الثلاثاء 15 سبتمبر 2026
يمثّل الخطاب العلني الذي تبنته جيبوتي بشأن أمن مضيق باب المندب نقطة تحوّل في القرن الأفريقي. فتقديم نفسها بوصفها الحارس الأكثر انكشافًا أمام مخاطر المضيق، إلى جانب دعوتها الصريحة إلى إنشاء إطار أمني دائم يضم القوى الدولية ذات الثقل البحري وأبرز مستخدمي هذا الممر، يشكّلان خطوة علنية غير مألوفة ومحسوبة. ولا تقتصر دلالة هذه الدعوة على طلب الدعم، بل تنطوي أيضًا على إقرار رسمي بالقيود الهيكلية التي تحول دون قدرة جيبوتي على تأمين باب المندب منفردة.
تكتسب الدعوة أهميتها من توقيتها؛ إذ تأتي في خضم تصاعد التوترات في البحر الأحمر، وما صاحبها من هجمات على السفن التجارية، وعودة تهديد القرصنة، وتكشّف مواطن الضعف في شبكة الكابلات البحرية، بالتوازي مع الاضطرابات التي يشهدها مضيق هرمز. وفي ظل هذا المشهد المتداخل، بات واضحًا أن الترتيبات الأمنية القائمة لم تعد كافية.لذلك، لا يبدو تحذير جيبوتي من أن كارثة في باب المندب قد تفوق في تداعياتها أي اضطراب في مضيق هرمز مجرد مبالغة دبلوماسية، بقدر ما يعكس تقديرًا واقعيًا لمخاطر قائمة وآخذة في التصاعد.
في قلب هذه المعادلة، تقوم العلاقة بين جيبوتي وإثيوبيا على عدم تكافؤ هيكلي.فمعظم تجارة إثيوبيا الخارجية تمر عبر الموانئ الجيبوتية، ما يجعل اعتمادها عليها وجوديًا، لا اقتصاديًا فحسب. ومن شأن أي تعطّل طويل الأمد في باب المندب أن يطلق سلسلة من الأزمات في القطاعات الإثيوبية المعتمدة على الاستيراد، وأن يقود إلى انهيار تدفقات النقد الأجنبي واضطرابات سياسية. وفي المقابل، يقوم جانب أساسي من النموذج الاقتصادي الجيبوتي على حجم الشحنات الإثيوبية المتدفقة عبر موانئها.
هكذا، تتحول العلاقة إلى نوع من الارتهان المتبادل، لا يستطيع فيه أي من الطرفين تحمّل انهيار الصيغة القائمة. لكن كلفة هذا الارتهان ليست متساوية؛ فإثيوبيا تواجه خطرًا وجوديًا يمس استقرار الدولة واقتصادها، بينما تواجه جيبوتي خطرًا تشغيليًا يهدد نموذجها الاقتصادي.
إثيوبيا تواجه خطرًا وجوديًا يمس استقرار الدولة واقتصادها، بينما تواجه جيبوتي خطرًا تشغيليًا يهدد نموذجها الاقتصادي
ورغم أن هذا الاختلال يقيّد الجانبين، فإن إثيوبيا دفعت ثمنًا باهظًا لاستمرارها في التصرف بوصفها «الشريك المجامل». فلم يُفض هذا النهج إلى بناء بدائل احتياطية حقيقية، ولم يمنحها نفوذًا مؤسسيًا في ترتيبات الأمن البحري. وفي المقابل، نجحت جيبوتي في تحويل موقعها الجغرافي إلى مصدر للدخل، مستفيدةً من استضافة قواعد عسكرية تابعة لقوى عدة، ومن قدرتها على المناورة بين القوى الكبرى واستثمار تنافسها، من دون التفريط في سيادتها.
يتجلى حرص جيبوتي على الاحتفاظ بهذه السيطرة في رفضها المتكرر مطالب إثيوبيا بالحصول على ممر خاضع لسيادتها أو السماح لها بإقامة وجود بحري كامل. فقد ظل موقفها قائمًا على الاحتفاظ بالسيطرة المنفردة على العمليات، مع تعظيم العائد الاقتصادي من استخدام إثيوبيا لمرافقها. لذلك، لا يمكن فصل دعوتها الحالية إلى تقاسم الأعباء عن هذا السياق التاريخي؛ فهي تعبّر، من جهة، عن حاجة أمنية متزايدة، لكنها تصدر، من جهة أخرى، عن دولة شديدة التحفظ إزاء أي ترتيبات قد تنتقص من سيادتها أو سيطرتها التشغيلية.
من هذه الزاوية، يكتسب تقديم جيبوتي نفسها صراحةً بوصفها الحارس الأكثر تعرضًا للمخاطر عند المضيق أهمية خاصة. فهو إقرار رسمي بأن الترتيبات الأمنية القائمة تقترب من بلوغ حدودها التشغيلية، كما يؤكد وجاهة المخاوف بشأن قدرة جيبوتي على الاستمرار منفردةً في حماية هذا الممر الحيوي.
يعزز هذا التحول اعتماد جيبوتي خطابًا يقوم على المصلحة والمسؤولية المشتركتين. فهي لم تعد تقدم أمن باب المندب باعتباره قضية إقليمية تخص الدول المشاطئة فحسب، بل بوصفه منفعة عامة عالمية تتطلب مشاركة دولية. ومن شأن هذا الطرح أن يضفي الشرعية على انخراط أطراف خارجية في الترتيبات الأمنية، لكنه ينشئ في المقابل توقعًا واضحًا بأن تتحمل هذه الأطراف نصيبها من الأعباء.
