الجمعة 17 أبريل 2026
تعيش أوغندا في السنوات الأخيرة على وقع تجاذبات داخلية، تنذر بمستقبل مجهول مع تراخي قبضة الرئيس يوري موسيفيني؛ الشيخ (81 عاما) الذي يحكم البلاد منذ عام 1986. أنهى الرجل تعاقبا على السلطة، اشترك فيه رجال السياسية وقادة الجيش، استمر لنحو ربع قرن، بدء مع الملك موتيسه الثاني (1962-1966) وصولا إلى تيتو أوكيلو (1985-1986) الذي أمضى في الحكم ستة أشهر فقط.
لقد صار كل ذلك جزءا من التاريخ السياسي في أوغندا، فالرئيس موسيفيني مصمم على استعادة أمجاد الملكية التي ظهرت هناك مند القرن 13 الميلادي، فالرئيس يقضي ولايته السادسة في الحكم بدون انقطاع، مند توليه السلطة أواسط عقد الثمانينيات من القرن الماضي، ما جعل عددا من التقارير الإعلامية تصف أوغندا بواحدة من "أشد الديكتاتوريات الأفريقية قسوة".
وصف عززته الأحداث المتلاحقة في المشهد السياسي، لا سميا تصرفات ابن الرئيس، الذي يجد أعضاء الحكومة أنفسهم حيال مأزق كبير في سعيهم لتبريرها. في المقابل منح شرعية أقوى ومصداقية أكبر لخطاب المعارضة التي لا يتوانى النظام الحاكم، وتحديدا مؤسسة الجيش، في قمعها والتنكيل بأعضائها، ومن تحسبهم السلطة كذلك، في كل مناسبة وحتى بدونها.
أثارت اعتراف قائد الجيش ونجل الرئيس موهوزي كينيروجابا العلاني، بشكل مباشر، على حسابه في منصة X بإقدامه شخصيا على اعتقال أحد عناصر المعارضة. يتعلق الأمر تحديدا بحادثة توقيف الناشط السياسي إيدي موتوي الذي يتولى مهمة الحراسة الشخصية لزعيم المعارضة روبرت كياغولاني المشهور باسم "بوبي واين".
تعود تفاصيل الواقعة إلى يوم 27 أبريل/ نيسان الماضي، حيث قامت سيارة شرطة تعرف شعبيا ب"الطائرة المسيرة" بها مجموعة مسلحة، من الأفراد بلباس مدني وعسكري، باختطاف إدوارد سيبوفو، المعروف باسم "إيدي موتوي" في مدينة كيوانغو وسط البلاد، واقتياده إلى مكان مجهول.
لاحقا، تبين أن موتوي كان في "ضيافة" الجنرال ابن رئيس البلاد الذي غرد بأن جنوده "أسروا سيبوفو" مضيفا بأسلوب تهكمي مفعم بالاستعلاء، أنه "سيبدو أنيقا للغاية هذه الأيام" بعد أن حلق "ابني" لحيته؛ في إشارة إلى جنوده الصغار. وقد بلغت البطش رئيس أركان الجيش الأوغندي درجة قيامه بنشر صورة شخصية للمختطف، يظهر فيها نصف عار وحليق الذقن.
وجدت الحكومة نفسها عاجزا عن تبرير ما حدث، بعدما ظهر المختطف أمام المحكمة بعد يوم على اختفائه، في حالة ضعيفة بشكل واضح وعليه علامات تعذيب. كما جاء في بيان لوزارة العدل، حمل توقيع الوزير نوربرت مار، "إن إحضار المشتبه بهم المحتجزين والوحشية والتعذيب أمام محاكم القانون هو إساءة استخدام للعمليات القضائية"، دون أن يوجه الوزير أي كلمة إلى الجهة المسؤولة عن الواقعة، لأنه - وهو حديث عهد بالوزارة (2022) – يدرك قصور سلطته أمام مؤسسة الجيش.
وجدت الحكومة نفسها عاجزا عن تبرير ما حدث، بعدما ظهر المختطف أمام المحكمة بعد يوم على اختفائه، في حالة ضعيفة بشكل واضح وعليه علامات تعذيب
الجميع يعلم أن ما جرى رسالة مباشرة من قائد الجيش إلى قوى المعارضة، فقائد أوغندا في المستقبل لا يقوى على تحمل أي صوت بعيدا عن الخطاب الرسمي، لذا كان لغته صريحة ومباشرة، وكأنه يخاطب العبيد وليس أفرادا يتشارك معهم رابط المواطنة، قائلا: "إذا استمرا في استفزازنا، سنعاقبهم بشكل أكبر".
