تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 15 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
ثقافة

"إيض إيناير".. حين يزدهر التاريخ في كف "أفگان"

14 يناير, 2026
الصورة
"إيض إيناير".. حين يزدهر التاريخ في كف "أفگان"
Share

عند مطلع كل سنة أمازيغية لا يحتفي الأمازيغ بالزمن كرقم عابر بل بوصفه امتدادا للذاكرة والوعي والهوية، فاحتفالات "إيض إيناير" ليس ذكرى تًستعاد أو تخليدا عابرا، بقدر ما هي فعل مقاومة ثقافية تجدد الرابطة الأزلية بين الإنسان والأرض. إنها لحظة مصالحة مع الجذور الضاربة في عمق التاريخ، معلنا أن الزمن ليس مجرد تعاقب للفصول، بل تجديدا لميثاق الوفاء للذاكرة الجماعية، ولحظة لغرس بدور الهوية والانتماء في الأجيال الجديدة.

من ضفاف المتوسط شمالا إلى رمال الصحراء الكبرى جنوبا، ومن سيوة المصرية شرقا حتى جزر الكناري الغارقة في الأطلسي غربا؛ توحد الأمازيغ بحر الأسبوع الجاري للاحتفال بـ "إيض يِنّاير"؛ أي رأس السنة الأمازيغية الذي يصادف 13 من يناير، معلنا بداية عام جديد من الموروث الثقافي العريق.

كلمة "يناير" مشتقة في اللسان الأمازيغي من تركيب لفظي يجمع بين "يَان" التي تعني واحد، و"إِير" بمعنى الشهر، بذلك يكون معنى حاصل الجمع بينهما "الشهر الأول". ويُعرف هذا الموعد أيضا بـ "إيخف أوسگاس"، أي رأس السنة. ورغم تعدد المسميات، إلا أنها تلتقي جميعا عند ذات الرمزية؛ فهي تُعلن حلول أول شهر في التقويم الزراعي الذي توارثته الأجيال عن الأجداد.

تراتيل البقاء: الإنسان والأرض واللغة

تجسدت علاقة الأمازيغي بالأرض كعناق أبديّ تجاوز حدود المعاش إلى رحاب القداسة؛ فلم تكن الفلاحة لديهم مجرد حرفة لطلب الرزق، بل كانت طقسا هوياتياً انصهرت فيه الذات بالتربة، واستحالت فيه الحقول إلى مسرح للأساطير الحية التي تروي حكاية الوجود.

لقد صاغ الأمازيغ من طين الأرض ونسغ الأشجار ثقافة ضاربة في العمق، بلغت من النضج والابتكار مبلغا جعل من تقنياتهم في الإنتاج وفنونهم في التخزين منارة فلاحية، وقبلة لافتقاد الخبرة من قبل شعوب المتوسط، الذين رأوا في عبقرية "إيمازيغن" توازنا مذهلا بين تطويع الطبيعة وتقديس عطائها.

تفرض التقاليد أن يتم تضمين "نواة" (عظم) تمر في إحدى هذه الأطباق التي تتناول بشكل جماعي في وجبة العشاء. ويعتبر الشخص الذي يعثر عليها سعيد الحظ وميمونا، وتمنح له مفاتيح المخزن "الخزين" استشرافا للأمل في مستقبل يكون فيه الموسم الفلاحي القادم مزدهرا وغنيا

في فضاءِ الهوية الرحب، يبرز شعار الثلاثي "أكال" (الأرض) "أفگان" (الإنسان) "أوال" (اللغة)، لا مجرد كلمات عابرة، بل سر وجود واستمرار إنسان تمازغا عبر العصور، والضمانة الأبدية لديمومة وجوده المتجذر في أعماق التاريخ، فهذا الثالوث تشكّل أبجدية الحياة في أبهى صُورها.

برزت المرأة الأمازيغية في هذا الركن المقدس من التاريخ حارسة أمينة على سراج الهوية، فغزلت بأناملها الرقيقة وبصيرتها النافذة من خيوط الصبر سياجا يحمي لغة الأجداد من الضياع وقيمهم وتقاليدهم من الاندثار، محولة تفاصيل حياتها اليومية إلى ملحمة وفاء خالدة لا يمحوها الزمن.

