الأربعاء 12 أغسطس 2026
على مدى عقود من الصراع حول النفوذ، والتوازنات الداخلية، وطبيعة نظام الحكم في البلاد، شهدت العلاقة بين الحكومة الفيدرالية وولاية بونتلاند، خلال الفترة الأخيرة، تطورات متسارعة ولافتة اتسمت بتغيّر قواعد المواجهة بين الطرفين، نتيجة انتقال مقديشو من سياسة الاحتواء وضبط النفس التي اتبعتها في تعاملها مع الولاية طوال العقدين الماضيين، إلى نهج يقوم على المبادرة والتدخل في شؤونها الداخلية، عبر خلق ولاءات سياسية وعسكرية وقبلية موالية لها، في تحول في طبيعة إدارتها للخلاف مع بونتلاند.
رافق هذا التحول، الذي أثار تساؤلات بشأن أبعاده السياسية وانعكاساته على توازنات السلطة ومستقبل النظام الفيدرالي في البلاد، تصاعد الخطاب المناوئ للحكومة الفيدرالية في الولاية، وارتفاع الأصوات المطالبة بالانتقال من وضع الحكم الذاتي القائم إلى صيغة حكم تتمتع بصلاحيات أوسع في إطار نظام كونفدرالي، أو استعادة السيادة الكاملة عبر الانفصال عن الدولة الفيدرالية.
الصراع بين الطرفين ليس حديث العهد، بل يعود إلى طبيعة نشأتهما؛ إذ سبقت بونتلاند، التي تأسست عام 1998، قيام نظام الحكم الفيدرالي الحالي الذي تأسس عام 2004، وهو ما أفرز إشكالية قانونية وهيكلية تتمثل في أن الولاية نشأت قبل السلطة الاتحادية التي يُفترض، أن تستمد منها الولايات شرعيتها، حيث تُنشأ السلطة الاتحادية أولًا بوصفها الإطار الدستوري الناظم للعلاقة بين المركز والوحدات الفيدرالية، ثم تُنشأ الوحدات الفيدرالية أو يُعاد تنظيمها ضمن ذلك الإطار الدستوري.
مع هذه الإشكالية، تبنّت قادة بونتلاند، على مدى العقدين الماضيين، سياسات هدفت إلى ترسيخ نفوذ الولاية في عملية صنع القرار على المستوى الاتحادي، عبر التأثير في رسم السياسات العامة وتحديد شكل نظام الحكم، والدفاع عن توسيع صلاحيات الولايات وضمان حصة أكبر لها في الموارد والسلطة، مما أفضى إلى نشوء أزمة مزمنة مع الحكومات الفيدرالية المتعاقبة، التي تباينت مقارباتها بين استيعاب مطالب الولاية من خلال تقديم تنازلات سياسية، وبين السعي إلى تقليص نفوذها وتعزيز سلطة الحكومة الاتحادية.
في ظل هذه الأجواء التي اتسمت بالشد والجذب، استمر الصراع بين الطرفين حتى وصول القيادة الحالية، ممثلة بالرئيس حسن شيخ محمود ورئيس ولاية بونتلاند سعيد عبد الله دني، اللذين كان يُنظر إلى العلاقة بينهما على أنها وثيقة، وهو ما تجلّى في دعم دني لحسن شيخ محمود خلال الجولة الأخيرة من التصويت في الانتخابات الرئاسية عام 2022، في ظل حديث عن تفاهمات غير معلنة تتعلق بتعيين دني منصب رئيس الوزراء. غير أن هذه العلاقة سرعان ما تدهورت بعد اختيار الرئيس حسن شيخ محمود، السيد حمزة عبدي بري رئيسًا للوزراء، وهو ما شكّل نقطة تحول أسهمت في اتساع هوة الخلاف بين الرجلين، ودفع العلاقة بين الحكومة الفيدرالية وبونتلاند إلى مرحلة جديدة من التصعيد.
انتقال مقديشو من سياسة الاحتواء وضبط النفس التي اتبعتها في تعاملها مع الولاية طوال العقدين الماضيين، إلى نهج يقوم على المبادرة والتدخل في شؤونها الداخلية، عبر خلق ولاءات سياسية وعسكرية وقبلية موالية لها، في تحول في طبيعة إدارتها للخلاف مع بونتلاند
بعد ذلك، توالت محطات المواجهة بين الطرفين، إذ دعمت حكومة الرئيس حسن شيخ محمود، خلال الانتخابات الرئاسية في بونتلاند عام 2024، شخصيات منافسة لسعيد عبد الله دني، في محاولة لإحداث تغيير في قيادة الولاية، لكن الأخير تمكن من الاحتفاظ بمنصبه بعد فوزه بولاية رئاسية ثانية، مما عزز موقعه السياسي، ودفعه إلى المضي في تصعيد مواقفه تجاه الحكومة الفيدرالية، بدءا من تعليق التعاون معها، مرورا بإعلان سحب الاعتراف بشرعيتها، وصولا إلى التقارب والتحالف مع قوى المعارضة في مقديشو، التي خاضت مؤخرا في مواجهات مسلحة مع القوات الحكومية.