يحاول الزعيم المقبل لأوغندا إذن أن يرسخ صورة عنه في الذاكرة الأوغندية، غير مبال بالقواعد والأدبيات والبرتوكول... مما يحرص الزعماء عادة على التمسك به، ولو ظاهريا، فحسابه على منصة X يكشف الكثير عن شخصيته، فقد كتب بأن "موتوي قُبض عليه مثل الجنادب"، ثم أضاف في تهديد صريح لكل المعارضين "إنه في قبو منزلي.. أنت التالي!"، في إشارة إلى زعيم المعارضة بوبي واين.
لم تكن هذه المرة الأولى التي يثير فيها كينيروجابا الجدل في البلد، وحتى في الخارج مع أكثر من دولة في الجوار. ففي شهر مارس/آذار 2023 أبدى رغبته في الترشح لرئاسيات 2026، حين علق قائلا: "لم يحكم أي مدني أوغندا بعد الرئيس موسيفيني. قوات الأمن لن تسمح له بذلك. الزعيم المقبل سيكون جنديا أو شرطيا"، قبل أن يتراجع عن معربا عن دعم والده، وإن لم يعلن بعد عزمه السعي لولاية سابعة.
إقليميا، كان الرجل سببا في أزمات دبلوماسية مع أكثر من دولة في المنطقة، فأغضب الكينيين حين هددهم في تغريدة بقوله: "لن يستغرق الأمر معي ومع جيشي أكثر من أسبوعين للاستلاء على نيروبي عاصمة كينيا"، ثم أضاف متحديا "بعد أن يستولي جيشنا على نيروبي، أين أعيش؟ ويستلاندز؟ ريفرسايد؟".
وقد سبق للرجل أن أعلن في 17 ديسمبر/ كانون الأول 2024، عن قدرة الجيش الذي يتولى قيادته، تحقيق الاستقرار في السودان، فكتب على حسابه "سنتمكن من الاستيلاء على الخرطوم بدعم من الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقب تسلمه رئاسة الولايات المتحدة. سوف تنتهي هذه الفوضى في السودان قريبا". لكن سرعان ما حذف المنشور الذي تطلب تدخلا من جانب الحكومة الأوغندية التي اعتذرت رسميا عن تصريحات نجل الرئيس باجتياح الخرطوم.
لم يحكم أي مدني أوغندا بعد الرئيس موسيفيني. قوات الأمن لن تسمح له بذلك. الزعيم المقبل سيكون جنديا أو شرطيا
كانت أحدث خرجة الجنرال الصاعد، في 16 فبراير/ شباط الماضي، حين هدد بمهاجمة بلدة بونيا في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، إذا لم تستسلم جميع القوات في المنطقة. ما أثار حينها مخاوف شديدة من اندلاع نزاع مسلح بين البلدين، في وقت تشهد فيه المنطقة تصاعدا حدة الصراع بين الجيش الكونغولي ومتمردي حركة "إم 23".
تدخل الرئيس شخصيا لإعفاء ابنه بسبب التغريدات الطائشة، وتوالي السقطات التي جعلت زعيم المعارضة بوبي واين يفتح جبهة معه على منصة X حين علق بقوله: "تشرب حتى الثمالة وتكتب تغريدات هراء في منتصف الليل، استمر أيها القاتل، دع العالم يعرفك حقا". لكن سرعان ما أعاده إلى الجيش، حيث عينه بتاريخ 21 مارس/ آذار 2024 في منصب رئيس قوات الدفاع الشعبي، وهي أعلى رتبة عسكرية في البلاد.
كتب كينيروجابا تغريدة غامضة، مشحونة برسائل لأكثر من جهة، يحضر من خلالها لوراثة الحكم عن أبيه، جاء فيها: "ثمة العديد من المسنين الذي يحكوننا، يهيمنون علينا. حان الوقت ليسطع نجم جيلنا". وأعقب ذلك إطلاق حركة "إم كا" (MK)، وذلك اختصارا للأحرف الأولى من اسم موهوزي كاينيرجايا، التي يدافع أعضاؤها على أحقية الرجل بأن يكون الرئيس المقبل للبلاد.
