تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 12 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
فن

إيقاع المقاومة: كيف تحولت الموسيقى في أفريقيا إلى هوية وصوت سياسي؟

29 يونيو, 2025
الصورة
إيقاع المقاومة: كيف تحولت الموسيقى في أفريقيا إلى هوية وصوت سياسي؟
Share

في أفريقيا، ليست الموسيقى مجرّد وسيلة للترفيه أو التعبير الفني، بل تمثل في كثير من الأحيان خطابًا سياسيًا، وشيفرةً ثقافية، ومجالًا حيويًا للمقاومة. عبر قرون من الاستعمار والقمع والتحولات السياسية والاجتماعية، بقي الإيقاع لغةً صامتة تُفهم وتُحس، توازي في قوتها الكلمة والخطاب. لقد تحوّلت الأغنية في أفريقيا من نشيد قبلي طقسي، إلى وسيلة للتنظيم السياسي، ثم إلى سجلّ للمظالم، وصرخة ضد الظلم، وفي أحيان كثيرة، بيان ثورة.

نحاول تفكيك هذا الارتباط العميق بين الموسيقى والمقاومة في أفريقيا، عبر تتبّع النماذج التاريخية والمعاصرة، وتحليل البنية الثقافية والسياسية للأغنية، من "فِيلا كوتي" في نيجيريا إلى "كيور غي" في السنغال، مرورًا بصوت الضواحي في جنوب أفريقيا.

جذور موسيقية للمقاومة: حين تُغنى الرسائل السياسية

في فترة الاستعمار الأوروبي لأفريقيا، كانت الموسيقى أداةً حاسمة للحفاظ على الهويّة. ففي حين كانت السلطات الاستعمارية تقمع أيّ تعبير سياسي مباشر، لجأت الشعوب إلى الرموز الموسيقية لنقل رسائلها. الأغاني الشعبية كانت تنقل أخبار المتمردين، وتسخر من المحتل، وتُبقي الذاكرة الجماعية حيّة.

في غانا مثلًا، خلال الاحتلال البريطاني، انتشرت موسيقى الـ "Highlife"، والتي كانت في الظاهر موسيقى راقصة شعبية، لكنها تضمنت في طياتها انتقادات مبطنة للاستعمار. كتب المؤرخ الغاني جون كولينز عن أحد هذه الأنماط قائلاً: "لقد كانت موسيقى الهايلايف منصة للرسائل السياسية، حين كانت الصحف خاضعة للرقابة، وكانت الإيقاعات أذكى من أن تُقمع".

الموسيقى في أفريقيا ليست ترفًا، بل ذاكرة حية، أغنية واحدة قد تخلد مجزرة وتُسقط حاكمًا، وتمنح جيلًا صوتًا كان مسلوبًا. لكن في زمن العولمة، وتسلّيع الثقافة والميديا الفورية، تبدو الأغنية السياسية كأنها تهمس وسط ضجيج السوق

لم تكن الأغاني في زيمبابوي، تحديداً خلال حرب التحرير الوطنية (1964–1979)، مجرد طقس قبلي أو وسيلة ترفيه، بل تحوّلت إلى سلاح تعبوي ومخزن الذاكرة الوطنية. استخدمت حركات المقاومة، وعلى رأسها الجبهة الوطنية الزيمبابوية (ZANU)، الأغاني القَبَلية الشعبية أداة لتجنيد المقاتلين، وبث روح النضال في صفوف الريف والفلاحين.

كانت الأغاني تُغنّى في المعسكرات، وفي اللقاءات السريّة، وحتى خلال المسيرات الشعبية. من أشهرها: أغنية "Simudzai Mureza WeZimbabwe" (ارفعوا علم زيمبابوي). هذه الأغنية، التي أصبحت لاحقًا النشيد الوطني للبلاد، كانت تُغنّى سرًا قبل الاستقلال، كدعوة واضحة لمناهضة الاحتلال. تقول كلماتها:

"Simudzai mureza wedu weZimbabwe" (ارفعوا علمنا يا أبناء زيمبابوي)

"Yakazvarwa nemoto wechimurenga" (وُلد هذا الوطن من نار الشيمورينغا)

كلمة "Chimurenga" تعني "الثورة" بلغة الشونا، وأصبحت مصطلحًا واسع الاستخدام، للإشارة إلى كفاح الزيمبابويين ضد الاستعمار، وهي تعود بالأصل إلى ثوراتٍ مقاومة أقدم تعود للقرن الـ19.