مقابل هذا التصعيد، اتجهت مقديشو إلى تبني نهج مماثل، فنقلت المواجهة إلى داخل بونتلاند عبر استقطاب شخصيات وقوى قبلية وسياسية وعسكرية من الولاية، واحتضان شخصيات معارضة لقيادة سعيد عبد الله دني في مقديشو، وتشجيع انشقاق وحدات من قوات الولاية، قبل أن تعمل على دمج عددٍ منها في صفوف الجيش الفيدرالي، مع تولي الحكومة الاتحادية صرف رواتب أفرادها.
في ضوء ما سبق، يتضح أن الأزمة بين الجانبين لا ترتبط بعامل واحد أو بمرحلة زمنية محددة، بل تعكس صراعًا بنيويًا ممتدًا منذ نشأة النظام الفيدرالي في البلاد، حيث يرى منتقدو بونتلاند أنها فرضت نموذج الفيدرالية بدعم من أطراف إقليمية على البلاد، وهو ما تسبب في استمرار حالة ضعف الدولة خلال العقود الماضية، وأعاق بناء مؤسسات قوية وقادرة على إدارة شؤون البلاد وفرض سلطة مركزية فعالة.
وبالنظر إلى الصراع الممتد على امتداد عمر الطرفين، تبرز تساؤلات جوهرية حول طبيعة الخلاف بينهما، ورؤية كل طرف لشكل العلاقة التي ينبغي أن تربطه بالآخر، ومدى استناد مواقفهما إلى الأطر الدستورية والقانونية، إذ إن الإجابة عن هذه التساؤلات تُسهم في تفسير جذور الصراع، وفهم العوامل التي أسهمت في استمراره.
للإجابة عن هذه التساؤلات، يمكن تصنيف الخلافات بين الطرفين إلى مستويين: خلافات بنيوية ثابتة، وأخرى مرحلية تتغير بتغير القيادات والظروف السياسية. وتتمحور الخلافات البنيوية حول طبيعة النظام الفيدرالي في البلاد، وحدود صلاحيات كل من الحكومة الفيدرالية والولايات، وآليات تطبيق الدستور، وتوزيع الاختصاصات بين مستويات الحكم، وتقاسم الموارد والثروات العامة، بينما تتصل القضايا المرحلية، بالاستحقاقات الانتخابية، والتنافس على السلطة، وإدارة التحالفات السياسية، وغيرها من الملفات المرتبطة بالمتغيرات السياسية.
غياب حوار جاد ومنصف قادر على معالجة القضايا الجوهرية، وفي مقدمتها طبيعة النظام الفيدرالي، وآليات تقاسم الصلاحيات، وحدود اختصاصات كل طرف، يجعل الأزمة قابلة للتجدد مهما تغيرت القيادات والتحالفات
فيما يتعلق بالقضايا البنيوية، يمنح الدستور الفيدرالي، حتى في نسخته الصادرة عام 2012 التي تعلن بونتلاند اعتمادها، الحكومة الفيدرالية اختصاصات سيادية في مجالات الدفاع، والسياسة الخارجية، والجنسية، والعملة، فيما تُمارس بقية الاختصاصات إما بصورة مشتركة بين الحكومة الفيدرالية والولايات، أو تُترك للولايات وفقًا لأحكام الدستور. غير أن بونتلاند تتبنى تفسيرًا يمنحها هامشًا أوسع في ممارسة صلاحياتها؛ إذ تعترض على ممارسة الحكومة الفيدرالية بعض اختصاصاتها داخل مناطقها، بما في ذلك انتشار قوات الجيش الفيدرالي، وإنشاء المعسكرات العسكرية، وعمل المؤسسات الاتحادية المختصة بإصدار وثائق الهوية، فضلًا عن إدارتها علاقاتها الخارجية خارج إشراف المؤسسات الفيدرالية المعنية.
في هذا التباين في تفسير الدستور، وعدم التزام الولاية، من وجهة نظر الحكومة الفيدرالية، بحدود صلاحياتها، يكمن جوهر الخلاف بين الطرفين، وهو ما انعكس على استمرار الأزمة عبر الحكومات المتعاقبة، رغم اختلاف القيادات وتبدل التحالفات السياسية. ويبدو أن تجاوز هذا الخلاف يتطلب اقتناع قيادة الولاية بضرورة مراجعة نهجها في التعامل مع الحكومة الفيدرالية، والتخلي عن السعي إلى الحصول على امتيازات تتجاوز ما تتمتع به بقية الولايات، إلى جانب إعادة النظر في القوانين والترتيبات التي تشكلت خلال المراحل السابقة في ظل نفوذها السياسي.
