تفكيك الإجماع الإقليمي حول قضايا السيادة، وإعادة تعريف مفهوم الدولة في مناطق الهشاشة، بما يسمح بتدخلات خارجية أعمق تحت غطاء الاعتراف والدعم الثنائي.
على الصعيد الأوروبي، يعكس التنديد حرصًا على منع مزيد من عدم الاستقرار في محيط استراتيجي قريب، يرتبط مباشرة بقضايا التجارة العابرة للحدود والهجرة والأمن البحري ومكافحة الإرهاب. فالاتحاد الأوروبي، الذي خبر نتائج التفكك في البلقان مثلاً، يدرك أن الاعترافات الأحادية لا تُنهي النزاعات بل تُطيل أمدها وتُدوّلها. ومن ثم، فإن الموقف الأوروبي يعكس دفاعًا عن منطق الاستقرار القائم على التسويات متعددة الأطراف، لا على قرارات منفردة، قد تفتح الباب أمام فوضى جيوسياسية أوسع، وتكون كلفتها عالية في ظل سياق أوروبي متآكل العقيدة الأوروبية.
تعتبر الحكومة الصومالية في مقديشو، صوماليلاند، جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، وترفض الاعتراف رفضاً قاطعاً. وقد وصفت القرار بأنه "عدوان دولة"، وتدخل سافر في الشؤون الداخلية. حيث يهدد الاعتراف بانفصال المنطقة، بتقويض عملية إعادة بناء الدولة الصومالية، وتأجيج النزعات الانفصالية المحتملة، لا سيما في ظل المعاناة الأمنية المستمرة مع جماعات مثل حركة الشباب. ويأتي جزء من رفضها من اتهام إسرائيل بأن أحد دوافع الاعتراف هو البحث عن مواقع لإعادة توطين الفلسطينيين قسراً من غزة، وهو ما تعتبره مقديشو "خطاً أحمر".
لا يقتصر أثر الاعتراف على تعميق الخلاف السياسي القائم بين مقديشو وهرجيسا، بل يهدد بإعادة تشكيل طبيعة الصراع ذاته. فبدل أن يبقى الخلاف ضمن إطار تفاوضي، ولو شكلي، حول مستقبل العلاقة بين المركز والإقليم، فإن الاعتراف الخارجي يمنح صوماليلاند شرعية رمزية بديلة، تقلّص حوافز التفاوض، وتدفع نخبها السياسية إلى تبني خطاب أكثر تصلبًا، يقوم على تثبيت الأمر الواقع بدل البحث عن تسوية تاريخية. في المقابل، تجد الحكومة الفيدرالية في مقديشو نفسها مضطرة إلى التشدد دفاعًا عن السيادة، ما يضعف التيارات البراغماتية داخلها، ويقوّي الأصوات الداعية إلى المقاربة الأمنية بدل السياسية.
هذا الاعتراف يضعّف الدور الأفريقي في إدارة أزماته الداخلية، ويقوّض مبدأ "الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية"، لصالح تدخلات خارجية انتقائية تحكمها المصالح لا القواعد إذا أخذناه من وجهة نظر المركزية الأفريقية الوحدوية
هذا التحول في ميزان الخطاب يحمل خطر انزلاق الصراع من مستوى الشرعية والتمثيل إلى مستوى السيطرة والأمن. فالمناطق المتنازع عليها، قد تتحول إلى بؤر احتكاك مسلح، خاصة في ظل انتشار السلاح وضعف قدرة الدولة المركزية على فرض احتكار العنف. وبالتالي قد يصبح الاعتراف عامل تفجير كامن، لا عبر قرار مباشر، إنما عبر إعادة هندسة الحسابات السياسية الداخلية بطريقة تُضعف الدولة الصومالية الهشة أصلًا.
وفي السياقات الهشة، لا تعمل القرارات الجيوسياسية بمعزل عن الفاعلين من غير الدول. فالجماعات المسلحة، وعلى رأسها حركة الشباب، تمتلك قدرة عالية على قراءة التحولات السياسية وتوظيفها خطابيًا وتنظيميًا. فالاعتراف الخارجي بصوماليلاند يوفّر لهذه الجماعات مادة دعائية جاهزة، تُقدَّم بوصفها دليلًا إضافيًا على تآمر خارجي يستهدف وحدة البلاد وسيادتها، ما يسهم في تعبئة الأنصار وتبرير العنف وتوسيع قاعدة التجنيد، خصوصًا في المناطق المهمشة أو المتنازع عليها.
