الاثنين 13 أبريل 2026
لقد أسهمت مدن هرجيسا وجيجيغا ومقديشو في إعادة حقل الدراسات الصومالية إلى موطنه الطبيعي في القرن الأفريقي، من خلال استضافتها للمؤتمرات الثلاثة الأخيرة لرابطة الدراسات الصومالية الدولية (SSIA) في أعوام 2018 و2021 و2024 على التوالي. مثّلت هذه المؤتمرات لحظة فارقة في مسيرة هذا الحقل المعرفي، إذ جسّدت تحوّلاً نحو التمركز المحلي، وأبرزت تطور القدرات الأكاديمية، سواء على المستوى الفردي أو المؤسسي، داخل المنطقة الصومالية.
لم تقتصر أهمية هذه المؤتمرات على طابعها الرمزي، بل أتاحت فرصة نادرة لمشاركة باحثين صوماليين شباب، إلى جانب زملائهم من بلدان القرن الأفريقي، في نقاشات علمية كانوا غالباً ما يُستبعدون منها بسبب عوائق التأشيرات وشحّ الموارد المالية التي تعيق السفر إلى المؤتمرات الأكاديمية في الغرب.
اليوم، بعد مضي أربع سنوات على استضافة المؤتمر الرابع عشر في مدينة جيجيغا، أجد من الضروري أن أشارك هذه التجربة المتواضعة، وفتح نقاش جدي حول مستقبل رابطة الدراسات الصومالية الدولية، وإمكانيات تجديدها، وتعزيز دورها في المرحلة القادمة.
تأسست رابطة الدراسات الصومالية الدولية عام 1978 بفضل إصرار وجهود البروفيسور الراحل حسين محمد آدم (المعروف بتنزانيا). وكما أشار الباحث لي كاسانيلي، فقد وُلدت فكرة الرابطة في البداية بين مجموعة من الباحثين المتخصصين في الشأن الصومالي، من بينهم: حسين تنزانيا وتشارلز جيشيكتر وبوغوميل أندريزيفسكي وسعيد سمتر وجوزيف بيا وريتشارد غرينفيلد وكاسانيلي نفسه. إلا أن الفضل في تحويل الفكرة إلى واقع ملموس يعود إلى البروفيسور حسين تنزانيا؛ أول صومالي ينال درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد، والذي شغل منصب الرئيس الأول للرابطة، وقادها خلال عقدين من التحولات والاضطرابات، لتصبح المركز الرئيسي في مشهد البحث الأكاديمي المتعلق بالصومال والقرن الأفريقي.
وضع حجر أساس لرابطة الدراسات الصومالية الدولية جيل رائد من الأكاديميين الصوماليين الذين شقّوا الطريق في ظروف صعبة، وتركوا لنا إرثاً علمياً قيّماً يستحق الحفاظ والتجديد
دأبت الرابطة منذ انعقاد أول مؤتمر لها في مقديشو عام 1980، على تنظيم مؤتمراتها الثلاثية في جامعات مختلفة حول العالم، لا سيما في أوروبا وأمريكا الشمالية وشرق أفريقيا. وقد استضافت مدن مثل: هامبورغ وروما وبوسطن وبرلين وتورونتو وهرجيسا وآرهوس وكولومبوس وجيبوتي وأوسلو وهلسنكي وجيجيغا ويوتيبوري ومقديشو، هذه المؤتمرات على مرّ العقود. إلى جانب ذلك، نشأت فروع إقليمية للرابطة في أمريكا الشمالية والمملكة المتحدة، وكان أحدثها فرع "دراسات الأقاليم الصومالية" في جيجيغا.
كما ساهمت مجلات أكاديمية مثل: "بلدان" و"القرن الإفريقي" و"الدراسات الصومالية" الصادرة عن جامعة مقديشو، في تعميق الحوار المغري في هذا المجال. وعلى الرغم من أن الدراسات الصومالية كمجال معرفي تسبق تأسيس الرابطة بسنوات، إلا أن الرابطة ظلت طوال ما يقارب نصف قرن المنصة الأساسية للباحثين المعنيين بالقرن الأفريقي والشأن الصومالي، حيث أنتجت واحتضنت أبحاثاً ومؤلفات رائدة، وأسهمت في بناء جسور التواصل بين مختلف المدارس الفكرية والأكاديمية.
استلهمنا فكرة تنظيم المؤتمر الرابع عشر في جيجيغا من الإرث العلمي الكبير للرابطة، ومن النجاح اللافت لمؤتمر هرجيسا في عام 2018، إضافة إلى التحولات السياسية التي شهدها الإقليم الصومالي في إثيوبيا، والتي خلقت مناخاً منفتحاً على المنصات البحثية والفكرية. وبعد تواصلنا مع المنظمين السابقين لمؤتمر هرجيسا، سافرنا إلى أديس أبابا للقاء أعضاء اللجنة التنفيذية للرابطة آنذاك، حيث تلقينا منهم التشجيع والدعم. وعلى الفور، وبدعم من جامعة جيجيغا، شكّلنا فريق عمل متخصص، وقدمنا عرضاً لاستضافة المؤتمر.
