تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 13 يونيو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
ثقافة

أيَّانَ يومُ السِّلم

2 يونيو, 2026
الصورة
أيَّانَ يومُ السِّلم
Share

في صباحِ يوم آخر، صحونا على دويِّ صرير الباب، فإذا بالآنسة أم كرشوم قد جاءت بـالتِكس، وجلست في مؤخرة السيارة، لا لأنها ترغب في المقعد الخلفي، بل لأن أردافها لا يسعها مقعدٌ واحد. فقلت لها: تفضلي، ادخلي البيت فدخلت فكشفت عن ساقيها قليلًا، ثم استعادت وقارها وتحشَّمت. فالآنسة أم كرشوم، منذ طفولتها، تأكل بنهمٍ شديد، طفيليةٌ تلتهم طعام الأطفال. ومع ذلك، فلديها خصالٌ طيبة أحبها فيها؛ فهي تتحدث الدارجة السودانية المهذبة ببراعة لبقة، ولها رقةٌ ظاهرة في تعاملها مع الجنس الآخر.

وبعد مغادرة السيدة أم كرشوم البيت، أعدَّت لنا أشانتي الجبنة، وكانت تفوح منها رائحة الزنجبيل والقرنفل، وهذا ما يجعل الجبنة السودانية مختلفة المذاق عن سائر أنواع القهوة. فللأمم قهوة، وللسودانيين جبنة، كما في مثال الزول.

بعد مأساة الخامس عشر من أبريل/ نيسان، هاجرتُ من دون سابق إنذار. وها أنا اليوم في الأناضول، أمام بحر مرمرة تحديدًا. الأفق هادئ كسماء الخرطوم قبل عبثية الخامس عشر من أبريل/نيسان، وروحي تفيض حبًا وشوقًا لبلادي. وبقربي شبابٌ في مقتبل العمر، الفتيات متأنقات الثياب، عذبات الأصوات، والشباب حليقو الذقن، يمسكون خواصر بعضهم ويرقصون طربًا على أغنية لسيزان أكسو. مشاهد تجعلك تؤمن أن الحياة ما تزال بخير. وعلى بُعد خمسين ياردة، تمتد حديقة مفروشة بالحصى، مزينة بالورود القرمزية.

أيها الحُمر المستنفرة، لا تكونوا كعقارب الساعة؛ أقنعوهم أن الأرقام اثني عشر فقط، فثمة أرقام أخرى ينبغي اكتشافها

لا أعلم لِمَ أكتب لكم يا زول، وأنتم لا تريدون التلذذ بالحياة. فالحياة بالنسبة لكم صرخة طفلٍ في مخيم، وأجساد نساءٍ وشيوخٍ تتطاير مع القذائف، وكراهية مجتمعاتٍ لأخرى، واتباع أيديولوجيات تنسيكم معنى الإنسانية والوطن. الحياة، يا بشر، كالأبيضين يذوبان يومًا. أيها الحُمر المستنفرة، لا تكونوا كعقارب الساعة؛ أقنعوهم أن الأرقام اثني عشر فقط، فثمّة أرقام أخرى ينبغي اكتشافها. إن مناخكم العقلي قاسٍ لا يرحم، مليءٌ بالظلم والطغيان والكفر الوطني، وهذا قد يقودكم إلى أقاصي الطرق الوعرة، فتغدون قرًى متناثرةً في الأصقاع، لا حول لها ولا قوة.

لا أعلم تمامًا لماذا أكتب. أأكتب لأُسليكم قليلًا، أم لأريكم أن ثمة حياةً يمكن أن تُعاش بعيدًا عن الحرب؟ ربما أكتب لأواسي نفسي أنا أيضًا. تالله، حتى لجمل الحرب لذَّةٌ غريبة تجعلني أحتضنها بكل قبحها، أحتضنها بكل ألمها، وأرتجف كما يرتجف المحموم من البرد، وأسأل: أيَّان يوم السِّلم؟ ويقول أحدهم بصراحة: منذ كارثة الخامس عشر من نيسان أصبحتُ معتَلَّ المزاج؛ أفكاري مضطربة وغير مستقرة.

وهناك "بلى" و"نعم" لهما منعطفٌ خاص في وجودي، أو بالأحرى "نعم" المرتجفة الراضية في آنٍ معًا. وعلى هذا النحو، كنّا حتى مع ذواتنا الأخرى نلتزم الصمت، ونكظم أنينًا في صدورنا الملتهبة.