مع تسارع خطوات الردع المتبادل، واستخدام كل طرف للأوراق والحسابات التي يراهن عليها لترجيح كفته وإضعاف خصمه، تجدر الإشارة، قبل استعراض هذه الأوراق، إلى أن أولويات الطرفين في المرحلة الراهنة تنصب على القضايا الآنية، وفي مقدمتها إضعاف الخصم أو إقصاؤه من معادلة الانتخابات المقبلة، أكثر من انشغالها بمعالجة القضايا البنيوية المتعلقة بإصلاح العلاقة المستقبلية بين الجانبين.
في هذا السياق، تراهن القيادة الفيدرالية على توسيع نفوذها داخل بونتلاند عبر استقطاب ولاءات سياسية وعشائرية وأمنية، ليس بهدف إضعاف سلطة الولاية داخليًا فحسب، وإنما أيضًا للحد من قدرتها على التأثير في الانتخابات الفيدرالية المقبلة، سواء فيما يتعلق بالمقاعد البرلمانية المنحدرة من مناطقها، أو بالدور الذي يمكن أن تضطلع به في إدارة ورسم آليات العملية الانتخابية، التي لا تزال محل خلاف بين الأطراف السياسية.
الولاية نشأت قبل السلطة الاتحادية التي يُفترض، أن تستمد منها الولايات شرعيتها، حيث تُنشأ السلطة الاتحادية أولًا بوصفها الإطار الدستوري الناظم للعلاقة بين المركز والوحدات الفيدرالية، ثم تُنشأ الوحدات الفيدرالية أو يُعاد تنظيمها ضمن ذلك الإطار الدستوري
مع ذلك، تستخدم مقديشو ورقة دعم ولاية شمال شرق الصومال، التي أسستها العام الماضي في مناطق تدّعي بونتلاند أنها تقع ضمن حدودها الإدارية، حيث ترى في هذه الإدارة قاعدة جغرافية أقرب إلى بونتلاند، بما يتيح لها تقديم الدعم السياسي واللوجستي للقوى المناوئة لقيادة الولاية، ويزيد من الضغوط الواقعة عليها ويحدّ من هامش حركتها السياسية.
بناءً على هذه الحسابات، تراهن مقديشو على أن تعدد أدوات الضغط سيضع قيادة بونتلاند في موقع دفاعي، ويدفعها إلى تركيز جهودها على احتواء التحديات الداخلية، بما يقلص قدرتها على التأثير في المشهد السياسي الفيدرالي، ولا سيما في ملف الانتخابات، مستندةً في ذلك إلى شبكة الولاءات السياسية والعشائرية التي عملت على بنائها داخل الولاية خلال الفترة الماضية.
في المقابل، تعتمد بونتلاند خطوات ردع مضادة تتحرك عبر أكثر من مسار؛ فمن ناحية تسعى إلى الحد من محاولات الحكومة الفيدرالية توسيع نفوذها داخل الولاية، من خلال حشد الرأي العام المحلي ضدها والترويج بأن سياسات مقديشو تستهدف تدمير الولاية وتقويض النظام الفيدرالي برمته. ومن ناحية أخرى، تتبنى سياسة المعاملة بالمثل عبر تعزيز التنسيق مع قوى المعارضة في مقديشو، وبالتعاون مع ولاية جوبالاند، بهدف الدفع نحو آلية انتخابية لا تمنح الرئيس حسن شيخ محمود فرصة البقاء في السلطة، سواء عبر الفوز بولاية رئاسية جديدة أو من خلال أي ترتيبات قد تُفضي إلى تمديد بقائه.
ولا يقتصر تحرك بونتلاند على ذلك، بل يمتد إلى توسيع شبكة علاقاتها مع الأطراف المناوئة لمقديشو، بما في ذلك إدارة صوماليلاند، التي شهدت العلاقات معها تطورًا ملحوظًا خلال الأشهر الماضية، فضلًا عن تعزيز علاقاتها مع أطراف خارجية تتسم علاقاتها مع الحكومة الفيدرالية بالتوتر. ويأتي هذا التحرك في سياق التنافس الجيوسياسي بين مختلف المحاور المنخرطة في الشأن الصومالي، وما يترتب عليه من توظيف الدعم المقدم للأطراف المحلية ضمن حسابات النفوذ الإقليمي.
مع سعي كل طرف إلى إقصاء خصمه، وشخصنة الصراع عبر اختزاله في القيادات الحالية وحساباتها الآنية، واعتقاد كل منهما أن حسم المواجهة لا يتحقق إلا بإضعاف الطرف الآخر، بدلًا من التعامل معه بوصفه خلافًا مؤسسيًا يحتاج إلى معالجات سياسية ودستورية، يبقى الصراع مفتوحًا على مزيد من التصعيد. فغياب حوار جاد ومنصف قادر على معالجة القضايا الجوهرية، وفي مقدمتها طبيعة النظام الفيدرالي، وآليات تقاسم الصلاحيات، وحدود اختصاصات كل طرف، يجعل الأزمة قابلة للتجدد مهما تغيرت القيادات والتحالفات.