تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الاثنين 18 مايو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

أزمة السودان والتدخّلات الخارجيّة: عندما تتلاعب المال والسياسة بميزان العدالة؟

19 مايو, 2025
الصورة
أزمة السودان والتدخّلات الخارجيّة
Share

في تطورٍ مفاجئ، يضيف طبقات جديدة من التعقيد على الأزمة العنيفة في السودان منذ منتصف أبريل/نيسان 2023، رفضت محكمة العدل الدوليّة (ICJ) في الخامس من مايو/آيار الجاري، الدعوى القضائيّة التي أقامها السودان ضد دولة الإمارات العربية المتحدة، متهمًا إياها بدعم قوات الدعم السريع لوجستيًا وسياسيًا وعسكريًا. 

جاء هذا القرار ليُشعل موجة غضب ورفض رسميّ وشعبي لدى السودانيين داخله البلاد وخارجها. كما أعاد فتح ملف اتهامات إقليمية متشابكة تشمل دولتيّ كينيا وتشاد، الأمر الذي يشير إلى تصاعد حدة الاستقطاب الجيوسياسي، وتقاطع المصالح والأجندة الخارجية، حول الأزمة الدامية التي دخلت عامها الثالث في البلاد.

الحرب وتداعياتها الكارثيّة

يشهد السودان منذ أكثر من عامين حربًا ضروسًا بين القوات المسلحة السُودانيّة، وقوات الدعم السريع، ولاحقًا تمدّدت أطرافها لتشمل بعض الحركات المسلحة، والقوات المشتركة، ومجموعات قتاليّة أهلية جديدة. تدريجيا، تحولت الحرب إلى واحدة من أشدّ الأزمات الإنسانيّة في العالم، مع نزوح وتشريد ما لا يقل عن 14 مليون شخص داخليًا وخارجيًا، ووفاة آلاف المدنيين وسط معاناة ونقصٍ حادّ في الحصول على الاحتياجات الأساسيّة، لاسيما الغذاء والدواء والرعاية الصحيّة. 

مع مرور الوقت سيطرت قوات الدعم السريع على أجزاء واسع من البلاد، من بينها أربع من أصل خمس ولايات بإقليم دارفور، ثم تراجعت قبضتها، وانحسرت بشكل رئيسي على بعض المناطق. بيد أن ظهور معدات متطورة لدى هذه القوات التي تعتبرها "ميليشيا متمردة"، دفع الحكومة السودانية القائمة إلى اتهام، ضمنيًا وعلانية، دولًا إقليميّة ودوليّة بتأجيج الصراع، مستفيدة من استمراره عبر دعم هذه القوات عسكريًا وسياسيًا ولوجستيًا. 

قرار العدل الدولية: تظل المسؤولية قائمة رغم التلاعب إجرائيًا

رفضت محكمة العدل الدوليّة (ICJ)، وهي الذراع القضائي للأمم المتحدة، في الخامس من مايو/آيار الجاري، دعوى القضائية للسُودان ضد دولة الإمارات بالإجماع، والمتعلقة بتطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعيّة والمعاقبة عليها في السودان خلال حرب 15 أبريل/نيسان 2023، والتي عقدت جلسات علنية بشأنها في 10 أبريل/نيسان الماضي، استنادًا إلى "عدم كفاية الأدلة المقدمة لإثبات الاختصاص القضائي الدولي"، وفقًا لبيان المحكمة. يؤكد مراقبون، أن قرار الرفض لا يعفي دولة الإمارات من المسؤولية السياسية أو الأخلاقية، بل يركز على الجوانب الإجرائية القانونية، ما يترك الباب مفتوحًا لإعادة تقديم الدعوى مع تعزيز الأدلة. 

العلاقات السياسية هي التي تعمل في الحقب الحالية على تعريف القضايا وكيفية التعامل والتعاطي معها بشكل الذي يرضي المصالح، ويحقق أجندة صاحب القوة والنفوذ، ولاسيما القوة السياسيّة والاقتصادية والإعلامية

كما أشار البيان "إلى أن الإمارات عند انضمامها إلى اتفاقية منع الإبادة الجماعية، صاغت تحفظاً على المادة التاسعة، ساعيةً إلى استبعاد اختصاص المحكمة". وبالتالي "ترى المحكمة أنه في ضوء التحفظ الذي أبدته دولة الإمارات وفي غياب أي أساس آخر للاختصاص، فمن الواضح أن المحكمة تفتقر إلى الاختصاص للنظر في طلب السودان، وبالتالي ستشطب القضية من جدول الدعاوى". 