الأمن البحري بطبيعته مترابط، وأي تعطّل في باب المندب يمكن أن يطلق سلسلة من التداعيات التي تطال سلاسل الإمداد العالمية وأسواق الطاقة والبنية التحتية للاتصالات، وقد تضاهي في حجمها آثار إغلاق مضيق هرمز أو تتجاوزها
على هذا الأساس، يمكن قراءة نداء جيبوتي بوصفه فرصة وتحذيرًا في آن واحد. فمن جهة، تفتح دعوتها الصريحة أمام أبرز مستخدمي الممر باب المشاركة في تأمينه، وتمثل أقرب إقرار رسمي منها بأن لإثيوبيا مصلحة مشروعة وكبيرة تبرر منحها دورًا أوسع. ومن جهة أخرى، تحمل الدعوة اعترافًا ضمنيًا بأن الصيغة الهادئة التي حكمت العلاقة بين البلدين تقترب من نهايتها، وأن استمرار إثيوبيا في الاكتفاء بدور المتفرج سيضاعف هشاشتها، من دون أن يمنحها نفوذًا يوازي حجم المخاطر التي تتحملها. كما يكشف هذا التحذير أن قدرة جيبوتي على إدارة التحديات الأمنية منفردة آخذة في التراجع.
في هذا السياق، تكتسب الإشارة إلى مضيق هرمز أهمية تتجاوز مجرد المقارنة، فقد حظي هرمز تاريخيًا باهتمام دولي واسع وانتشار عسكري كبير بسبب موقعه المحوري في أسواق الطاقة العالمية. وباستدعاء هذه المقارنة، تقول جيبوتي ضمنًا إن أهمية باب المندب تستدعي مستوى مماثلًا من الالتزام الأمني الدولي.
تقوم الحجة هنا على أن التفاوت في حجم الاستثمار في أمن المضيقين لا يعكس بالضرورة اختلافًا موضوعيًا في مستوى المخاطر، بل قد يكون نتيجة سوء في توزيع الموارد. فالأمن البحري بطبيعته مترابط، وأي تعطّل في باب المندب يمكن أن يطلق سلسلة من التداعيات التي تطال سلاسل الإمداد العالمية وأسواق الطاقة والبنية التحتية للاتصالات، وقد تضاهي في حجمها آثار إغلاق مضيق هرمز أو تتجاوزها.
بالنسبة إلى إثيوبيا، تفرض هذه اللحظة تبنّي استراتيجية تدفع نحو تقاسم فعلي للأعباء، بما يوسع حضورها ويعزز نفوذها المؤسسي تحت مظلة المسؤولية المشتركة. ويتطلب ذلك تحركًا فوريًا للمطالبة بإطار أمني رسمي ومشترك يمنحها تمثيلًا مؤسسيًا ودورًا تشغيليًا يتناسبان مع حجم مصالحها. وينبغي أن يشمل هذا الإطار آليات لتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتقييم المشترك للتهديدات، وتنسيق الدوريات، إلى جانب مبادرات بناء القدرات.
يستمد هذا المطلب مشروعيته من عدم التكافؤ في حجم المخاطر التي يواجهها الطرفان. فبينما تتحمل جيبوتي مخاطر تشغيلية واقتصادية، يهدد أي اضطراب طويل الأمد بقاء الدولة الإثيوبية واستقرارها. لذلك، لا يتعلق الأمر بطلب منّة أو مساعدة، بل بمطالبة تستند إلى مبدأ تناسب المسؤولية مع حجم المخاطر والمصالح.
لا يتعلق الأمر بطلب منّة أو مساعدة، بل بمطالبة تستند إلى مبدأ تناسب المسؤولية مع حجم المخاطر والمصالح
تزداد الحاجة إلى التحرك لأن خطط إثيوبيا لتنويع منافذها البحرية ما زالت متأخرة بسنوات عن المستوى المطلوب. ولا تستطيع أديس أبابا انتظار وصول المسارات البديلة إلى طاقتها التشغيلية قبل معالجة أمن شريانها التجاري الرئيسي. ومن هنا، تبدو لغة المسؤولية المشتركة غطاءً مؤقتًا لواقع أكثر صرامة؛ إذ ستشهد المرحلة المقبلة من العلاقة مساومات أشد حدة بشأن من يتحمل الكلفة، ومن يملك القرار، ومن يتولى قيادة المنظومة الأمنية عند الممر الذي يتوقف عليه بقاء إثيوبيا.
في المحصلة، تجمع هذه اللحظة بين تأكيد واقع لم يعد ممكنًا تجاهله وفرصة ينبغي اغتنامها. فالوضع القائم يتعرض بالفعل لضغوط ناجمة عن تهديدات متعددة، تشمل الهجمات غير المتماثلة، وهشاشة الكابلات البحرية، واستمرار خطر القرصنة، وتنافس القوى الكبرى على النفوذ. وفي الوقت نفسه، فتحت دعوة جيبوتي إلى أبرز مستخدمي الممر نافذة لإعادة صياغة الترتيبات الأمنية القائمة.
لذلك، لا يمكن لإثيوبيا أن تتعامل مع هذه التطورات إلا باعتبارها منعطفًا جوهريًا. فالجغرافيا ما زالت تفرض أحكامها، لكن قواعد إدارة هذه الجغرافيا ليست مقررة سلفًا. والترتيب القديم يقترب من نهايته، فيما سيتطلب الترتيب الجديد من إثيوبيا أن تحدد بنفسها موقعها ودورها في تأمين مستقبلها.