وكذلك أغنية "Nzira Dzemasoja" (طريق الجنود) التي كانت تُدرَّس للجنود المتمردين الجدد، وتُغنّى في طقوس الانضمام للمقاومة. تحمل لحنًا إيقاعيًا بسيطًا وسهل الحفظ، وتشجع على الانضباط والتضحية:

"Nzira dzemasoja, hadzisi nyore" (طريق الجنود ليس سهلاً)

"Asi ticharwira nyika yedu" (لكننا سنقاتل من أجل وطننا)

نذكر أيضا أغنية "Tora Gidi Uzvitonge" (احمل البندقية وحرّر نفسك)؛ أغنية التعبئة المباشرة، حيث كانت تُذاع في محطات المقاومة في موزمبيق وزامبيا، من أجل تشجع الناس على الانضمام للمقاومة المسلحة:

"Tora gidi, tora gidi" (احمل البندقية، احمل البندقية)

"Uzvitonge, uzvitonge" (حرّر نفسك، حرّر نفسك)

فيلا كوتي: الإيقاع كأداة ثورية

في تاريخ الموسيقى الأفريقية المعاصرة، يبرز اسم فيلا كوتي (Fela Anikulapo Kuti)، الموسيقي النيجيري الذي حول موسيقى "Afrobeat" إلى سلاح سياسي.

ولد كوتي في لاغوس عام 1938، وتعلّم الموسيقى في لندن، لكنه عاد إلى أفريقيا ليبدأ مشروعًا فنيًا ثوريًا. لم تكن أغانيه مجرد أعمال فنية، بل بيانات سياسية، يهاجم فيها الأنظمة العسكرية والفساد والإمبريالية الغربية. سخر في أغنيته الشهيرة Zombie" (1976)" من الجنود النيجيريين، واصفًا إياهم بالزومبي الذين لا يفكرون بل ينفذون الأوامر العمياء.

حين تُطفأ الأضواء ويُعاد تشغيل الإيقاع من جديد، سنسمع الجواب.الموسيقى في أفريقيا لم تكن يومًا ترفًا، بل سجلًّا حيًا للمقاومة والذاكرة. من رحم الإيقاع خرجت أغنيات كانت أداة للوعي، ووسيلة لحشد الناس، ومرآة للظلم

يقول كوتي في إحدى مقابلاته:

" لم أرد أن أُمتعهم، أردت أن أوقظهم. الموسيقى يجب أن تكون عن الحقيقة. إن لم تكن كذلك، فهي ضوضاء ".

تعرض كوتي للضرب، واعتقلَ مرات عديدة، وأحرقَت السلطات منزله، لكنّ أغانيه استمرت في الانتشار، وألهمت جيلًا كاملًا من الفنانين والسياسيين حتى وفاته عام 1997، بسبب مضاعفات مرض الإيدز، لكن تأثيرهه لا يزال قويًا حتى اليوم.

أغانيه تُبث الآن على المنصات مثل: "سبوتيفاي" و"يوتيوب"، ويُحتفل بذكراه سنويًا في مهرجان موسيقي كبير اسمه "Felabration" في مدينة لاغوس.

ابنه "Seun Kuti" وفرقته الموسيقية يُواصلون أداء أغانيه القديمة، إلى جانب أعمال جديدة، بنفس الروح. كما تأثر به نجوم كبار مثل: "Burna Boy"، الذي يقول دائمًا إنه يسير على طريق كوتي في مزج الفن بالرسالة. باختصار فِيلا كوتي، لم يكن فقط موسيقيًا بل كان ثورة تمشي على الإيقاع.

ما بعد الاستعمار: الموسيقى كذاكرة وهوية

بعد استقلال معظم الدول الأفريقية في الستينيات والسبعينيات، واجهت المجتمعات واقعًا جديدًا: فساد داخلي وصراعات أهلية      وفقدان بوصلة وطنية. في هذا السياق، تحوّلت الموسيقى من أداة مواجهة للمحتل إلى وسيلة نقد داخلي وبحث عن الذات.

لعبت الأغاني في جنوب أفريقيا، خلال نظام الفصل العنصري، دورًا محوريًا في المقاومة. فقد كانت أغنية "Soweto Blues" التي غنتها ميريام ماكيبا، وكتبها زوجها هيو ماسكيلا،      تأبينًا وتمردًا في آنٍ واحد على مجزرة سويتو عام 1976:

"…they are shooting us like birds — They are killing the children" (إنهم يقتلون الأطفال!! يطلقون النار علينا كما يصطادون الطيور)

لم تكن هذه الأغاني تُغنّى على المسارح فقط، بل في التظاهرات وفي المعتقلات وحتى الكنائس، حيث كانت الموسيقى أشبه بكتابة تاريخ حيّ.

الراب في السنغال: لسان الشارع وسوط الفساد

في بدايات الألفية الجديدة، ظهر نمط جديد من المقاومة الموسيقية، الراب والهيب هوب في السنغال، حيث نسبة الشباب عالية والبطالة مرتفعة، ما حوّل الموسيقى إلى أداة سياسية صريحة. وكان الهيب هوب الأفريقي أشهر مثال على ذلك.

تبرز فرقة "Keur Gui" السنغالية كواحدة من أكثر الفرق التزامًا سياسيًا واحتكاكًا مباشرًا مع قضايا المجتمع. تأسّست الفرقة في التسعينيات بمدينة كولاك (Kaolack)، التي تعاني التهميش والفقر كبقية مناطق الداخل السنغالي. ضمّت الفرقة مغنيَين رئيسيين: "Thiat" و"Kilifeu"، اللذين حملا منذ البداية رسالة فنية واضحة: تحويل الراب إلى منصة نضال، لا مجرد تعبير فردي.

