الجمعة 15 مايو 2026
في تطور أربك الحسابات السياسية للرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، وشكّل إضافة لتحدٍ جديد إلى الأزمة المتصاعدة التي يواجهها والمتعلقة بالانتخابات والتعديلات الدستورية في البلاد، أعلنت ولاية جنوب الغرب، في 17 مارس/ آذار الجاري، قطع علاقتها مع الحكومة الفيدرالية وتعليق كافة أشكال التعاون معها والرفض على التعديلات الدستورية، متهمةً إياها بالعمل على تقويض النظام في الولاية ووحدة سكانها.
اتسمت العلاقة بين الطرفين خلال السنوات الماضية بالشكوك والهشاشة، نتيجة غياب الثقة المتبادلة وترقب كل طرف للحظة مناسبة لإعادة ترتيب علاقته مع الآخر، في ظل سعي الرئيس حسن شيخ محمود لدعم أحد المقربين منه للوصول إلى رئاسة الولاية في حال إجراء الانتخابات، مقابل مساعي لفتاغرين لتجديد ولايته والبقاء في موقعه، ما خلق تناقضًا في المصالح بينهما، رغم نجاح الطرفين في إدارة هذا التباين والشكوك لفترة قبل ظهور انفجار الأزمة إلى العلن.
لم تمضِ ساعات على إعلان القرار، حتى سارع الطرفان إلى استنفار قدراتهما لحسم خياراتهما على الأرض بالقوة، في تصعيد متبادل ومتسارع، إذ شرع لفتاغرين في حشد إمكانياته العسكرية والسياسية، عبر تعبئة قوات الولاية وتخريج دفعات جديدة من العناصر التي أنهت تدريباتها، بالتوازي مع تحركات سياسية شملت لقاءات مع وجهاء العشائر والسياسيين الموالين له، بهدف تسريع إجراء انتخابات الولاية، قبل أن يعلن لاحقًا تشكيل اللجنة الانتخابية التي باشرت مهامها فعليًا.
في المقابل، تحركت الحكومة الفيدرالية، مستعينة برئيس مجلس الشعب شيخ آدم محمد نور (مدوبي) وبعدد من الوزراء المنحدرين من الولاية، نحو استقطاب الإدارات المحلية في المدن والمناطق خارج بيدوا، عبر إرسال وفود تضم وزراء وسياسيين وقوات إلى تلك المناطق، في مسعى لتطويق المدينة والضغط على لفتاغرين، إما لدفعه إلى التفاوض أو تمهيدًا للدخول إليها بالقوة. ولم يتوقف هذا التحرك عند هذا الحد، إذ أعلنت الحكومة انتهاء الولاية القانونية لحكومة الولاية، وتكليف الإدارات المحلية على مستوى المحافظات والمديريات بتولي مهام إدارة الولاية مؤقتًا، بإشراف وزارة الداخلية والشؤون الفيدرالية والمصالحة.
ومع تسارع وتيرة السباق بين الطرفين لفرض وقائعهما على الأرض، بدا أن الحكومة الفيدرالية حققت بعض المكاسب الميدانية، عقب إعلان إدارات محلية في مدن حدر وواجد ودينسور وبورهكبى وبراوة ولاءها لها. غير أن هذه المكاسب لا تعني اقتراب الحسم، في ظل استمرار خروج مدينة بيدوا عن سيطرتها، ما يجعل الحديث عن ترجيح كفة المعركة لصالحها في الوقت الراهن سابقًا لأوانه.
مهدت لانفجار الأزمة بين الطرفين جملة من التطورات المتزامنة، بدءًا بانهيار المحادثات بين الرئيس حسن شيخ محمود ومجلس مستقبل الصومال المعارض، التي كانت تُعلّق عليها آمال للتوصل إلى تسوية بشأن آلية الانتخابات، مرورًا بالاشتباكات العنيفة التي شهدتها مدينة بيدوا مطلع فبراير الماضي بين شرطة الولاية ومليشيات موالية لأحد وزراء الحكومة الفيدرالية، وانتهت بهزيمتها وإخراجها من المدينة، وصولًا إلى إقرار التعديلات الدستورية، وما تبعها من مطالبة الرئيس لفتاغرين بإصدار بيان تأييد رسمي لها.
أفضت هذه التطورات مجتمعة إلى تفجر الأزمة وخروجها إلى العلن، بعدما رفض لفتاغرين إصدار بيان التأييد، مشترطًا في المقابل إقالة وزراء محسوبين على الرئيس، من بينهم الوزير المرتبط بمليشيات تورطت في اضطرابات بيدوا، وآخر يُنظر إليه كمرشح مدعوم من الرئاسة لقيادة الولاية.