بعد عدة أشهر، جاء إعلان اختيار مدينة جيجيغا، إلى جانب مدينة يوتيبوري السويدية، لتنظيم المؤتمر الرابع عشر ليمثل إنجازاً كبيراً لنا، ليس فقط على مستوى الأفراد، بل أيضاً للمدينة والجامعة. غير أن هذه التجربة كشفت لنا عن هشاشة هيكلية داخل الرابطة، التي تبيّن أنها مؤسسة رمزية تفتقر إلى التنظيم الداخلي الواضح، وإلى توزيع الصلاحيات والمسؤوليات، كما تفتقر إلى آليات تنسيق رسمية بين فرق الاستضافة المتعاقبة.
لم تكن هناك أي إرشادات أو وثائق إجرائية توضّح كيفية تنظيم المؤتمر أو آلية تسليم المهام من فريق إلى آخر. ومع مرور الوقت، بدأت تظهر داخل اللجنة التنفيذية (Guurti) خلافات لم تكن ذات طابع علمي بقدر ما تأثرت بمواقف سياسية وشخصية. اعتمدنا في المضي قدماً على المحادثات المباشرة والعلاقات غير الرسمية، التي رغم هشاشتها، كانت مصدر الدعم الأساسي لنا خلال مراحل التنظيم. نحن ممتنون لها بلا شك، لكنها في الوقت ذاته كشفت لنا عن مدى ضعف الهيكل المؤسسي للرابطة.
كشفت التجربة عن هشاشة هيكلية داخل الرابطة، التي تبيّن أنها مؤسسة رمزية تفتقر إلى التنظيم الداخلي الواضح، وإلى توزيع الصلاحيات والمسؤوليات، كما تفتقر إلى آليات تنسيق رسمية بين فرق الاستضافة المتعاقبة
أدّى الافتقار لتنسيق المؤسسي إلى ظهور عدة إشكالات، أبرزها أن جامعة مقديشو، التي تولّت تنظيم المؤتمر الخامس عشر عام 2024، لم تتواصل معنا خلال فترات التحضير، ولم تعترف بنا كمستضيفين سابقين إلا بعد أن بادرنا نحن بالتواصل المباشر معها. كما أن معظم أعضاء اللجنة التنفيذية للرابطة لم يشاركوا في أي مرحلة من مراحل التحضير أو المتابعة، باستثناء عضوين فقط كانت تربطنا بهما علاقات عمل سابقة.
ومع ذلك، ورغم التحديات التنظيمية، نجحنا في تنظيم المؤتمر الرابع عشر في مدينة جيجيغا في يوليو/ تموز 2021، حيث استقبلنا أكثر من 300 مشارك من مختلف أنحاء الصومال وخارجها، إضافة إلى مشاركة واسعة عبر الإنترنت بسبب قيود جائحة كوفيد-19 وقتها. أما مدينة يوتيبوري، شريكتنا في الاستضافة، فقد أقامت الجزء الخاص بها من المؤتمر في أغسطس/ آب عام 2023.
رغم ما تعانيه رابطة الدراسات الصومالية الدولية اليوم من ضعف في بنيتها المؤسسية، إلا أن الحاجة إليها تبدو أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فقد وضع حجر أساسها جيل رائد من الأكاديميين الصوماليين الذين شقّوا الطريق في ظروف صعبة، وتركوا لنا إرثاً علمياً قيّماً يستحق الحفاظ والتجديد. ومع صعود جيل جديد من الباحثين والمؤسسات، سواء داخل القرن الأفريقي أو في الشتات، بات من الضروري مواصلة هذه المسيرة والبناء عليها.
كثير من هذا الإرث المعرفي لا يزال مبعثراً أو غير متاح في الفضاء الرقمي، ما يحد من إمكانات الوصول إليه والاستفادة منه
رسالتي هنا ليست ليس توجيه نقد، بل دعوة صادقة إلى عمل جماعي يهدف إلى تطوير رابطة الدراسات الصومالية الدولية، وتحويلها إلى مؤسسة أكثر تنظيماً واستدامة. وربما يشكّل المؤتمر المقبل لحظة مناسبة لانطلاقة جديدة، يُعاد فيها بناء الرابطة على أسس واضحة، تشمل توزيعاً دقيقاً للأدوار والمسؤوليات، وإنشاء بنية رقمية متكاملة تضم موقعاً إلكترونياً وأرشيفاً رقمياً حديثاً، يُحفظ فيه الإنتاج العلمي الذي راكمته الرابطة طوال خمسين عاماً من العمل. فكثير من هذا الإرث المعرفي لا يزال مبعثراً أو غير متاح في الفضاء الرقمي، ما يحد من إمكانات الوصول إليه والاستفادة منه.
وقبل كل شيء، يجب أن تستعيد الرابطة تقليدها الأصيل كمنصة جامعة للدراسات الصومالية، تحرص على الشمول والانفتاح، وتتجاوز الاستقطابات والانقسامات السياسية، لتكون حاضنة لكل من يسعى إلى المعرفة من مختلف الخلفيات والتوجهات، داخل المناطق الصومالية وخارجها.