أوضحت المحكمة في بيانها، على الرغم من رفضها للدعوى، أنها تتفهم، أن هناك فرقًا أساسيًا بين مسألة قبول الدول باختصاص المحكمة، ومطابقة أفعالها مع القانون الدولي، فسواء قبلت الدول أم لم تقبل اختصاص المحكمة عمًلا بالمادة التاسعة، فإن الدول ملزمة بالامتثال لالتزاماتها بموجب تلك المادة، وتظل مسؤولة عن الأفعال المنسوب إليها التي تتعارض مع التزاماتها الدولية. 

من جهتها، قبلت الإمارات القرار ووصفته بمحاولة المحكمة الالتزام بالقانون الدولي، فيما وصف المتحدث باسم الحكومة السودانية القرار بأنه "خيبة أمل تعكس عجز المنظومة الدولية عن محاسبة الدول الداعمة للإرهاب"، كما قابلت الجهات المدنية والحقوقية والشعب السوداني القرار برفضٍ قاطع واستنكار واسع؛ حيث كان يتوقعون في ظل الأزمة الحادة والكارثية، ولاسيما في الجانب الإنساني والحقوقي، التي تطحنهم يوميًا، أن تكون لآليات العدالة الدوليّة، ولاسيما محكمتيّ العدل الدولية والجنائية الدولية، الصوت الصارخ والمناصر الذي يسهم في إنصاف الضحايا، ويعمل على إنهاء الأزمة بأسرع ما يمكن.

فيما يرى مراقبون، أن المال والأجندة السياسيّة هي أبرز العوامل التي باتت تسهم بشكل رئيسي في إعادة توجيه مسار الدعاوى، لدى الآليات الدولية للتقاضي وتحقيق العدالة إلى رفضها. فدولة الإمارات تتمتع بعلاقات دولية ومصالح واسعة مع دول لها السيطرة المركزية على آليات التقاضي الدوليّة، ولاسيما العدل الدوليّة والمحكمة الجنائية. فالعلاقات السياسية هي التي تعمل في الحقب الحالية على تعريف القضايا وكيفية التعامل والتعاطي معها بشكل الذي يرضي المصالح، ويحقق أجندة صاحب القوة والنفوذ، ولاسيما القوة السياسيّة والاقتصادية والإعلامية. 

اتهامات جديدة وردود متباينة

في تصعيدٍ لافت، أعلنت بورتسودان، متمثلةً وزارة الخارجية، عقب قرار المحكمة برفض الدعوى، اتهامها علانية لكل من دولتيّ كينيا وتشاد مع محاولة تقديم شكاوى رسمية ضدهما في مجلس الأمن والأمم المتحدة. حيث اتهم السودان، دولة كينيا بتقديم دعم سياسي ولوجستي لقوات "الدعم السريع" وحلفائها. ففي 20 فبراير/ شباط الماضي، استدعى السودان سفيره لدى نيروبي كمال جبارة، احتجاجًا على استضافة كينيا لاجتماعات للدعم السريع، ضمت قوى سياسية ومسلحة تهدف إلى تكوين حكومة موازية في السودان.

قالت بورتسودان في بيان، أن ذلك "يأتي في وقت تصعّد فيه هذه الميليشيا حملة الإبادة الجماعية ضد مجموعات إثنية محددة في إقليم دارفور (غرب)، كما يجسدها هجومها الحالي والمستمر على معسكر زمزم للنازحين، والذي راح ضحيته مئات المدنيين، بينهم أطفال ونساء"، وفي الوقت الذي "تواصل فيه الميليشيا استهداف المنشآت المدنية الحيوية في مختلف أنحاء البلاد". مشيرةً باستنكار "إصرار الحكومة الكينية على التمادي في دعم ميليشيا الدعم السريع واحتضان أنشطتها، يمثل استخفافا بالشرعية الدولية وبمجلس السلم والأمن الأفريقي". موكدة أن ذلك "ينطوي على تهديد خطير للأمن الإقليمي، ولسيادة الدول الأفريقية، وللسلم الاجتماعي فيها".