لم تكن هذه الأغاني تُغنّى على المسارح فقط، بل في التظاهرات وفي المعتقلات وحتى الكنائس، حيث كانت الموسيقى أشبه بكتابة تاريخ حيّ

تُعرف "Keur Gui" بنصوصها الجريئة ضد الفساد، واللامساواة، وتواطؤ النخب. لكنها نالت شهرتها الأكبر في عام 2011، حين شاركت في تأسيس حركة "Y’en a marre" (ويُنطق: يَنّا مار، وتعني: "لقد سئمنا")، وهي حركة شبابية سياسية غير حزبية قادت احتجاجات ضد الرئيس آنذاك عبد الله واد، بعد محاولته تعديل الدستور للترشح لولاية ثالثة.

أطلقت الفرقة خلال تلك الفترة أغنيتها الشهيرة "Faux! Pas Forcé"، التي تقول كلماتها (بالفرنسية):

"!orcéLe peuple n’est pas dupe, faux! Pas f" (الشعب ليس ساذجًا، كاذب! لن تُجبرنا).

تحوّلت الأغنية إلى نشيد في المظاهرات، ورددتها الجماهير في الشوارع، وكان لها دور بارز في تعبئة الرأي العام، حتى أُجبر واد على الانسحاب وخسر الانتخابات.

اللافت أنّ أعضاء "Keur Gui" لم يكتفوا بالأغاني، بل نزلوا إلى الميدان، وشاركوا في تنظيم الاحتجاجات، وأُوقفوا مرارًا من قبل الشرطة، ما زاد من شعبيتهم .

في أحد لقاءاته، قال Thiat: "نحن لا نغني فقط عن الظلم! نحنُ نعيش في قلبه! هذا يجعلُ الراب عندنا ليس فنًا فقط، بل مسؤولية".

رغم محاولات التضييق، ما تزال "Keur Gui" نشطة حتى اليوم، تواصل إصدار الأغاني السياسية، وتشارك في مبادرات مجتمعية تعليمية وشبابية، مؤكدة أن الموسيقى في أفريقيا ليست فقط وسيلة للتعبير، بل أداة للفعل السياسي المباشر.

بين الفن والتسليع: هل فقدت الموسيقى رسالتها؟

رغم الزخم التاريخي والسياسي للموسيقى الأفريقية، إلا أن سؤالًا ملحًا يطرح نفسه: هل لا تزال الموسيقى تملك تلك القوة الثورية في ظل التغيرات الحالية؟

مع هيمنة شركات الإنتاج العالمية، وتحول الفنانين إلى علامات تجارية، أصبحت كثير من الأغاني تميل للموضوعات الاستهلاكية: المال والعلاقات والشهرة     ،. حتى في أفريقيا، نشهد صعود أنماط مثل "Afrobeats" و"Amapiano"، التي تركّز على الرقص والإيقاع أكثر من الرسالة.

لكن هذا لا يعني زوال البعد السياسي، بل إن بعض الفنانين يحاولون الدمج بين الإثنين. فالفنان النيجيري "Burna Boy" مثلًا، رغم أنه نجم عالمي، لا يتردد في الحديث عن الظلم في أغانيه. في أغنيته "Monsters You Made" (2020) يقول: "We’re the monsters you made / Call me a monster, but we know who the real villains are".

الموسيقى في أفريقيا ليست ترفًا، بل ذاكرة حية، أغنية واحدة قد تخلد مجزرة وتُسقط حاكمًا، وتمنح جيلًا صوتًا كان مسلوبًا. لكن في زمن العولمة، وتسلّيع الثقافة والميديا الفورية، تبدو الأغنية السياسية كأنها تهمس وسط ضجيج السوق. يبقى السؤال مفتوحًا: هل ما زالت الموسيقى قادرة على المقاومة في زمن الاستهلاك؟ وهل يمكن أن يولد "فيلا كوتي" جديد من رحم سبوتيفاي ويوتيوب؟

ربما؛ حين تُطفأ الأضواء ويُعاد تشغيل الإيقاع من جديد، سنسمع الجواب.الموسيقى في أفريقيا لم تكن يومًا ترفًا، بل سجلًّا حيًا للمقاومة والذاكرة. من رحم الإيقاع خرجت أغنيات كانت أداة للوعي، ووسيلة لحشد الناس، ومرآة للظلم.

لكن في زمن العولمة، وتسليع الفن، وخوارزميات المنصات الرقمية، يبدو الصوت السياسي كما لو أنه يهمس في سوقٍ صاخبة. لم تختفِ القضايا، لكنها صارت محاصرة بقواعد لعبة جديدة تُفضل الإيقاع السريع على المعنى العميق. فهل ما زالت الموسيقى قادرة على أن تكون سلاحًا في زمن يُكافَأ فيه النسيان؟ وهل يمكن لصوت مثل فِيلا كوتي أن يولد من قلب “سبوتيفاي” و”يوتيوب”؟

ربما الجواب لا يكمن في الأغنية وحدها، بل في الأذن التي تختار أن تصغي.