تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 6 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

أزمة الدستور والانتخابات في الصومال: حوار الصمّ يفاقم التوتر بين مقديشو والمعارضة

28 فبراير, 2026
الصورة
أزمة الدستور والانتخابات في الصومال: حوار الصمّ يفاقم التوتر بين مقديشو والمعارضة
Share

في خطوة لم تكن مفاجئة، أعلن مجلس مستقبل الصومال المعارض، في 23 فبراير/ شباط الجاري، انهيار محادثاته مع الرئيس حسن شيخ محمود، عقب جلستين انعقدتا بين الطرفين، سبقتهما أجواء من الشك والتوتر حول مكان اللقاءات والبروتوكولات الأمنية المتعلقة بوصول رئيسي ولايتي بونتلاند وجوبالاند إلى مقديشو، ما عكس محدودية فرص تحقيق اختراق حقيقي في القضايا الخلافية منذ البداية.

مع أن الخلاف بين الطرفين يدور حول الانتخابات والتعديلات الدستورية، تصدّر هذان الملفان جدول أعمال المحادثات، التي شكّلت فرصة مهمة بالنظر إلى توقيتها الحساس، إذ جاءت في لحظة سياسية وأمنية دقيقة تمر بها البلاد، وفي ظل تحولات جيوسياسية مستجدة على المستويين الوطني والإقليمي.

محاور الخلاف بين الطرفين

يكمن جوهر الخلاف بين الطرفين في سعي مجلس مستقبل الصومال إلى الحيلولة دون استمرار حكم الرئيس حسن شيخ محمود بعد 15 مايو/ آيار المقبل، موعد انتهاء ولايته، سواء عبر تمديد مباشر أو من خلال ترتيبات انتخابية قد تفضي إلى تجديد ولايته، مقابل سعي الأخير إلى تأمين مسار يتيح له البقاء في السلطة بإحدى هاتين الطريقتين، وهو ما جعل الجدل يتمحور حول ملفي الانتخابات الفيدرالية والتعديلات الدستورية، بوصفهما عاملين حاسمين في رسم مسار الانتقال السياسي في البلاد، وتحديد شكل السلطة وتوازناتها في المرحلة المقبلة.

طالب المجلس خلال المحادثات إجراء انتخابات في ولايات جلمدغ وجنوب الغرب وهيرشبيلي، التي انتهت ولايات قياداتها وما تزال تمارس مهامها بدعم من الرئاسة، إلى جانب وقف التعديلات الجارية على الدستور المؤقت، واعتبار ما أُنجز منها باطلًا. كما دعا إلى اعتماد النظام الانتخابي غير المباشر في الاستحقاق الفيدرالي المقبل، مع ضرورة التوصل - قبل 14 أبريل/ نيسان - إلى اتفاق سياسي واضح يحدد آليته، ويضمن إمكانية تنفيذه ضمن المدة الدستورية المتبقية.

عامل الزمن لا يسير بالوتيرة نفسها لصالح الطرفين، فكلما اقتربت نهاية الولاية الدستورية للرئيس حسن شيخ محمود، تقلّصت مساحة المناورة أمامه، في حين تتعاظم قدرة المعارضة على فرض شروطها

في المقابل، رفض الرئيس حسن شيخ محمود هذا الطرح، متمسكًا بالمضي قدمًا في مسار التعديلات الدستورية، داعيًا أعضاء المجلس إلى إحالة ملاحظاتهم إلى البرلمان إن وُجدت. كما اعتبر أن مسألة الانتخابات في الولايات المنتهية ولاياتها شأن يخص الرئاسة ورؤساء تلك الولايات، ولا تندرج ضمن صلاحيات المجلس. وفي الوقت ذاته تمسّك باعتماد نظام «صوت واحد لشخص واحد»، مؤكدًا عزمه البدء بانتخابات البلديات في الولايات الثلاث وفق هذا النظام.

في ظل هذا التصلب المتبادل، حيث يقف الطرفان على مسافة واحدة من التعنت دون إبداء قدر يُذكر من المرونة أو الاستعداد لتقديم تنازلات ولو محدودة، تبادلا الاتهامات في بيانات رسمية بشأن المسؤولية عن انهيار المحادثات، مما عكس تعقيد مسار التسوية وافتقار العملية برمتها إلى إرادة سياسية كافية لتجاوز الحسابات الضيقة، والانخراط في تسوية توافقية حقيقية.