جذور التقويم الأمازيغي: من قمم الأطلس إلى شواطئ النيل

احتفالات "إيض إيناير" من الصور المجسدة لدور القوي للمرأة (الأم) بحرصها على تحويل الطقوس من مجرد عادات سنوية إلى نظام قيمي متكامل، تجاوز حدود الاحتفال بالماضي إلى فعل مقاومة ثقافية يضمن للأمازيغية مكانتها كجزء لا يتجزأ من الهوية الإنسانية.

استند الأمازيغ في تقويم يناير هذا إلى التقويم الفلاحي الذي يتبعه الفلاحون في الزراعة، لضبط مختلف علميات الزراعة من سقي وبذر وغرس، فشهر يناير يشكل نهاية موسم الحرث ومنتصف فصل الشتاء، بما يحمله إيحاء إلى المطر والخير والبركة. ويتزامن "إيض إيناير"، وفق هذا التقويم كذلك، مع نفاد مخزون المؤونة التي يحتفظ بها الفلاحون، تحسبا لفصل الشتاء، وتسمى بالأمازيغية "العاولت".

خلافا للتقاويم التي تقوم على أحداث دينية (الميلادي، الهجري...)، ينفرد التقويم الأمازيغي بجذوره الضاربة في تاريخ شمال أفريقيا. فهو يمزج بين تخليد واقعة تاريخية وبين الارتباط بالأرض والطبيعة، حيث يتزامن مع بداية الموسم الفلاحي. ويعكس هذا الاحتفال تفاؤل الناس بقدوم عام مليء بالنماء والبركة، آملين في جني حصاد وفير يعم خيره على الجميع.

عودا إلى عتمة الزمان البعيد نكتشف أصل عام 2976 في التقويم الأمازيغي، الذي اقترن بواقعة غيرت وجه الأحداث بشمال القارة الأفريقية، حيث تتحدث الأسفار التاريخية عن حدث دخول الأمازيغ من قلب شمال أفريقيا إلى مصر الفرعونية، بعد معركة حاسمة على ضفاف النيل انتهت بانتصار أمازيغي مؤزر أذعنت له تيجان الفراعنة.

برزت المرأة الأمازيغية في هذا الركن المقدس من التاريخ حارسة أمينة على سراج الهوية، فغزلت بأناملها الرقيقة وبصيرتها النافذة من خيوط الصبر سياجا يحمي لغة الأجداد من الضياع وقيمهم وتقاليدهم من الاندثار

منذ تلك اللحظة، لم يعد الأمازيغ ضيوفا على النيل، بل أسيادا لعرشه، حيث تربعوا على سدة الحكم لثلاثة عصور متتالية، بدأت ببزوغ فجر الأسرة 22، بقيادة المؤسس شيشونع، ( ما بين 950 حتى 817 قبل الميلاد)، وتعاقب على حكم مصر في حقبة هذه الأسرة تسعة ملوك أمازيغ (شيشونج I، تاكلوت I، أوسركون II، شيشونج II، تاكلوت II، شيشونج III، باماي، وشيشونج IV).

أعقبها حكم الأسرة 23 الذي امتد قرابة القرن من الزمن (منذ عام 817 حتى 730 قبل الميلاد)، وتداول على عرشها ستة ملوك نقشت أسماؤهم في ذاكرة النيل (بادي باست، شيشونج V، أوسركون III، تاكلوت III، أمنرود، أوسركون IV). ليختم الأمازيغ حكمهم مع الأسرة 24 التي لم لم تدم طويلا؛ (ما بين 730 و715 قبل الميلاد)، وتعاقب عليها ملكان فقط، (تاف ناختي I، باكن رع نف الملقب بـ "بوكوريوس").

