الخميس 22 يناير 2026
يعد إقليم أودل، الذي يتبع لجمهورية صوماليلاند التي أعلنت انفصالها عن بقية الصومال، إقليما ذا أهمية كبيرة، وأصبح في الآونة الأخيرة يستقطب اهتماما متزايدا على المستويين الإقليمي والدولي، بفضل موقعه الاستراتيجي الذي يجاور دولتين، ويتمتع بأهمية عسكرية واقتصادية خاصة. إحدى هاتين الدولتين تسعى جاهدة للحصول على منفذ بحري، في حين تخشى الأخرى من المنافسة المحتملة التي قد تفرضها موانئ المنطقة القريبة. إلى جانب ذلك، هناك اهتمام دولي من قوى إقليمية مثل: الإمارات ومصر وتركيا وإسرائيل، التي تسعى إلى تعزيز وجودها عبر إنشاء قواعد عسكرية، وتنفيذ أهداف استراتيجية انطلاقا من موقع الإقليم المطل على مدخل البحر الأحمر.
فيما يتعلق بإثيوبيا، فهي تمارس ضغوطا على جارتيها؛ الصومال وإريتريا، بهدف تأمين منفذ بحري. أما بالنسبة إلى الصومال، فجهودها تتركز على إقليم أودل عبر التفاوض مع صوماليلاند التي تسعى بشدة للحصول على اعتراف إقليمي ودولي، غير أن ذلك خلق أزمة مع الحكومة الفيدرالية في مقديشو. هذه الأزمة دفعت الصومال إلى التحالف مع مصر، التي قدمت لها دعما دبلوماسيا ملحوظا، وتحركت ضد إثيوبيا على مستوى الاتحاد الأفريقي، حتى وصل الأمر إلى التهديد بنقل مقر الاتحاد إلى دولة أخرى، واستثناء القوات الإثيوبية من بعثة القوات الأفريقية الداعمة للحكومة الفيدرالية في الصومال. كل تلك التطورات أجبرت إثيوبيا على تعديل مواقفها بشكل ملحوظ.
هذه التحولات تزامنت مع تغيير في القيادة السياسية داخل صوماليلاند، حيث أبدت الحكومة الجديدة تحفظا على الاتفاقية التي وقعتها الإدارة السابقة مع إثيوبيا، مطالبة بمراجعتها. كما أنها لم تشعر بالارتياح تجاه الغموض المحيط بهذه الاتفاقية، مشددة على أن أي اتفاق مع إثيوبيا لا يمكن أن يقتصر على المصالح التجارية فقط، بل يجب أن يتضمن اعترافا رسميا باستقلال صوماليلاند.
شهدت حكومات حسن شيخ محمود، في فترتي حكمه، تغيرات واضحة في موقفها تجاه صوماليلاند؛ ففي البداية تبنت سياسة التفاوض معها لإيجاد حلول للقضايا العالقة، إلا أن هذا النهج تغير عقب توقيع مذكرة تفاهم بين صوماليلاند وإثيوبيا.
منذ ذلك الحين، تحاول إثيوبيا تعزيز نفوذها في الإقليم من خلال الدخول من البوابة الخلفية، إذ تدعم العشيرة التي تشكل الأغلبية في الإقليم، مستغلة دعم جيبوتي للعشيرة المنافسة. كما تسعى إلى استغلال أي فراغ حكومي أو أمني يسمح لها بزيادة تدخلها، وتحقيق مطامعها البحرية في الإقليم.
تعد جيبوتي دولة صغيرة ذات موارد محدودة، ويعتمد اقتصادها بشكل رئيسي على موانئها التي تخدم إثيوبيا، بالإضافة إلى استضافتها قواعد عسكرية ولوجستية تابعة لقوى عالمية. لهذا السبب تقف جيبوتي ضد فكرة اعتراف صوماليلاند لما له من تأثيرات اقتصادية وأمنية. وقد تفاقمت أزمتها مع هرجيسا عندما وقع الرئيس السابق، موسى بيحي، مذكرة تفاهم مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، وهي المذكرة التي أثارت استياء كل من الصومال وجيبوتي على حد سواء. وقد سعت الأخيرة إلى توحيد عشيرتي غدبورسي والعيسى المتمركزتين في إقليم أودل ضد إدارة موسى بيحي، وعلى الرغم من أن رئيس جيبوتي ينحدر من العشيرتين، فإن سياساته تعكس تعصبا تجاه عشيرة العيسى، ما تسبب في توتر علاقاته مع الطرف الآخر الذي تنتمي إليه والدته.
