الأربعاء 12 أغسطس 2026
تشهد بايدوا منذ عدة أشهر واحدة من أخطر الأزمات السياسية والأمنية في النظام الفيدرالي الصومالي، بعد أن تحولت الخلافات بين الحكومة الفيدرالية في مقديشو وإدارة ولاية جنوب غرب الصومال إلى مواجهات عسكرية وانشقاقات داخل الأجهزة الأمنية، ما أثار مخاوف من انزلاق الإقليم إلى صراع مفتوح قد ينعكس على مجمل المشهد السياسي والأمني في البلاد قبل الانتخابات الوطنية المرتقبة.
تطورت الأزمة بصورة لافتة خلال يونيو/حزيران الماضي بعد انشقاق قائد مطار بيدوا، المقدم مصطفى محمد قومال، مع عدد من القوات التابعة له، وانضمامه إلى قوات موالية للرئيس السابق لولاية جنوب غرب الصومال عبد العزيز حسن محمد "لفتاغرين"، الذي دخل في مواجهة سياسية وعسكرية مع الحكومة الفيدرالية منذ إبعاده عن السلطة في مارس الماضي.
تعود جذور الأزمة الحالية إلى الخلافات التي تصاعدت مطلع عام 2026 بين الرئيس الصومالي حسن شيخ وقيادة ولاية جنوب غرب الصومال حول الإصلاحات الدستورية وآليات الانتخابات المقبلة. في مارس/آذار، دفعت الحكومة الفيدرالية بقوات عسكرية إلى بيدوا، بعدما أعلنت إدارة لفتاغرين رفضها بعض الترتيبات السياسية التي تبنتها مقديشو، ما أدى إلى سيطرة القوات الحكومية على المدينة وإجبار لفتاغرين على الاستقالة بعد أسابيع من المواجهة السياسية. وأدت هذه التطورات إلى تعميق الانقسامات داخل الأجهزة الأمنية والإدارية التابعة للولاية، وظهور إدارتين متنافستين تدعيان الشرعية السياسية داخل الإقليم.
منذ ذلك الحين، شهدت المناطق المحيطة ببيدوا سلسلة من التحركات العسكرية والانشقاقات داخل القوات المحلية. وأعلنت مجموعات عسكرية وقبلية عدة انضمامها إلى القوات الموالية للفتاغرين، بينما استمرت الحكومة الفيدرالية في دعم الإدارة الجديدة داخل المدينة. وأفادت تقارير محلية بأن قوات مسلحة إضافية وصلت إلى ضواحي بيدوا خلال مايو ويونيو، في حين سجلت اشتباكات متفرقة بين القوات الموالية للحكومة وتلك التابعة للمعارضة، وسط مخاوف من اتساع نطاق المواجهات.
يكتسب انشقاق قائد مطار بيدوا أهمية خاصة نظرا إلى الموقع الاستراتيجي الذي يشغله المطار في عمليات النقل العسكري والإنساني داخل جنوب غرب الصومال. فقد أعلن المقدم مصطفى محمد قومال، في تسجيل مصور، انضمامه إلى القوات الموالية للفتاغرين، متهماً الحكومة الفيدرالية بمحاولة فرض سيطرة سياسية وعسكرية على الإقليم، ومتعهدًا بمواصلة القتال ضد ما وصفه بـ"التدخلات القادمة من مقديشو". كما أشارت تقارير محلية إلى أن انشقاقه جاء ضمن موجة أوسع من التحولات في الولاءات داخل بعض الوحدات العسكرية والأمنية التابعة للولاية.
يرى مراقبون أن الأزمة في بيدوا تعكس تصاعد التوترات داخل النظام الفيدرالي الصومالي، في وقت تواجه فيه الحكومة المركزية تحديات متزامنة مع ولايات أخرى، أبرزها جوبالاند وبونتلاند. كما يخشى محللون من أن يؤدي استمرار الصراع بين مقديشو والإدارات الإقليمية إلى إضعاف الجهود العسكرية ضد حركة الشباب، وإلى فتح جبهات صراع داخلية جديدة في وقت تسعى فيه الحكومة إلى تنفيذ إصلاحات سياسية ودستورية واسعة النطاق. وقد حذرت مؤسسات بحثية دولية من أن استمرار الخلافات حول الانتخابات وتوزيع السلطات بين المركز والأقاليم قد يدفع البلاد إلى أزمة سياسية وأمنية أعمق خلال الفترة المقبلة.
تشير التطورات الأخيرة إلى أن أزمة جنوب غرب الصومال تجاوزت كونها نزاعاً محلياً حول السلطة، لتتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة الصومالية على إدارة التوازنات الفيدرالية المعقدة التي نشأت بعد عقود من الصراع الأهلي. وفي ظل استمرار الانشقاقات العسكرية، ووجود قوات متنافسة داخل الإقليم، وتزايد التدخلات الإقليمية والدولية في المشهد الصومالي، تبدو بيدوا اليوم واحدة من أكثر النقاط حساسية في القرن الأفريقي، حيث قد تؤثر نتائج الصراع فيها على مستقبل النظام السياسي الصومالي بأكمله.