الأربعاء 12 أغسطس 2026
تحذر دوائر دبلوماسية غربية ومراكز أبحاث متخصصة في شؤون القرن الأفريقي من أن الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) تمر بأعمق أزمة مؤسسية منذ تأسيسها عام 1986، في ظل انتقال متزايد لملفات التسوية الإقليمية الرئيسية من الأطر متعددة الأطراف إلى مسارات تفاوضية مصغرة تقودها دول إقليمية ودولية خارج البنية التقليدية للمنظمة.
تشير تقديرات دبلوماسية متداولة في أديس أبابا ونيروبي إلى أن إيغاد، التي لعبت لعقود دور الوسيط الرئيسي في النزاعات الإقليمية، أصبحت تواجه تحدياً غير مسبوق يتمثل في تراجع قدرتها على احتكار الوساطة السياسية والأمنية في منطقة القرن الأفريقي، في وقت تشهد فيه المنطقة أكبر عدد من الأزمات المتزامنة منذ نهاية الحرب الباردة. وتربط هذه التقديرات بين هذا التراجع وبين صعود ما بات يعرف في الأدبيات الدبلوماسية بـ"الدبلوماسية المصغرة" (Minilateral Diplomacy)، التي تعتمد على تحالفات ومجموعات محدودة من الدول الفاعلة بدلاً من المؤسسات الإقليمية الواسعة.
يرى دبلوماسيون ومراقبون أن الحرب السودانية، التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023، شكلت نقطة التحول الأبرز في مسار تراجع إيغاد. فعلى الرغم من إعلان المنظمة منذ الأيام الأولى للحرب أنها ستقود جهود الوساطة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، إلا أن المبادرات الرئيسية انتقلت تدريجيا إلى مسارات أخرى، شملت منبر جدة الذي رعته السعودية والولايات المتحدة، والاجتماعات الرباعية التي ضمت الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، فضلاً عن المبادرات التي قادها الاتحاد الأفريقي بصورة منفصلة. وقد أدى الانقسام داخل إيغاد نفسها بشأن إدارة الأزمة السودانية، خاصة بعد اعتراض الحكومة السودانية على بعض مواقف المنظمة، إلى إضعاف قدرتها على فرض نفسها كمنصة تفاوضية رئيسية، وهو ما دفع عدداً من الشركاء الدوليين إلى البحث عن أطر بديلة وأكثر مرونة.
لا يقتصر هذا التحول على السودان وحده، إذ يشير محللون إلى أن الملف الصومالي شهد بدوره انتقالاً تدريجياً من الأطر الإقليمية التقليدية إلى ترتيبات ثنائية ومتعددة محدودة الأطراف. فقد أصبحت ملفات الأمن البحري، ومكافحة الإرهاب، وبناء المؤسسات الأمنية الصومالية، تدار بصورة متزايدة عبر شراكات مباشرة بين الحكومة الصومالية ودول مثل تركيا، والإمارات، والولايات المتحدة، وقطر، بينما تراجع الدور التنسيقي التقليدي الذي كانت تلعبه إيغاد. كما أن الأزمة التي نشأت بين الصومال وإثيوبيا بعد توقيع مذكرة التفاهم الإثيوبية مع أرض الصومال أظهرت حدود قدرة المنظمة على إدارة النزاعات بين أعضائها، حيث انتقلت جهود الوساطة الرئيسية إلى تركيا وشركاء دوليين آخرين.
يعزو خبراء هذا التراجع إلى مجموعة من العوامل البنيوية، أبرزها تضارب المصالح بين الدول الأعضاء، واعتماد المنظمة مالياً على المانحين الدوليين، وغياب آليات تنفيذية فعالة تضمن الالتزام بقراراتها. كما أن التحولات الجيوسياسية التي شهدها القرن الأفريقي خلال العقد الأخير، بما في ذلك صعود دور دول الخليج، وزيادة الانخراط التركي والصيني، وعودة الاهتمام الأمريكي والأوروبي بالبحر الأحمر، أدت إلى ظهور قنوات جديدة للتفاوض والوساطة تتجاوز المؤسسات الإقليمية التقليدية. وفي هذا السياق، باتت القوى الدولية تفضل في كثير من الأحيان التعامل مع مجموعات صغيرة من الفاعلين الإقليميين القادرين على اتخاذ قرارات سريعة، بدلاً من الاعتماد على مؤسسات متعددة الأطراف تتطلب توافقات معقدة وبطيئة.
يحذر باحثون في شؤون القرن الأفريقي من أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى إعادة تشكيل النظام الإقليمي نفسه، بحيث تنتقل المنطقة من نموذج "الإقليمية المؤسسية"، الذي ساد منذ تسعينيات القرن الماضي، إلى نموذج "الإقليمية التنافسية"، القائم على تحالفات مرنة ومؤقتة تتغير وفقاً للمصالح الأمنية والجيوسياسية للدول الفاعلة. ويشير هؤلاء إلى أن هذا التحول قد يمنح بعض الدول الكبرى في المنطقة مرونة أكبر في إدارة الأزمات، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى زيادة الاستقطاب الإقليمي وإضعاف الأطر الجماعية اللازمة لمعالجة القضايا العابرة للحدود، مثل النزاعات المسلحة، والهجرة، والأمن الغذائي، والتغير المناخي.
ورغم هذه التحديات، لا يزال بعض الدبلوماسيين الأفارقة يرون أن إيغاد تحتفظ بأهمية سياسية ورمزية لا يمكن تجاهلها، خاصة باعتبارها المؤسسة الإقليمية الوحيدة التي تضم جميع دول القرن الأفريقي الكبرى تقريباً. غير أن مستقبل المنظمة، وفقاً لهذه التقديرات، سيعتمد على قدرتها على إعادة تعريف دورها في بيئة إقليمية ودولية تتسم بتزايد المنافسة بين القوى الإقليمية والدولية، وبروز أنماط جديدة من الوساطة والتحالفات. وفي حال فشلت إيغاد في التكيف مع هذه التحولات، فإن القرن الأفريقي قد يشهد خلال السنوات المقبلة انتقالاً تاريخياً من نظام إقليمي قائم على المؤسسات إلى نظام تحكمه بصورة متزايدة التفاهمات الثنائية والتحالفات المؤقتة.