السبت 6 ديسمبر 2025
تتجهّد ولاية في شمال شرقي الصومال في حربٍ مفتوحة ضد تنظيم "داعش" منذ نحو 11 شهراً، في معركة تستنزف قواتها ومواردها المالية، رغم الدعم المتزايد من القوات الخاصة الأميركية، بينما تعود القرصنة البحرية إلى الواجهة قبالة سواحل الولاية، في ظل اتهامات للرئيس سعيد عبد الله دني بتغليب حساباته الانتخابية على تمويل الجهد الحربي.
بحسب تقرير نشرته دورية Africa Confidential، تحوّلت الحملة التي تقودها سلطات بونتلاند ضد فرع تنظيم "داعش" – المعروف باسم "ولاية الصومال" – إلى "حرب استنزاف"، على الرغم من استعادة عدد من القواعد الجبلية خلال العملية التي أطلقت أواخر 2024 في جبال عَلْ مِسكات بمنطقة بَري. ومع ذلك، لا يزال التنظيم قادراً على تنفيذ كمائن وهجمات إرهابية متفرقة، في منافسة مباشرة مع حركة "الشباب" المرتبطة بالقاعدة في شمال البلاد.
الهجوم البري الواسع، المعروف باسم عملية "هِلَاع" (البرق)، جاء رداً على هجوم كبير بسيارة مفخخة استهدف قوات بونتلاند في ديسمبر/كانون الأول 2024، وأوقع عشرات القتلى، لتعلن السلطات بعدها بدء حملة "لتصفية" الجيوب المتبقية للتنظيم في الجبال المطلة على خليج عدن. تقارير أممية وأوروبية تشير إلى أن العملية أضعفت قدرة "داعش – الصومال" على السيطرة على بلدات وممرات رئيسية، لكنها لم تنهِ وجوده تمامًا.
في الأثناء، صعّدت الولايات المتحدة حضورها العسكري في شمال الصومال. فقد نفّذ الجيش الأميركي ضربات جوية عدة هذا العام ضد أهداف للتنظيم في جبال غوليس وعل مِسكات، بينها ضربات في مطلع فبراير/شباط استهدفت مخابئ وكهوف يُعتقد أنها تؤوي قيادات بارزة، وفق ما أوردته وكالات أنباء وتقارير متخصصة. كما أعلن "أفريكوم" في نوفمبر/تشرين الثاني تنفيذ غارات متتالية على مواقع لـ"داعش – الصومال" بالتنسيق مع الحكومة الفيدرالية في مقديشو.
لكن خلف خطوط الجبهة، تتصاعد المؤشرات على أزمة تمويل تضرب ماكينة الحرب في بونتلاند. فالرئيس سعيد دني متَّهم داخلياً بتقديم حملته الانتخابية وحساباته السياسية على دفع رواتب الجنود وتمويل العمليات، في ظل شكاوى متكررة من قوات تقاتل في الجبال حول تأخر مستحقاتها. تقارير محلية سابقة تحدّثت عن احتجاجات لعسكريين سدّوا طرقاً ومنافذ تجارية في بوصاصو، متهمين حكومة الولاية بسوء إدارة أموال الضرائب المخصصة للقوات.
التوتر لا يقتصر على العلاقة بين الجنود والقيادة المحلية؛ فالعلاقة مع الحكومة الفيدرالية في مقديشو بدورها متوترة. ففي يناير/كانون الثاني الماضي، اتهم نائب رئيس بونتلاند، إلياس عثمان لغتوور، حكومة الرئيس حسن شيخ محمود بـ"إفشال" إجلاء الجرحى من جبهات القتال ضد "داعش"، وبحجب نصيب الولاية من المساعدات الدولية المخصَّصة لمكافحة الإرهاب، معتبراً أن بونتلاند تتحمل العبء الأكبر في الحرب من دون دعم فدرالي كافٍ.
وفي البحر، تتقاطع هذه الأزمات مع عودة لافتة لنشاط القرصنة قبالة سواحل بونتلاند. تقرير أعدّته شركة "سولِس غلوبال" للمخاطر يشير إلى أن القرصنة الصومالية عادت إلى الواجهة منذ أواخر 2023، مع تسجيل أول عملية نجاح لسطو على سفينة تجارية منذ 2017، تلتها في مارس/آذار 2024 عملية خطف لناقلة على بُعد نحو 600 ميل بحري من سواحل بونتلاند للمطالبة بفدية قدرها 5 ملايين دولار. ويعزى هذه العودة إلى تراجع دوريات مكافحة القرصنة، وانشغال القوى البحرية الإقليمية والدولية بالتصدي لهجمات الحوثيين في البحر الأحمر، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية على مجتمعات الصيد المحلية.
إلا أن الجزء الأكبر من عمليات القرصنة ينطلق من سواحل بونتلاند، حيث تتداخل ندرة الفرص الاقتصادية مع انشغال قوات الأمن بمواجهة كل من داعش والشباب، إضافة إلى الخلافات السياسية والمالية مع مقديشو، ما يحدّ من قدرة سلطات الولاية على فرض سيادة قانون حقيقية على المياه الساحلية.
ويرى محللون أن تراكم هذه العوامل تهدد بتحويل تجربة بونتلاند، التي كانت تُقدَّم سابقاً كنموذج نسبي للاستقرار في الصومال، إلى ساحة أخرى للصراعات الطويلة الأمد. وفي الوقت الذي يعلن فيه المسؤولون عن اعتقال قادة بارزين من التنظيم واستعادة جزء كبير من أراضيه، تبدو نهاية الحرب بعيدة، ما لم يُعالَج ملف التمويل والحوكمة والاقتصاد بالتوازي مع المواجهة العسكرية.