الأحد 12 يوليو 2026
أول مرة قرأت فيها عن الإيبولا قراءة حقيقية، لا تلك الجملة العابرة في كتاب الميكروبيولوجي التي تمر عليها مرور الكرام، كانت في نص يصف كيف أن فرقة استجابة طبية دولية وصلت إلى قرية في غينيا عام 2014 لتجد مقاومة عنيفة من الأهالي.
لم يكن الأهالي جهلاء، ولم يكونوا عدوانيين بالفطرة. كانوا ببساطة يحرسون شيء لا يفهمه الغرباء القادمون بملابسهم الواقية البيضاء التي تجعلهم يبدون كفضائيين، نعم كانوا يحرسون حق الوداع الأخير. هذا هو قلب المسألة، وكل ما سيأتي بعده ليس إلا تفصيل لهذا القلب.
اكتشف الإيبولا عام 1976 في مكانين في نفس الوقت تقريبا -السودان والكونغو الديمقراطية- وكأن الطبيعة أرادت أن تعلن عن شيء جديد باستدعاء مزدوج. منذ تلك اللحظة، والفيروس يظهر ويختفي ويعود، متسربا بصورة دورية من مستودعه الحيواني المجهول إلى البشر في دول أفريقية متعددة، حتى بلغ قمته في الفترة من 2014 إلى 2016 حين تجاوزت الحالات 28 ألفا في غرب أفريقيا.
ما يفعله الفيروس بالجسد ليس عشوائيا، بل هو ممنهج وهادئ في بدايته ثم مفاجئ في انقلابه. تبدأ فترة الحضانة من يومين إلى واحد وعشرون يوما، وأعراضه الأولى لا تختلف كثيرا عن إنفلونزا اعتيادية، حمى مفاجئة وصداع وألم عضلي وقيء وإسهال، ثم يتحول المشهد فجأة نحو النزيف من مواقع الإبر والجهاز الهضمي والأغشية المخاطية، وللأسف ينتهي في أسوأ صوره بالغيبوبة والصدمة وفشل الأعضاء المتعددة.
العنف لم يكن جنونا منهم، بل كان رسالة مجتمعات قرأت في وصول هؤلاء الغرباء تهديدا لا إنقاذا، لأن الدولة في تلك المناطق لم تُبنَ يوما على رصيد من الثقة بل على تاريخ طويل من الإخضاع والإهمال
معدل الوفيات ليس رقما إحصائيا باردا، بل قرار تتخذه الطبيعة بلا استئذان. تتراوح نسبة الوفيات بين 25٪ و90٪ حسب سلالة الفيروس ومستوى الرعاية الصحية المتاحة، مع متوسط عالمي يقترب من 50٪. بمعنى أن جلوسك في غرفة انتظار مستشفى ريفي في الكونغو الديمقراطية أو في مركز متخصص في أوروبا يحد - قبل أي قرار طبي - نصف فرصتك في البقاء.
وما يميز إيبولا عن سائر الأوبئة الكبرى في التاريخ الحديث ليس فتكه المباشر بل طريقة انتقاله. لا ينتقل عبر الهواء كالإنفلونزا، ولا عبر المياه كالكوليرا، بل يحتاج إلى تلامس مباشر مع دم المصاب أو إفرازاته أو سوائل جسده، وكذلك مع الأسطح الملوثة. وهذه النقطة بالذات هي مفتاح فهم كيف أصبحت طقوس الحزن الأكثر إنسانية في غرب أفريقيا القناة الأوسع لانتشاره.
يوجد سؤال مهم، لم تستطع بروتوكولات الصحة العامة الإجابة عنه باكرا بما يكفي: لماذا يواصل الناس ممارسة طقوس يعرفون "أو يُقال لهم" أنها خطرة؟ الإجابة ليست في الجهل. الإجابة في شيء أعمق وأصعب في التفاوض معه.
في غرب أفريقيا، يؤمن الناس بأن أداء طقوس الجنازة يرسخ الرابطة بين الأحياء وأرواح الأجداد، وأنه يُمكّن من تلقي الهبات الروحية من الموتى. وتشمل هذه الطقوس غسل الجسد وتنظيفه، وغسل الأيدي في وعاء مشترك بعد ملامسة وجه المتوفى، والاستلقاء فوق جثة شخص بارز تعبيرا عن الولاء والمحبة.
المعادلة الحقيقية لم تكن يوما؛ علم في مواجهة ثقافة. كانت دائما: كيف يُصغي العلم لما تحمله الثقافة من معنى إنساني راسخ، ويبني حلوله فوق تلك الكرامة لا ضدها
تخيل يا عزيزي أن يقال لك: "أمك ماتت، ولا يحق لك لمسها، ولا غسلها، ولا توديعها كما علمتك أمها وعلمتها جدتها". ثم يأتيك غريب في بدلة واقية يقول لك: "هذا لأجل سلامتك". ما الذي ستشعر به؟ هل ستطيعه؟
حين يموت شخص بالإيبولا، يظل جسده معدي بشدة لأيام سبعة تقريبا بعد الوفاة، والفيروس يستمر في الانتشار عبر سوائل الجسد. وتُقدّر منظمة الصحة العالمية أن ممارسات الجنازة ربما أسهمت في 80٪ من الحالات في سيراليون، وقرابة 60٪ من حالات غينيا.
في ليبيريا وسيراليون مثلا كان بعض المُعزّين يستحمون بماء الغسيل المستخدم في تطهير الجثث أو يدهنون به الآخرين. وكان الأتباع المقربون من الشخصيات البارزة يرقدون أحيانا بجوار جثة شديدة العدوى لعدة ليالي، إيمانا منهم بأن ذلك يتيح لهم امتصاص حكمة الراحل وقوته.