الأخطر أن هذا الخطاب لا يستهدف الداخل الصومالي فحسب، إنما يمتد إلى منطقة القرن الأفريقي بأسرها. فمع تصاعد الاستقطاب والتدخلات الخارجية، تصبح الحدود أكثر هشاشة، والتنسيق الأمني الإقليمي أكثر تعقيدًا. وفي بيئة كهذه، قد تجد الجماعات المتطرفة مساحات حركة أوسع، مستفيدة من انشغال الحكومات بالصراعات السياسية، ومن تضارب أجندات الفاعلين الإقليميين والدوليين، ما يضاعف المخاطر على الأمن الإقليمي والملاحة الدولية.
تُعتبر إثيوبيا المستفيد الإقليمي الأكبر، حيث تخدم الخطوة طموحاتها الطويلة الأمد في الحصول على منفذ بحري مستقل عبر ميناء بربرة في أرض الصومال. وسبق أن وقّعت أديس أبابا مذكرة تفاهم مع هرجيسا تمنحها حقوقاً عسكرية وتجارية مقابل الاعتراف. كما يعزز الاعتراف التحالف الاستراتيجي بين إثيوبيا وإسرائيل، مما يمنح أديس أبابا حليفاً قوياً في مواجهة النفوذ المتصاعد لكل من مصر وتركيا في المنطقة، واللذين يعارضان القرار.
يأتي الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند في لحظة يشهد فيها القرن الأفريقي تكثيفًا غير مسبوق للتنافس الجيوسياسي. وهنا، لا يُنظر إلى الاعتراف باعتباره خطوة معزولة، بل كإشارة إلى إعادة توزيع النفوذ على موارد المنطقة. هذا الواقع قد يدفع قوى أخرى إلى الرد، إما عبر دعم الحكومة الصومالية سياسيًا وأمنيًا، أو عبر تعزيز حضورها في موانئ ومناطق مجاورة، ما يخلق دينامية سباق نفوذ متصاعد. ومع غياب إطار إقليمي جامع لإدارة هذا التنافس، تتحوّل المنطقة إلى مساحة تنازع مفتوحة، حيث تتقاطع التحالفات وتتغير بسرعة، ويصبح الاستقرار رهينة لتوازنات خارجية لا تتحكم بها دول المنطقة نفسها.
حيث ترفض مصر الاعتراف بشدّة، إذ ترى فيه تهديداً لأمنها القومي عبر تمكين تحالف إثيوبي-إسرائيلي على البحر الأحمر، وتقويضاً لمبدأ وحدة الدول الذي تحرص على تطبيقه في المنطقة العربية. فيما تعترض أنقرة على الخطوة لأنها تهدد استثماراتها الضخمة وشراكتها الاستراتيجية مع الحكومة الصومالية الفيدرالية في مقديشو، والتي تشمل التدريب العسكري وإدارة الموانئ.
بينما تعارض جيبوتي الاعتراف خشية أن يؤدي تنويع إثيوبيا لوصولها إلى البحر عبر ميناء بربرة في صوماليلاند إلى تقليل الاعتماد الإثيوبي على موانئ جيبوتي، مما يقوض مركزيتها الاقتصادية والأمنية الإقليمية. وقد يؤدي وجود قواعد عسكرية إضافية لدول أخرى في المنطقة إلى تقليل الأهمية الاستراتيجية للقواعد الأجنبية الموجودة في جيبوتي، بما في ذلك القاعدة الصينية الوحيدة خارج البلاد. وعلى الرغم من عدم وضوح موقف إريتريا المعلن، فإن تاريخ التوتر مع إثيوبيا وتحالفها مع مصر يجعلها قلقة من أي تحول في ميزان القوى لصالح أديس أبابا وحلفائها الجدد.