من بين أهم الآثار التاريخية المصرية التي تدل على هذه مرور الأمازيغ في بلاد مصر، وحكمهم لها نذكر: قوس النصر في مدينة الكرنك، وقبر الأسرة الأمازيغية المالكة 22 في مدينة "تل بسطا" قرب الزقازيق في محافظة الشرقية.

حكايات المائدة الأمازيغية: نواة الحظ وطقوس "تاگلا"

بعيدا عن هذا التاريخ الضارب في القدم، وعودا إلى الراهن للبحث في الممارسات الثقافية، نجد جملة من القواسم المشتركة في الاحتفالات والطقوس التي يقيمها الأمازيغ بهذه المناسبة، التي تبرز الاحتفاء بخصوبة الأرض، وبالتطلع لأن تكون السنة الأمازيغية الجديدة سنة خصب ونعم، ما يزكي الأطروحة التاريخية التي تربط السكان الأمازيغ بالأرض؛ إذ نجد في معظم تلك الممارسات روابط متينة للعلاقة المتجذرة بين هذا الإنسان والأرض.

لقد صاغ الأمازيغ من طين الأرض ونسغ الأشجار ثقافة ضاربة في العمق، بلغت من النضج والابتكار مبلغا جعل من تقنياتهم في الإنتاج وفنونهم في التخزين منارة فلاحية، وقبلة لافتقاد الخبرة من قبل شعوب المتوسط

مع إشراقة فجر "إيض إيناير" تدب في أرجاء البيوت حركة غير معهودة؛ فأنامل الأمهات لا تهدأ، يفتشن في الخبايا والمخازن عن "إمسطيرن"؛ كل شيء نفيس وذخيرة غالية. تَراهنّ في سباقٍ مع الزمن ليُخرجن أجمل ما جادت به المقتنيات لتزيين مائدة العشاء؛ فمن أوانٍ عتيقة وأطباقٍ زاهية، إلى حليٍّ تتلألأ وملابسَ تفيضُ بالأصالة. إنها لحظاتٌ استثنائية في وجدان الإنسان الأمازيغي، حيث تكتسي هذه المناسبة هيبةً خاصة، وتغدو طقسا مقدسا يحتفي بالأرض والهوية.

من جملة الأطباق الأساسية التي تزين مائدة الاحتفاء ب"إيض يناير" لدى الأمازيغ يبرز طبق "تاگلا" (العصيدة) كعنوان للكرم بمكوناته البسيطة التي ترتبط بالأرض؛ من طحين الذرة أو الشعير والماء والزبدة والعسل وزيت الأرگان والزينون، وباقي مكونات التزيين من تمر ولوز وجوز. ولا تكتمل المائدة إلا بطبق "أوركيمن" وهو حساء من الخضر المتنوعة التي تجود بها الأرض في فصل الشتاء البارد. ويبقى "البْسِيس" ثالث الأطباق الرئيسية في عشاء هذه الليلة، وهو طحين يبلل وفتل ويمزج بعد ذلك بالعسل وزيت الأرگان.

طبعا، تفرض التقاليد أن يتم تضمين "نواة" (عظم) تمر في إحدى هذه الأطباق التي تتناول بشكل جماعي في وجبة العشاء. ويعتبر الشخص الذي يعثر عليها سعيد الحظ وميمونا، وتمنح له مفاتيح المخزن "الخزين" استشرافا للأمل في مستقبل يكون فيه الموسم الفلاحي القادم مزدهرا وغنيا، كما يحدد كبير الأسرة - الجد أو الأب - قبل الشروع في تناول هذه الأكلة هدية صاحب الحظ، وتكون غالبا رأسا من قطيع الماشية أو شجرة أو غلة فدان تمنح له.

في صباح اليوم الأول من العام الأمازيغي تخرج النساء بأطباق فيها القليل من "البسيس" غير المملح إلى مكان خارج القرية، ويتركنه في مكان بعيد دون أن أي حديث بعد وضعه في المكان، وتسمى العملية "أصيفض" أي الإرسال أو الزفة. وفي طريق العودة تمر على الحقول لجمع الأعشاب، إعلانا بافتتاح السنة الأمازيغية الجديدة... و"أسگاس أماينو إغودان".