ويضيف آخر: منذ أن استيقظت الرجولة في داخلي، وجمجمة رأسي مشغولة بأسئلة تتجدد كما يتجدد الشوقارة [1] في كل عام. ينتابني الغبط والتساؤل: لماذا لم نعش؟ لماذا لم نفرح مثل بقية البشر؟ أَنحن قومٌ لم يُكتب لنا السرور؟ لماذا، نحن أبناء هذا الوطن، لم نرقص على أنغام الطبول والنقارة والربابة وأهازيج الكرنق؟ لماذا رقصنا بدلًا من ذلك على أصوات الرصاص والرشاشات والطائرات المسيَّرة؟

لماذا لم نفرح مثل بقية البشر؟ أنحن قوم لم يُكتب لنا السرور؟ لماذا، نحن أبناء هذا الوطن، لم نرقص على أنغام الطبول والنقارة والربابة وأهازيج الكرنق؟ لماذا رقصنا بدلا من ذلك على أصوات الرصاص والرشاشات والطائرات المسيّرة؟

إن مخيلتي، بل حياتي كلها، ليست سوى استفهامات وطلاسم تتوالد كل يوم. فالحياة بالنسبة لي سؤالٌ دائم: أسئلة حول القضية، والهوية، والذات الوطنية. وقال محمد الكِيك: "دعونا نتجاهل حروب السودان يا رفاق القضية، فالحرب لم تبدأ في الخامس عشر من أبريل، بل منذ تأسيس الجمهورية".

بعد عبثية الخامس عشر من أبريل، جاءت ناندي بتأملاتٍ حول مجتمع الزول وهو يمر بمأساة إنسانية، مدركةً أن الحقل النفسي السوداني في حاجة إلى ترميم، بل إلى إعادة بناء. ففي بلادنا مسافةٌ شاسعة بين الحاكم والمحكوم، وبين الوطن والمواطن. نعم يا سادة، لقد آنستُ في قول ناندي نورًا وفهمًا.

في هذه اللحظة، وحتى لا أُعكِّر صفو روحي، أحاول أن أنتقي للقارئ أعذب الكلمات، كما تنتقي بنت الجبال الملوخية من غابات كاودا. وأنا جالس أمام المطعم المطل على البحر، أشعر وكأن الأرض ترقص تحت قدمي. جميع الحاضرين راضون مسرورون بأنفسهم.

هنا لا شيء يدعو إلى الفقر؛ أفكار وضحكات تتقاطع، والنادلون يدخلون ويخرجون بسرعة الريح. البعض يسرد حكايات ثلاث سنواتٍ جرفه في مهنة الحب، وعن عشيقاتٍ أتين من جبال روسيا المكتسية بالجليد، يبحثن عن دفء الحياة. بينما أهل هذه البلدة يبحثون عن شقراواتٍ مطيعات للرجال. وإن سألتموني عن الشقراوات، فلا أعلم عنهن الكثير، غير أن لهن أفئدةً رخوة كحلاوة العسل الأبيض، وثقوب حمراء كالون الشمس عند المغيب. ولهن نظراتٍ مشبعة بالاهتمام وتأمل البحر.

الحياة بالنسبة لكم صرخة طفل في مخيم، وأجساد نساء وشيوخ تتطاير مع القذائف، وكراهية مجتمعات لأخرى، واتباع أيديولوجيات تنسيكم معنى الإنسانية والوطن

وفي الجهة المقابلة، كان بعضهم يروون مجمل ما جرى قبل الحرب وبعدها. وأجلتُ بصري في المطعم، فرأيت طبقة البرجوازية والأفندية والصفوة المهاجرين من الخرطوم يملؤون الطابق العلوي، يصفقون ويرقصون. بينما كنتُ، في المقابل، أرى عبر وسائل التواصل فتاةً سودانية فقيرة، ترتدي ثيابًا بالية، فقدت أباها في معارك بغرب السودان، ثم هاجرت إلى سنار بعد معاناة قاسية. فها هي الآن حافية القدمين، تمشي في فناء المخيم، لا تنتعل خفًا ولا جوربًا. عندها اكتشفت هشاشة الشعور القومي السوداني المصمغ.

يا ناندي، قولي لي إن هذا حلم، واجعليني أكذّب ما أرى. يا تُرى، هل سكرتُ بالخمر المزبد؟ أم أنها بقايا عربدة سُكْرٍ قديم يعود إلى ما قبل عام 1983؟ ورغم أن المائدة كانت عامرةً بالأطباق الدسمة، فإنني لم أتلذذ بها. لذلك قلت: أحضِروا لي بقايا خبز المتسولين من شوارع بلادي، فلها مذاقٌ لا تمنحه أفخر الموائد.

بعد يومٍ شاق، يا صحابي، عدتُ إلى البيت في الثلث الأخير من الليل، فقامت زوجتي من نومها، وأعدت السحور. وكان حساء الكوارع يغلي على نارٍ هادئة. ثم صنعت القهوة، فقبلناها معًا برشفاتٍ متأنية. ولولا صوت المؤذن، لوددتُ تقبيل أشياء أخرى، لكنني تركتها إلى حين يبتلَّ العروق ويثبت الأجر، إن شاء الله.
 


[1] كلمةٌ تُستعمل في بوادي وأرياف غرب السودان، وتُطلق على النبات الذي ينبت مع مطلع موسم الخريف، فهي اسمٌ لكلِّ ما يخضرّ وينمو في الأسابيع الأولى من هطول الأمطار وبدايات الموسم المطير