لا يقود الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند، إلى مسار واحد حتمي، إنما يفتح مجالًا لاحتمالات متباينة، تتراوح بين احتواء هش أو تطبيع تدريجي أو تدويل وتصعيد أو تفكك بنيوي، مع بقاء نافذة ضيقة لتسوية سياسية شاملة. الفارق بين هذه المسارات لا تحدده الخطوة الإسرائيلية وحدها، بل قدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على منع تحويل الاعتراف من حدث سياسي محدود إلى نقطة كسر في استقرار القرن الأفريقي.
يتمثل المسار الأول في الاحتواء المحدود حيث أزمة مُدارة لا محلولة والذي يفترض بقاء الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند حالة استثنائية ومعزولة، دون أن يتبعه اعتراف دولي أوسع أو تحوّل مؤسسي في وضع الإقليم القانوني. في هذه الحالة، يظل التوازن الدولي والإقليمي قائمًا على قاعدة "عدم الذهاب بعيدًا"، حيث تكتفي القوى الكبرى بإبداء القلق أو الرفض اللفظي، دون اتخاذ خطوات تصعيدية فعلية، بينما تحافظ إسرائيل على حضور منخفض الكثافة، سياسيًا أو أمنيًا، لتجنب استفزاز واسع.
يعكس هذا الرفض الواسع، إدراكًا إقليمياً ودوليًا بأن القضية لا تتعلق بصوماليلاند وحدها، بل بمنظومة كاملة من السياسات والقواعد التي تحاول ضبط العلاقات الدولية، وإن كانت غير عادلة، أكثر مما يعكس دفاعًا تقليديًا وتضامناً لخطر محتمل عن الصومال كدولة بعينها
غير أن هذا الاحتواء لا يعني استقرارًا حقيقيًا، بل إدارة مؤقتة للأزمة. فالتوتر بين مقديشو وهرجيسا يستمر، لكن دون انفجار، فيما تتآكل تدريجيًا فرص الحل السياسي طويل الأمد. ويؤدي ذلك إلى تجميد الوضع القائم بدل معالجته، مع استمرار حالة "اللا حرب واللا سلام"، التي تُبقي الدولة الصومالية في حالة هشاشة مزمنة، وتمنح الفاعلين الخارجيين هامش مناورة دائم داخل فراغ سياسي غير محسوم.
فيما يتحدث السيناريو الثاني عن التطبيع التدريجي. حيث مع مرور الوقت وإصرار هرجيسا على استقلالها دبلوماسياً، قد تبدأ بعض الدول، خاصة تلك التي لديها مصالح اقتصادية أو أمنية مباشرة، في إقامة علاقات غير رسمية أو وظيفية مع صوماليلاند دون اعتراف كامل، على غرار ما تفعله الإمارات وإثيوبيا. وقد يدفع ذلك الصومال في النهاية إلى طاولة تفاوض حول صيغة كونفدرالية أو حكم ذاتي موسع.
أما المسار الثالث فيتناول التدويل والتصعيد والانقسام، حيث يستمر الصومال في رفضه القاطع، مدعوماً من مصر وتركيا والاتحاد الأفريقي. ومن المحتمل أن تقدم مقديشو على عقوبات دبلوماسية أو اقتصادية ضد صوماليلاند، وربما تتصاعد المناوشات العسكرية على الحدود بين الأقاليم الصومالية. وربما قد يؤدي هذا إلى قطيبة واضحة في المنطقة بين محور (إسرائيل - صوماليلاند - إثيوبيا) ومحور (الصومال – مصر – تركيا). هنا يتحول الاعتراف من خطوة رمزية إلى نقطة استقطاب إقليمي ودولي للقوى المتصارعة الإقليمية قد تسعى إلى تثبيت موطئ قدم لها، سواء عبر دعم مباشر للحكومة الصومالية، أو عبر شراكات أمنية واقتصادية مع صوماليلاند أو كيانات مجاورة بالمنطقة.
تتجلى خطورة هذا المسار في عسكرة الجغرافيا: موانئ تتحول إلى قواعد محتملة، وممرات بحرية تُراقب بعين أمنية متوترة، وتحالفات متغيرة تزيد من هشاشة التوازنات. وفي بيئة كهذه، يصبح أي حادث أمني صغير قابلًا للتضخيم، وقد يؤدي إلى تصعيد غير محسوب، خاصة في ظل وجود جماعات مسلحة قادرة على استغلال الفوضى مثل حركة الشباب وجماعة الحوثي. هذا السيناريو لا يهدد الصومال وحده، إنما يضع أمن البحر الأحمر والتجارة العالمية أمام مخاطر حقيقية.