بين تمسك كل طرف بسقفه الأعلى، وإظهاره في الوقت ذاته استعدادًا شكليًا للانخراط في تسويات حول القضايا الخلافية، يتضح أن المسألة لم تعد مجرد بحث عن آلية انتخابية محايدة تخدم مصلحة المواطن وتعزز الاستقرار، بل تحولت إلى سباق محموم لإعادة صياغة قواعد اللعبة السياسية، بما يتوافق مع حسابات كل طرف، ويحدّ من فرص خصومه، إذ يسعى كل جانب إلى ضمان ترتيبات انتخابية تمنحه أفضلية مسبقة في الاستحقاق المقبل، بدل الانخراط في مسار يفضي إلى إطار توافقي جامع يُطمئن مختلف الفاعلين، ويؤسس لانتقال سياسي مستقر.

فرصة ضائعة في سباق الزمن

في ظل هذا الانهيار الناتج عن التصلب المتبادل، يبرز سؤال جوهري: من الخاسر الحقيقي من فشل المحادثات؟ وما حجم الضرر الذي يلحق بكل طرف بعيدًا عن حسابات المواطن، الذي يبقى دائمًا المتضرر الأكبر من الانقسام، وما يجرّه من اضطرابات وعدم استقرار، رغم غيابه الكامل عن طاولة التفاوض؟

عند محاولة الإجابة، يبدو أن الرئيس حسن شيخ محمود هو الطرف الأكثر تضررًا في هذا التعثر، فخسارته تكمن في عامل الزمن؛ إذ لم يتبقَّ من ولايته سوى نحو شهرين ونصف، ما قد يؤدي إلى تآكل أوراق قوته تدريجيًا، ويضعف قدرته على ممارسة سلطاته بالفاعلية ذاتها، إن لم يفقدها بالكامل في حال انتهاء ولاية حكمه.

تدرك المعارضة، خصوصًا مجلس مستقبل الصومال بوصفه الكيان الأكثر تنظيمًا في المشهد المعارض، هذه المعادلة جيدًا، فهي تراهن على انتهاء الشرعية الدستورية للرئيس حسن شيخ محمود كورقة ضغط سياسية مريحة لها، مما يجعله – من الناحية الشكلية – طرفًا مساويًا لها من حيث الشرعية، دون أفضلية قانونية واضحة، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع دوره في إدارة الاستحقاقات المقبلة، أو على الأقل تقليص تأثيره في رسم آلياتها.

في ظل هذا التصلب المتبادل، حيث يقف الطرفان على مسافة واحدة من التعنت دون إبداء قدر يُذكر من المرونة أو الاستعداد لتقديم تنازلات ولو محدودة، تبادلا الاتهامات في بيانات رسمية بشأن المسؤولية عن انهيار المحادثات

من هذه الزاوية، يبدو أن الرئيس حسن شيخ محمود أضاع فرصة من الصعب أن تعود مرة أخرى، فقد كان بإمكانه الحفاظ على دوره الأبرز في إدارة المرحلة المقبلة عبر خيارين: الأول، التخلي عن خطته للانتقال إلى نظام انتخابي مباشر، والقبول بالنظام غير المباشر الذي يطالب به المجلس، مع الالتزام بإجراء الانتخابات في موعدها الدستوري، مما كان يمنحه الاحتفاظ بنفوذه في إدارتها لأنها تنعقد أثناء فترة ولايته؛ والثاني، السعي إلى تمديد محدود لولايته – لعام أو عامين – مقابل التراجع عن التعديلات الدستورية المثيرة للجدل، بما كان يمنحه هامشًا أوسع للمناورة السياسية، وإعادة ترتيب حساباته.

يبدو أن الخيار الأول كان الأكثر فائدة له، نظرًا لضيق الوقت وعدم جاهزية المعارضة تنظيمياً واقتصادياً، إذ إن أعضاء المجلس، الذين معظمهم مرشحون للرئاسة، رغم التحالف المعلن بينهم، لا يجمعهم سوى الهدف المباشر لمنع الرئيس حسن شيخ محمود من البقاء في السلطة، فتحالفهم أقرب إلى ترتيب ظرفي اضطراري تغلب عليه اعتبارات المنافسة، دون وجود رؤية مشتركة طويلة المدى.

مقابل هذا التنظيم الهش بين أعضاء المجلس والضعف الاقتصادي لديهم، يمتلك الرئيس حسن شيخ محمود موارد الدولة، وفريقا منظما، وخبرة في إدارة الاستحقاقات، مما يمنحه – في حال إجراء الانتخابات ضمن الإطار القائم – فرصة حقيقية للفوز بولاية جديدة.

على الرغم من أن تعثر هذه الجولة قد لا يعني نهاية المسار التفاوضي، إلا أنه من الواضح أن عامل الزمن لا يسير بالوتيرة نفسها لصالح الطرفين، فكلما اقتربت نهاية الولاية الدستورية للرئيس حسن شيخ محمود، تقلّصت مساحة المناورة أمامه، في حين تتعاظم قدرة المعارضة على فرض شروطها، مما يجعل مرور الوقت رصيدًا سياسيًا لها بقدر ما يشكّل عبئًا متزايدًا على الرئاسة.