يتحول الصراع إلى معركة مصيرية، خصوصًا بالنسبة للرئيس محمود، الذي باتت مشاريعه السياسية مرهونة بنتيجتها؛ فالهزيمة تعني خسارة مشروعه الدستوري وخطته الانتخابية، والتراجع إلى موقع أقرب للاستسلام السياسي
ورغم رفض الرئيس لهذه الشروط، فإنه تجنب في البداية خيار التصعيد المباشر، وسعى إلى احتواء الأزمة عبر وساطات كُلِّفت بها شخصيات وجهات متعددة، غير أنها لم تُفضِ إلى نتائج ملموسة، في ظل تآكل الثقة بين الطرفين، وإصرار لفتاغرين على المضي في خيار المواجهة ما لم تُلبَّ مطالبه.
بهذا الموقف، بدا أن لفتاغرين أدرك أن اللحظة مواتية للانفصال عن معسكر الرئيس، مستفيدًا من تراجع هامش قوته مع اقتراب نهاية ولايته، والضغوط التي يواجهها من مجلس مستقبل الصومال المعارض، وهو ما اعتبره فرصة للذهاب إلى مسار انتخابي يضمن له البقاء في السلطة.
وفي الخلفية، ظلت العلاقة بين الجانبين محكومة بالحذر والشكوك منذ تولي الرئيس حسن شيخ محمود السلطة عام 2022، رغم استمرار التعاون بينهما على مختلف المستويات السياسية والأمنية، وهو ما أتاح لفتاغرين البقاء في الحكم ضمن ترتيبات سعى من خلالها الرئيس إلى توحيد الانتخابات الفيدرالية والولائية وفق نموذج "صوت واحد لكل شخص".
غير أن هذا التعاون لم يُخفِ هشاشة التفاهم بين الطرفين، بفعل تباين رؤيتهما لمستقبل قيادة الولاية، خاصة في ظل قناعة لفتاغرين بأن الرئيس يدعم أحد أبرز خصومه في الانتخابات المقبلة، ما شكل تهديدًا مباشرًا لموقعه السياسي، ودفعه إلى ترقب اللحظة المناسبة لإعادة صياغة علاقته مع الرئاسة.
عمومًا، يكشف هذا المأزق أنه يتجاوز كونه خلافًا سياسيًا عابرًا، ليتحول إلى صراع وجودي على السلطة، حيث يسعى كل طرف إلى ترسيخ موقعه على حساب الآخر. فبقاء لفتاغرين في الحكم يعني عمليًا تعطيل مشروع الرئيس الانتخابي، في حين أن إقصاءه يعزز نفوذ الرئاسة ويدعم رؤيتها، ما يجعل المشهد أقرب إلى معادلة صفرية، يكون فيها فوز أحد الطرفين مرهونًا بخسارة الآخر.
في ظل الأزمات شبه المزمنة التي يشهدها المشهد الصومالي، والتي نادرًا ما يغيب عنها العامل الخارجي، ولا سيما دور دول الجوار، تبرز إثيوبيا كفاعل رئيسي في النزاعات بين الحكومة الفيدرالية والولايات الإقليمية. وفي الأزمة الراهنة، تطرح طبيعة دورها تساؤلات مشروعة، خاصة في ظل ما تتمتع به من نفوذ واسع وعلاقات متينة مع ولاية جنوب الغرب، إلى جانب وجود قوات لها في مدينة بيدوا.
في هذا السياق، لم تعد إثيوبيا طرفًا متفرجًا، بل بدت أقرب إلى دعم عبد العزيز لفتاغرين في مواجهة مقديشو. وقد تجلّى ذلك عمليًا في تسهيل وصوله إلى بيدوا في بداية الأزمة، بعدما حاولت الحكومة الفيدرالية منعه من العودة عقب أدائه مناسك العمرة، ما دفعه إلى تغيير مساره وتجنب المرور عبر مقديشو، متجهًا إلى أديس أبابا، قبل أن يُنقل منها بطائرة عسكرية إلى بيدوا، وفق مصادر مطلعة، في خطوة عكست مستوى التنسيق والدعم الذي حظي به من الجانب الإثيوبي.
في المقابل، لم تكن الحكومة الفيدرالية غافلة عن حجم التأثير الإثيوبي في الولاية، ولا عن صعوبة تجاوزه في حال قررت التدخل لتغيير قيادتها، ما دفعها إلى طرح هذا الملف في عدة مناسبات مع أديس أبابا خلال لقاءات رسمية، كان آخرها لقاء الرئيس حسن شيخ محمود برئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في جيبوتي. غير أن المعطيات الميدانية أظهرت أن الموقف الإثيوبي الداعم لفتاغرين لم يتأثر بهذه المساعي، وأن أديس أبابا ماضية في ترسيخ هذا الدعم.