في المقابل، أصدر وزير الخارجية الكيني موساليا مودافادي، بياناً قال فيه أن كينيا "تسعى إلى استعادة الاستقرار والحكم المدني في السودان، بالتنسيق مع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي"، معتبرًا أن تحركات نيروبي "منسجمة مع مواثيق الاتحاد الأفريقي الرافضة للانقلابات والتغييرات غير الدستورية"، مذكرًا بأن الاتحاد علّق عضوية السودان منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2021. ملفتًا الانتباه إلى أن سماح كينيا لقوات الدعم السريع ومكونات مدنية سودانية بطرح خارطة طريق سياسية في نيروبي "ينسجم مع دورها في مفاوضات السلام، وتوفير منصات محايدة للأطراف المتصارعة".

كما اتهمت بروتسودان، دولة تشاد، ومنذ بدء الحرب تقريبًا، بدعمها لدعم السريع، وأنها تسهّل للأخيرة إمكانية تهريب الأسلحة وإدخالها إلى السودان عبر إقليم دارفور المتاخم مع تشاد غرباً.  ففي نوفمبر/ تشرين الأول 2024، أعلنت حكومة السودان، عبر وزير العدل، معاوية عثمان، أنها تقدمت بشكوى رسمية ضد تشاد، التي تشارك البلاد حدودًا تمتد على قرابة 1300 كلم تتضمن معبر أدر، لدى اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في بانجول بغامبيا، متهمةً إنجمينا بتوفير الدعم اللوجستي لقوات الدعم السريع. 

إن المال والأجندة السياسيّة هي أبرز العوامل التي باتت تسهم بشكل رئيسي في إعادة توجيه مسار الدعاوى، لدى الآليات الدولية للتقاضي وتحقيق العدالة إلى رفضها

ذكر الوزير، أن "السودان استند على أدلة مادية تثبت توّرط تشاد في مساندة قوات الدعم السريع بالسلاح والذخيرة والمرتزقة، وهو ما يلزم تشاد بدفع تعويضات مناسبة وملائمة للسودان، تعمل السلطات المختصة السودانية على تقييمها". بذلك تكون تشاد قد أخلت بالميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان، وخرقت عددا من مواد القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي ومعايير القانون الدولي والعرفي للأمم المتحدة، داعيًا إلى "التوقف على الفور عن نقل السلاح والعتاد الحربي عبر الحدود لقوات الدعم السريع، إلى جانب الامتناع عن تسهيل حركة أي فرد أو جماعة عبر الحدود متورطة في أعمال قتالية". مؤكدًا أن السودان على استعداد لرفع دعاوى أخرى سواء في مواجهة تشاد أو أي دولة أخرى.

نفت تشاد الشهر الماضي، على لسان وزير خارجيتها "تأجيج الحرب في السودان" من خلال تزويد قوات الدعم السريع بالأسلحة. فقد قال المتحدث باسم الحكومة التشادية، عبد الرحمن كلام الله، في مقابلة إذاعية، إن بلاده "ليست لديها أي مصلحة في تأجيج الحرب في السودان من خلال توريد أسلحة، فنحن من الدول القليلة التي امتدت إليها تداعيات كبيرة بسبب هذه الحرب"، ملفتًا في وقت سابق، "أن تشاد لا تؤمن بالحل العسكري للأزمة في السودان بل بجلوس طرفي القتال للحوار".

شبكة المصالح الإقليمية وتأثيرها على الصراع

في الواقع، تشير كافة الاتهامات المتكررة ضد دول إقليمية ودولية وتقاطعات أجندة ومصالح بعض القوى السياسية والمدنية والمسلحة السودانية معها، إلى حقيقة حجم ونوع وعمق التدخلات في الأزمة السودانية ذات العامين حتى الآن، والتي تحوّلت إلى ساحة واسعة لتحقيق مصالح وأهداف متشابكة بين القوى الداخلية والخارجية وحمياتها، ولأجل تصفية حسابات جيوسياسية بين القوى الإقليمية والدولية.