حاولت جيبوتي مجددا، في إطار سعيها لفرض إرادتها، توحيد عشيرتي غدبورسي والعيسى باستخدام ورقة ولاية أودال، ملوحة بإدراجها ضمن النظام الفيدرالي الصومالي، كوسيلة للضغط على موسى بيحي للتراجع عن الاتفاق مع إثيوبيا، مستعينة في ذلك بدعم الحكومة الصومالية.
حاول عبد الرحمن عيرو، بعد تولي الحكم في صوماليلاند، تحسين العلاقات مع شيوخ عشيرة سامرون المقيمين في المنفى، ونجح في إعادتهم إلى مدينة بورما، عاصمة الإقليم. هذا التقارب أزعج جيبوتي، ما دفعها إلى تعبئة عشيرة العيسى القاطنة بين زيلع وجيبوتي لبسط السيطرة على مدينة زيلع. وكانت هذه الخطوة جزءا من استراتيجية أوسع لإنشاء حزام أمني للحد من أي تحركات إثيوبية أو إماراتية تهدف إلى إنشاء ميناء في الإقليم القريب منها.
تقف الحكومة ـ في ملف أودل ـ في صف جيبوتي، ولذلك يدرك سكان الإقليم أن الحصول على اعتراف الحكومة الفيدرالية لن يكون ممكنا حتى في حال تحررهم من صوماليلاند، الأمر الذي يدفعهم إلى رفض فكرة خوض حرب لا تجلب سوى الخراب والدمار
عبد الرحمن عيرو، المعروف بتردده في اتخاذ القرارات الحاسمة، وجد نفسه مضطرا للخضوع لضغوط جيبوتي بتنظيم مناسبة لعشيرة العيسى في زيلع، إلا أن هذه الخطوة أثارت حفيظة عشيرة سامرون، ما أدى إلى احتجاجات في عاصمة الإقليم اضطر خلالها الرئيس إلى التراجع عن تنظيم المناسبة، الأمر الذي أعاد الاستقرار إليها بعد فترة من الاضطرابات.
شهدت حكومات حسن شيخ محمود، في فترتي حكمه، تغيرات واضحة في موقفها تجاه صوماليلاند؛ ففي البداية تبنت سياسة التفاوض معها لإيجاد حلول للقضايا العالقة، إلا أن هذا النهج تغير عقب توقيع مذكرة تفاهم بين صوماليلاند وإثيوبيا. وقد جرت آخر محاولات التفاهم في جيبوتي خلال لقاء جمع الرئيسين، حيث كشف موسى بيحي للرئيس الجيبوتي عن نيته توقيع اتفاقية مع إثيوبيا، لكن هذه المحاولة فشلت بعدما أصر بيحي على أن تعترف الحكومة الصومالية باستقلال صوماليلاند، وإلا فإنها ستلجأ إلى إثيوبيا للحصول على اعتراف منها مقابل منحها منفذا بحريا في أودل.
في المقابل، ردت الحكومة الصومالية بالاعتراف بإدارة خاتمو ولاية فيدرالية بعدما خرجت من سيطرة صوماليلاند، مع أن الحكومة كانت غير مكترثة بهذه الإدارة خلال فترة حربها مع صوماليلاند. أما فيما يخص ملف أودل، فإن الحكومة تقف في صف جيبوتي، ولذلك يدرك سكان الإقليم أن الحصول على اعتراف الحكومة الفيدرالية لن يكون ممكنا حتى في حال تحررهم من صوماليلاند، الأمر الذي يدفعهم إلى رفض فكرة خوض حرب لا تجلب سوى الخراب والدمار.