بقاء لفتاغرين في الحكم يعني عمليًا تعطيل مشروع الرئيس الانتخابي، في حين أن إقصاءه يعزز نفوذ الرئاسة ويدعم رؤيتها، ما يجعل المشهد أقرب إلى معادلة صفرية، يكون فيها فوز أحد الطرفين مرهونًا بخسارة الآخر
في محاولة لخلق تقاطع مع الموقف الإثيوبي وكسب تعاطفها، سعت الولاية إلى إضفاء بُعد إقليمي على الأزمة، عبر اتهام الحكومة الفيدرالية بنقل أسلحة قادمة من مصر إلى داخل الولاية، وتزويد ميليشيات موالية لها بها، معتبرة أن ذلك يستهدف القوات الإثيوبية المتمركزة في بيدوا ويهدد استقرارها، غير أن هذه الادعاءات لم يتم التحقق منها بشكل مستقل.
وليست هذه المرة الأولى التي يُستدعى فيها الدور الإثيوبي لحسم التوازنات في ولاية جنوب الغرب، فقد حدث ذلك في انتخابات عام 2018 التي تولى فيها عبد العزيز لفتاغرين رئاسة الولاية، حيث استخدمت حكومة الرئيس السابق محمد عبد الله فرماجو القوات الإثيوبية للتأثير في مجريات العملية، بدءًا من إجبار رئيس الولاية حينها شريف حسن شيخ آدم على التنحي قبل الانتخابات، مرورًا باعتقال المرشح الأبرز شيخ مختار روبو علي، وصولًا إلى تنصيب لفتاغرين، المرشح المدعوم من الحكومة الفيدرالية.
بذات النهج، حاولت إدارة الرئيس حسن شيخ محمود الحالية إعادة ضبط توازنات الولاية، وإزاحة لفتاغرين بمساعدة إثيوبيا، لكنها واجهت تحديات مختلفة، أبرزها تراجع مستوى الثقة بين قادة البلدين مقارنة بالمرحلة السابقة، فضلًا عن اختلاف وضع لفتاغرين الحالي عن سلفه، إذ نجح خلال سنوات حكمه في بناء علاقات متينة مع إثيوبيا، ما جعله حليفًا تنظر إليه باعتباره عنصرًا مهمًا لنفوذها في الصومال.
تزامنت أزمة ولاية جنوب الغرب مع لحظة فارقة تمر بها إدارة الرئيس حسن شيخ محمود، في ظل تراكم أزمات سياسية متشابكة، ما يجعلها تهديدًا مباشرًا ليس فقط لمشروعه المرتبط بالانتخابات والتعديلات الدستورية، بل أيضًا لطموحه في الاستمرار في الحكم، سواء عبر إعادة انتخابه أو من خلال ترتيبات انتقالية تتيح له تمديدًا مباشرًا أو غير مباشر.
أدرك لفتاغرين أن اللحظة مواتية للانفصال عن معسكر الرئيس، مستفيدًا من تراجع هامش قوته مع اقتراب نهاية ولايته، والضغوط التي يواجهها من مجلس مستقبل الصومال المعارض، وهو ما اعتبره فرصة للذهاب إلى مسار انتخابي يضمن له البقاء في السلطة
بذلك، تتجه مسارات الأزمة نحو سيناريوهين رئيسيين؛ أولهما نجاح عبد العزيز لفتاغرين في الحفاظ على سيطرته على بيدوا والمضي في تنظيم انتخابات وفق آليته الخاصة، وثانيهما تمكن الحكومة الفيدرالية من حسم الموقف، إما عبر تدخل سياسي أو عسكري لفرض واقع جديد، أو من خلال ضغوط تدفعه إلى التنحي تمهيدًا لتنصيب مرشح موالٍ لها. غير أن هذا المسار يظل أقل ترجيحًا، في ظل تعقيدات المشهدين السياسي والقبلي داخل الولاية، رغم كونه يمثل طوق النجاة الأخير لمشروع الرئيس.
وفي حال تحقق السيناريو الأول، وهو الأقرب إلى الواقع، سيجد الرئيس محمود نفسه أمام خسارة سياسية قاسية تقوض قدرته على المناورة وفرض رؤيته، وقد تدفعه إلى الخروج من المشهد بشكل مهين، مقابل صعود خصومه، ليس فقط لفتاغرين، بل أيضًا قوى المعارضة الساعية إلى إسقاط التعديلات الدستورية والدفع نحو صيغة توافقية لإدارة العملية الانتخابية.
ومع تضاؤل هامش المناورة لدى الطرفين، يتحول الصراع إلى معركة مصيرية، خصوصًا بالنسبة للرئيس محمود، الذي باتت مشاريعه السياسية مرهونة بنتيجتها؛ فالهزيمة تعني خسارة مشروعه الدستوري وخطته الانتخابية، والتراجع إلى موقع أقرب للاستسلام السياسي، بينما يمنحه الانتصار - عبر السيطرة على بيدوا وتنصيب حليف له في رئاسة الولاية - فرصة لاستعادة زمام المبادرة والاحتفاظ بأوراق ضغطه.