حيث أن دولة الإمارات تتهمها بورتسودان بدعم الدعم السريع بشكلٍ واسع. يستند هذا الاتهام إلى قيامها بتقديم دعم متعدد الأوجه، منه العسكري واللوجستي، عبر عدة معابر في شرق ليبيا وتشاد وأجزاء من أفريقيا الوسطى، في إطار تنافسها بشكل ما مع تركيا وروسيا ومصر ودول غربية على النفوذ في محيط البحر الأحمر. 

أما تشاد التي تربطها علاقات تاريخية ممتدة مع السودان، ولاسيما مع بعض المجموعات التي تقطن مع الشريط الحدودي مع غرب البلاد، كما أن عدم استقرار حدودها الشرقية مع السودان وليبيا يدفعها لاحتواء الصراع، أو يقودها للتدخل بشكل ما في الأزمة السودانية.

تشير كافة الاتهامات المتكررة ضد دول إقليمية ودولية إلى حقيقة حجم ونوع وعمق التدخلات في الأزمة السودانية ذات العامين حتى الآن، والتي تحوّلت إلى ساحة واسعة لتحقيق مصالح وأهداف متشابكة بين القوى الداخلية والخارجية وحمياتها

فيما تحاول دولة كينيا أن تلعب دور الوسيط الرئيسي في مبادرات السلام التي يقودها الاتحاد الأفريقي والإيغاد وغيرها، ولكن تظل بورتسودان تشكك في نزاهتها ومصداقيتها، بسبب تقارير ووقائع عن استضافة قادة الدعم السريع في نيروبي، والسماح لها بالقيام بأنشطة ذات الصلة بتحركات هذه القوات سياسياً ولوجستيًا، وأنها تقدم هذا الدعم عبر عدة خطوط علاقات عبر الإمارات وجنوب السودان وبعض الدول الغربية، ولاسيما أمريكا بحكم العلاقة الراسخة بين الأخيرة والدولة الشرق أفريقية. 

كما تظل جنوب السودان موضع اتهام مستمر، فقد كررت بورتسودان أكثر من مرة اتهامها بمساندة الدعم السريع سياسيًا ولوجستيًا وعسكريًا، رغم الروابط بين البلدين والعلاقات الراسخة على كافة الصُعد تقريبًا، لأنها كانت جزءًا من السودان الكبير جغرافيًا. 

تداعيات القرار: من يُمسك روقة الضغط الآن؟

يرى مراقبون سودانيون ودوليون، أن رفض الدعوى من قبل العدل الدولية، يُضعف الموقف التفاوضي للسودان دوليًّا، خاصةً مع تصاعد الاعتماد على المساعدات الإنسانية التي تقدمها دول إقليمية ودولية، منها الإمارات في حدّ ذاتها. ومن ناحية أخرى، قد تدفع الاتهامات الجديدة ضد كينيا إلى تعطيل جهود الوساطة الأفريقية ما يطيل أمد الأزمة، خصوصا أن للأخيرة خطوط نفوذ كبيرة في المنصات الأفريقية.

لكل ذلك، يظل السؤال قائمًا؛ هل ستنجح بورتسودان في عزل خصومها إقليميًا ودوليًا؟ ولكن رغم الهزيمة القانونية، يظل الاعتقاد الراجح، أن السودان سيواصل الضغط عبر تحالفات جديدة، لا سيما مع مصر وتركيا وإيران وروسيا، بينما قد تدفع الاتهامات ضد كينيا وتشاد وجنوب السودان إلى إعادة تشكيل خريطة الوساطة والعلاقات الإقليمية، خصوصًا مع تطلع الجزائر مؤخرًا لتوسيع دورها وفق بعض التقارير.

وعليه، فإن رفض محكمة العدل الدولية لدعوى السودان ضد الإمارات وتشاد سابقًا لدى اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في نانجول الغامبية، ليس نهاية المطاف، بل فتحًا لجولة جديدة من الصراع القانوني والسياسي والدبلوماسي، حيث تتحوّل الأزمة السودانية إلى مرآة عاكسة لتصدعات النظام الدولي، وتنافس القوى الإقليمية على النفوذ والقوة والسيطرة، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر في غياب أي أفق حقيقي لإنهاء الحرب وبناء السلام.