السيناريوهات المحتملة.. مواجهة أم تسوية؟

ليست أزمات نهاية الولايات الدستورية لنظام الحكم جديدة في المشهد السياسي الصومالي، بل تمثل نمطًا متكررًا خلال العقدين الأخيرين، إلا أن هذه المرة تختلف نسبيًا بسبب طبيعة العلاقة المتقاربة بين الرئيس حسن شيخ محمود ورئيس الوزراء حمزة عبد بري، والتي تبدو مغايرة لتجارب سابقة طبعتها التباينات داخل السلطة التنفيذية.

في تجارب سابقة، كان رئيس الوزراء يشكّل عنصر توازن داخل السلطة التنفيذية، بتعاطيه مع العملية الانتخابية بعيدًا عن تبعية الرئيس، مدفوعًا بطموح نحو الرئاسة أو بحسابات خاصة، لكن حاليًا لا توجد مؤشرات على وجود طموح رئاسي لدى رئيس الوزراء حمزة عبد بري، ولا على نيته الدخول في مواجهة سياسية مع الرئيس حسن شيخ محمود، سواء بدافع الامتنان للفرصة التي أتيح له، أو تحسبًا لتبعات صدام قد يكلّفه موقعه السياسي، مما يقلّص احتمالية حدوث انقسام داخل السلطة التنفيذية، يعيد تشكيل موازين الأزمة كما حدث في محطات سابقة.

المعارضة تلوّح بخيار تنظيم انتخابات بديلة منتصف شهر مايو في حال استمرار الرئيس حسن شيخ محمود في تمسكه بمواقفه، ما من شأنه تعميق الانقسام السياسي وإرباك المشهد المؤسسي

في سياق ما سبق، هناك ثمة سيناريوهات محتملة لمآلات الأزمة، أولها مواصلة الرئيس حسن شيخ محمود التمسك بخطته بشأن الآلية الانتخابية والتعديلات الدستورية حتى انتهاء ولايته منتصف شهر مايو/آيار المقبل، ثم المناورة في إدارة مرحلة ما بعد انتهاء الولاية استنادًا إلى شرعية الأمر الواقع، مع الموافقة حينها على الخطة الانتخابية للمعارضة، مقابل بقائه في موقعه إلى حين استكمال العملية الانتخابية، نظرًا لما تستلزمه من وقت حتى في حال التوافق على آليتها.

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في السعي إلى تمديد مباشر لولاية المؤسسات الفيدرالية، بما يشمل البرلمان والرئاسة، عبر إصدار رئاسة مجلس الشعب بعد استكمال التعديلات الدستورية الجارية – التي يفترض أن تنتهي في الأسبوع القادم – قرارًا يعلن فيه أن الدستور المعدّل أصبح الدستور الرسمي للبلاد، وأنه يُعمل بمقتضياته، بما في ذلك اعتماد ولاية المؤسسات الفيدرالية لخمس سنوات إضافية، مما يتيح لهم البقاء في السلطة عامًا إضافيًا.

لكن هذين السيناريوهين يظلان محفوفين بالمخاطر، فقد يفضيان إلى إجراء انتخابات متوازية تخلق ازدواجًا في الشرعية، إذ إن المعارضة تلوّح بخيار تنظيم انتخابات بديلة منتصف شهر مايو في حال استمرار الرئيس حسن شيخ محمود في تمسكه بمواقفه، ما من شأنه تعميق الانقسام السياسي وإرباك المشهد المؤسسي.

وهناك سيناريو ثالث، وإن كان احتمال حدوثه ضعيفًا، يقوم على إعادة تموضع سياسي من جانب الرئيس حسن شيخ محمود، عبر مراجعة رهاناته وبدل المضي قدمًا في خططه الخلافية، يتوجه نحو تسوية توافقية حول آلية الانتخابات، من أجل حماية المكتسبات المحققة خلال العقدين الماضيين.

ومع أن الحسم يظل رهن الأيام المقبلة، تميل بعض المؤشرات إلى احتمال توجه الرئيس حسن شيخ محمود نحو سيناريوهات التصعيد؛ إذ يعزز ذلك ما تم تداوله بشأن رفضه التهدئة خلال لقاء جمعه مع سياسيين مقربين منه عشائريًا، في مقدمتهم الرئيس السابق شريف شيخ أحمد، في 26 فبراير/شباط الجاري، الذين قدموا له النصح لإبداء المرونة في القضايا الخلافية مع المجلس، ما يعكس توجهه المحتمل نحو دائرة التصعيد.