أما السيناريو الرابع فيحتمل في عدوى الانفصال، حيث التفكيك التدريجي للدولة الوطنية، وهو يمثل الخطر البنيوي الأعمق. فحين يُنظر إلى الاعتراف بصوماليلاند بوصفه سابقة قابلة للتكرار، قد تستلهم مناطق وحركات انفصالية أخرى في القرن الأفريقي التجربة، معتبرة أن الطريق إلى الاعتراف الدولي لا يمر عبر التسويات الداخلية، إنما عبر استقطاب دعم خارجي انتقائي. في منطقة تعاني من هشاشة الدولة الوطنية وتعدد الهويات، تصبح هذه العدوى شديدة الخطورة.
في هذا السياق، لا يقتصر التفكك على الصومال، بل يمتد إلى دول أخرى تواجه توترات داخلية أو نزاعات هوية مثل: السودان ومالي ونيجيريا. ومع تراكم الحالات، تدخل القارة مرحلة سيولة جغرافية، حيث تصبح الحدود موضوع تفاوض بالقوة أو بالضغط الخارجي. النتيجة المحتملة ليست دولًا جديدة مستقرة، إنما فسيفساء كيانات ضعيفة، متنافسة، ومعتمدة على رعاة خارجيين، ما يقوض أي أفق لاستقرار إقليمي مستدام.
ويتجسد المسار الخامس في إعادة التفاوض الشامل؛ حيث تسوية مؤجلة ولكن ممكنة. ورغم كونه السيناريو الأقل احتمالًا، يظل هذا المسار هو الأكثر عقلانية من حيث المخرجات. يفترض هذا السيناريو أن الضغوط الناتجة عن الاعتراف، والرفض الدولي الواسع له، تدفع جميع الأطراف إلى إدراك كلفة استمرار الوضع القائم، مما قد يُعاد إحياء مسار تفاوضي شامل بين الحكومة الصومالية وصوماليلاند، برعاية إفريقية ودولية، يهدف إلى معالجة جذور الخلاف بدل الاكتفاء بإدارته.
ومن المحتمل جداً أن تفضي مفاوضات هذا المسار إلى صيغ مبتكرة للحكم، مثل حكم ذاتي موسع، أو كونفدرالية مرنة، تضمن قدرًا من السيادة المحلية ضمن إطار الدولة الصومالية. غير أن نجاح هذا السيناريو يتطلب شروطًا صعبة: إرادة سياسية داخلية، دور أفريقي فاعل، وضبط التدخلات الخارجية. ورغم صعوبة تحققه، يبقى هذا المسار الوحيد القادر على تحويل الأزمة من تهديد للاستقرار إلى فرصة لإعادة بناء الدولة على أسس أكثر تماسكًا.
يكشف الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند عن تحول خطير في استخدام الاعتراف الدولي كأداة نفوذ جيوسياسي، لا كآلية قانونية لتحقيق الاستقرار. وفي منطقة تعاني أصلًا من هشاشة بنيوية، فإن مثل هذه الخطوات الأحادية لا تفتح آفاق الحل، إنما تعمّق الأزمات وتعيد إنتاجها بأشكال أكثر تعقيدًا. فاستقرار القرن الأفريقي لا يمكن أن يُبنى عبر اعترافات خارجية انتقائية، إنما عبر تسويات سياسية داخلية، وإجماع أفريقي، وضمانات دولية جماعية تحترم السيادة، وتعالج جذور التهميش والصراع، لا أعراضه فقط. وبينما يرى سكان هرجيسا في الاعتراف نهاية لعقود من التهميش، وتراه تل أبيب إنجازاً استراتيجياً، فإن الثمن الأكبر قد يدفعه شعب الصومال الأوسع واستقرار منطقة القرن الأفريقي الهش أصلاً. القادم سيكون مرحلة من المناورات الدبلوماسية الشديدة والمواجهات بالوكالة والتصعيد المحسوب، حيث يصبح البحر الأحمر ومحيطه ساحة أخرى للصراعات الأوسع في القرن الأفريقي.