هذا ليس تخلفا بل إيمان راسخ بأن للموت كرامة لا تساوم، وأن للأحياء دينا يجب سداده لمن ماتوا. الطب الحديث لم يفهم هذا باكرا بما يكفي، ودفع البشر ثمن هذا سوء الفهم بأرواح كانت تستحق البقاء.
واجهت فرق منظمة الصحة العالمية في المناطق النائية مقاومة عنيفة تراوحت بين الاعتداء اللفظي والجسدي وصولا إلى القتل، حين حاولت عزل المرضى أو نقل الجثث لمنع انتشار العدوى كل، وذلك نتيجة افتقار المستجيبين لفهم حقيقي للمعتقدات الدينية والروحية والتقليدية للمجتمعات المحلية.
العنف لم يكن جنونا منهم، بل كان رسالة مجتمعات قرأت في وصول هؤلاء الغرباء تهديدا لا إنقاذا، لأن الدولة في تلك المناطق لم تُبنَ يوما على رصيد من الثقة بل على تاريخ طويل من الإخضاع والإهمال. الرجل القادم بملابس واقية ليأخذ جثة أمك ويدفنها دون أن يأذن لك بالوداع لا يبدو منقذاً يبدو مصادِراً.
بعد مواجهة هذه المقاومة، بدأت منظمة الصحة العالمية والمنظمات الدولية والحكومات في تطوير برامج توعية ميدانية وتطبيق ممارسات دفن آمنة وكريمة مقبولة من الناحية الثقتفية. كان ذلك اعترافا متأخرا، لكنه ضروري بأن الحل العلمي وحده لا يوقف وباءا، الثقة هي الدواء الأول وبغيرها لا تصل العلاجات إلى من يحتاجها.
توجد مأساة أخرى لا تظهر في منحنيات الانتشار ولا في أعداد الوفيات. مأساة الذين هزموا الفيروس بأجسادهم، فعادوا ليجدوا مجتمعاتهم تهزمهم من جديد بطريقة مختلفة.
كثير من الناجين لم يُقبَلوا من جديد في مجتمعاتهم، وكانت احتمالية النبذ الاجتماعي عالية، إذ اضطر كثيرين منهم إلى مواجهة حياة اجتماعية بالغة الصعوبة. فبينما يلقى بعض الناجين ترحيب حار عند عودتهم، يواجه غالبيتهم التمييز والوصمة والرفض من مجتمعاتهم.
تعلم الطبيب أن الإنسان لا يعيش بجسده فحسب، بل بانتمائه وطقوسه وطريقته في توديع من أحب. وأن نظام الصحة العامة حين يُعامل المجتمع كمتلق سلبي لتعليمات مُقدَّمة من علو، يُنتج في أحسن الأحوال لا مبالاة، وفي أسوأها عداء يقتل
المفارقة المؤلمة هنا ليست فلسفية إنها عملية وقاتلة. لأن هذه الوصمة تدفع المريض في التفشيات اللاحقة إلى إخفاء أعراضه وتجنب مراكز العلاج، لأنه يعرف أن الشفاء يعني العودة إلى مجتمع لن يرحب به. ففضل في ثقافة ما أن يموت بين أهله على أن يُشفى ليُنبذ.
امتدت هذه الوصمة لتطال العاملين الصحيين أنفسهم ففي تفشي غرب أفريقيا، اعتقد أن الخوف والوصمة الاجتماعية أسهما في وفاة ثمانية من الكوادر الصحية. الطبيب الذي يعود إلى حيه بعد يوم عمل في وحدة العزل لا يحمل شارة شرف يحمل في عيون الخائفون علامة تحذير.
الخطأ الذي تكرر في كل تفشي كبير لإيبولا هو الخطأ نفسه افتراض أن المشكلة معلوماتية، وأن الحل هو نقل المعلومة الصحيحة إلى "الناس الجاهلين". هذا الافتراض لا يُخطئ في قراءة الحل فحسب بل يخطئ في قراءة المشكلة من أصلها. السيطرة الحقيقية على التفشي تعتمد على حزمة تدخلات متكاملة، إدارة الحالات، وممارسات الوقاية من العدوى، والترصد وتتبع المخالطين، وخدمات المختبرات، والدفن الآمن والكريم، والتعبئة الاجتماعية جنبا إلى جنب.
"الدفن الآمن والكريم" مصطلح إجرائي بارد، لكنه في الحقيقة نتاج درس باهظ الثمن، لأن الكرامة ليست امتيازا يمكن تأجيله في أوقات الأزمات، بل هي الجسر الوحيد الذي يصلك بثقة المجتمع، وبلا تلك الثقة لا تُوزَّع لقاحات، ولا يكتشف مريض، ولا توقف سلسلة عدوى.
تعلم الطبيب أن الإنسان لا يعيش بجسده فحسب، بل بانتمائه وطقوسه وطريقته في توديع من أحب. وأن نظام الصحة العامة حين يُعامل المجتمع كمتلق سلبي لتعليمات مُقدَّمة من علو، يُنتج في أحسن الأحوال لا مبالاة، وفي أسوأها عداء يقتل.
المعادلة الحقيقية لم تكن يوما؛ علم في مواجهة ثقافة. كانت دائما: كيف يُصغي العلم لما تحمله الثقافة من معنى إنساني راسخ، ويبني حلوله فوق تلك الكرامة لا ضدها.
هذا ما يفرق الطب عن علم الأحياء، وهذا ما يجعل الوباء امتحان لا للجهاز المناعي في الجسد وحده، بل للجهاز المناعي في المجتمع "الأسرة" والمجتمع ككل، بكل ما فيه من تعقيد وهشاشة.