مشروع توريث السلطة في أوغندا لم يكن وليد اليوم، فبدايته تعود لعام 2013 وفقا للجنرال ديفيد سيجوسا تينيفوزا، أحد رموز المعارضة التي قضى أعواما في المنفى بالمملكة المتحدة قبل اعتقاله بتهمة العصيان والتمرد، ففي حديثه مع البي بي سي أكد أن مشروع (MK) سيجعل "أوغندا تتحول إلى مليكة سياسية".
لكن طريق الجنرال نحو سركي والده ليس سهلا، حسب ما نشرته "أفريكا أنتيليجنس" المختصة في الشأن الأفريقي، بتاريخ 10 سبتمبر/ أيلول 2024، إذ أكدت حدوث انقسام عميق داخل أسرة الرئيس موسيفيني، بين نجله الجنرال كينيروجابا وصهره أودريك راوابوغو.
لم يستبعد الصحفي أن يصل الأمر بالجنرال إلى اعتقال صهره، صاحب النفوذ السياسي والاقتصادي الواسع في البلاد
تعدى الصراع حدود القصر الرئاسي ليخرج إلى العلن في مواجهة بين الطرفين على منصات التواصل الاجتماعي، ففي 16أغسطس/ آب الماضي هاجم ابن الرئيس صهره واصفا إياه ب "أكبر لص في أوغندا" في منشور حذفه لاحقا. في الجهة الأخرى، تطوعت جماعة تطلق عليها نفسها اسم "تلاميذ أورديك روابوغو" النيابة عنه في الحرب الكلامية، معلقة على ما كتب بأنه "نوبات انفعالية من الحسد المزمن"، ثم وصفت كينيروجابا بأنه شخص "يعاني من إحساس شديد بالاستحقاق".
في تعليقه على الحادثة، لصحيفة أفريكا ريبورت، كتب موسازي ناميتي، المحلل السياسي الأوغندي، أن الشرخ داخل الأسرة الحاكمة في تزايد، مضيفا أن "الادعاء الذي قدمه كينيروجابا ضد راوابوغو خطير للغاية، وقد صدم الأوغنديين. لكن ذلك يبقى في النهاية دليلا على حجم التصدع في أوساط العائلة الحاكمة في كامبالا.
توقع الكثير من المراقبين من هذه الصراعات داخل القصر في أوغندا، فكل فرد من الأسرة سوف يستخدم نفوذه حين يشعر أن موسيفيني بدأ يفقد السيطرة على السلطة. فكتب الصحفي والمحلل السياسي الأوغندي أندرو مويندا، في مجلة إندبندنت المحلية، قائلا: "مع تقدم موسيفني في السن، تضاءلت قدرته على الاحتفاظ بالسيطرة بشكل كبير"، مضيفا أن "السلطة الآن شخصية للغاية، فقد وصل الصراع على النفوذ إلى مقر الدولة، مما أدى حتما إلى إثارة نزاعات عائلية، وأن كينيروجابا يستخدم كل أدواته لحسم الأمر مبكرا". ولم يستبعد الصحفي أن يصل الأمر بالجنرال إلى اعتقال صهره، صاحب النفوذ السياسي والاقتصادي الواسع في البلاد.
باستحضار ما سبق، يسهل إذن فهم حادثة اختطاف إيدي موتوي الحارس الشخصي للمعارض بوبي واين، بل وحتى تفسير تصرفات ابن الرئيس وقائد الجيش الجنرال موهوزي كينيروجابا الذي دخل في سباق مع الزمن لحسم معركة خلافة والده في السلطة. لكل ذلك تصبح رموز المعارضة محل استهداف، ومن على شاكلتهم من أمثال الكاتب كاكوينزا روكيراباشايجا الذي اعتقله الجيش وعذبه أواخر عام 2021، بسبب عمله الساخر "البربري الجشع"، قبل تقديمه للمحاكمة بتهمه "استخدام متكرر لتويتر لإزعاج فخامة رئيس أوغندا الجنرال يويري كاغوتا موسيفيني، دون أن يكون لهذه التغريدات أي مبرر مشروع".
هكذا تكون الرسالة واضحة من الزعيم المقبل لأوغندا ضمان انتقال الحكم من والده إليه، مهما كان الثمن والأدوات المستعملة لذلك، بعيدا عن أبسط القواعد التي تفرضها الديمقراطية، من برامج انتخابية وصناديق الاقتراع وحملة وتنافسية وهلم جرا مما يحتمه وصف الجمهورية التي يرنو الابن إلى تحويلها إلى ملكية في شرق أفريقيا.