الاثنين 9 مارس 2026
لم يجد رئيس صوماليلاند عبد الرحمن محمد عبد الله، المعروف باسم "عِرّو"، حرجاً في تبنّي التصريحات الاستفزازية التي أطلقها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر من هرجيسا في 6 يناير/كانون الثاني الماضي، حين قال: "على عكس فلسطين، ليست صوماليلاند دولة افتراضية". بالنسبة لقيادة صوماليلاند، كان ذلك أكثر من مجرّد جملة دعائية؛ إنه إشارة إلى لحظة سياسية انتظرتها هرجيسا منذ ثلاثة عقود: اعتراف دولة عضو في الأمم المتحدة بكيانها الذي أعلن انفصاله أحادياً عن الصومال في مايو/أيار 1991.
أضحت إسرائيل بتاريخ 26 ديسمبر/كانون الأول 2025، أول دولة في العالم تعترف بصوماليلاند بوصفها دولة مستقلة. غير أنّ الخطوة التي اتخذتها تل أبيب بقرار منفرد، قوبلت بموجة استنكار واسعة، من الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية. توالت بيانات الدعم لوحدة الصومال وسلامة أراضيه، فيما لم تُقدِم أي دولة أخرى على السير في خطى إسرائيل، بل ظلّ معظم الفاعلين متمسكين بالوضع القائم.
منذ ذلك التاريخ، توحّدت تقريباً القوى السياسية في صوماليلاند حول هدف واحد: تسويق الاعتراف الإسرائيلي باعتباره الدليل القانوني والسياسي على سيادة الدولة الصوماليلاندية. ففي خطاب رسمي محلي، يُقدَّم انفصال هرجيسا عن مقديشو باعتباره أمراً محسوماً، وتُصوَّر الصومال بوصفها "دولة فاشلة"، بينما يُطرح الاعتراف الدولي بوصفه الأفق الوحيد الممكن بعد أكثر من 35 عاماً من العزلة الدبلوماسية.
كانت قضية صوماليلاند، حتى وقت قريب، عاجزة عن اختراق جدار النظام الدولي. فالدولة بحكم الأمر الواقع اصطدمت باستمرار بمبدأ "قدسية الحدود" أو عدم المساس بها، وهو مبدأ صارم يجعل الاعتراف بالكيانات الانفصالية عملية شديدة الكلفة سياسياً وأمنياً. ومع ذلك، سبق للاتحاد الأفريقي أن أقرّ، في تقرير صدر عام 2005، بأن تجربة صوماليلاند تحمل طابعاً "فريداً تاريخياً"، ومبرَّراً بذاته في التاريخ السياسي الأفريقي، مشيراً إلى فشل مشروع الوحدة مع الصومال بين عامي 1960 و1991.
تحاول إضعاف الجوار، وتعظيم النفوذ الإقليمي، وتأمين استدامة المشروع الاستعماري في فلسطين عبر تفكيك محيطه، وإشغاله بتوترات داخلية وحدودية.
لكن الاعتراف بهذا "الاستثناء" ظلّ محدوداً، لأن أصواتاً عديدة ترفض منح هرجيسا شرعية سياسية كاملة، حتى لو تطلّب ذلك تبسيط تاريخ صوماليلاند أو تجاهل مساره السياسي الخاص والجرائم الجماعية التي شكّلته. ففي أواخر ثمانينيات القرن الماضي، قمع الرئيس الصومالي السابق محمد سياد بري، الذي حكم بين 1969 و1991، انتفاضةً في الشمال الغربي كان يقودها أبناء عشيرة إسحاق. وخلال حملة القمع، قُتل عشرات الآلاف من أفراد إسحاق، وهو ما ترك ندبة عميقة في الذاكرة السياسية والاجتماعية للإقليم، وتحوّل إلى أحد أهم أسس خطاب الانفصال.
في مواجهة من يشكّكون بشرعية الكيان، ظهر الاعتراف الإسرائيلي، ومن يدور في فلكه، بوصفه نصيراً صاخباً لحق صوماليلاند في تقرير المصير. لكن هذا الدعم لا ينفصل، بحسب قراءة منتقديه، عن براغماتية إسرائيلية توظّف مظالم الأقليات الإقليمية بطريقة تُذكّر بـ"عقيدة الأطراف" الإسرائيلية. صيغت هذه العقيدة في خمسينيات القرن الماضي بهدف بناء تحالفات مع دول غير عربية ومع أقليات إثنية ودينية داخل العالم العربي، لتحويلها إلى حزام داعم لتل أبيب في محيط معادٍ.
في السنوات الأخيرة، قدّمت إسرائيل نماذج مشابهة، مثل دعمها استفتاء استقلال إقليم كردستان العراق عام 2017، ومواقفها الداعمة للطائفة الدرزية في سوريا عام 2025. حيث تحاول إضعاف الجوار، وتعظيم النفوذ الإقليمي، وتأمين استدامة المشروع الاستعماري في فلسطين عبر تفكيك محيطه، وإشغاله بتوترات داخلية وحدودية.
لا يمكن فصل مبادرة 26 ديسمبر/كانون الأول عن مسار دبلوماسي صوماليلاندي اتخذ، في السنوات الأخيرة، منحى موالياً للولايات المتحدة. ففي 3 يناير/كانون الثاني، عقب اختطاف نيكولاس مادورو في كراكاس، كانت صوماليلاند الدولة الأفريقية الوحيدة التي أعلنت تأييداً صريحاً للإجراء الأميركي في فنزويلا، واعتبرته "محسوباً" و"ملائماً". تُقرأ هذه اللغة ضمن محاولة هرجيسا الدائمة لتقديم نفسها شريكاً أمنياً وسياسياً يمكن الاعتماد عليه في منطقة القرن الأفريقي.
هذا الدعم لا ينفصل، بحسب قراءة منتقديه، عن براغماتية إسرائيلية توظف مظالم الأقليات الإقليمية بطريقة تُذكّر بـ"عقيدة الأطراف" الإسرائيلية
تبلور هذا التوجّه خلال رئاسة موسى بيحي عبدي بين 2017 و2024. ففي عام 2020، فتحت هرجيسا قناة علاقات رسمية مع تايبيه، في خطوة أغضبت بكين وذهبت عكس التيار الأفريقي العام، إذ إن معظم الدول الأفريقية، باستثناء إسواتيني، قطعت علاقاتها مع تايوان لصالح الصين. ثم عمّق بيحي ومحيطه علاقاتهم مع أوساط جمهورية أميركية، خاصة مع "مؤسسة هيريتيج" المحافظة والمعروفة بقربها من إسرائيل، والتي دعت رسمياً عام 2023 إلى الاعتراف بـصوماليلاند.
اليوم، يبدو الرئيس "عِرّو" منفتحاً على منح واشنطن امتيازات ملموسة، مثل استضافة قاعدة عسكرية أميركية، أو فتح الباب أمام امتيازات تعدين. ويحاول من خلال ذلك إغراء دونالد ترامب، أو على الأقل توفير أسباب براغماتية قد تدفع إدارته نحو الاعتراف الرسمي.
مع ذلك، لا تزال واشنطن تتعامل بقدر من الغموض. ففي 29 ديسمبر/كانون الأول، تمايزت ممثلة الولايات المتحدة في مجلس الأمن عن معظم نظرائها عندما دافعت عن "حق إسرائيل" في إقامة العلاقات الدبلوماسية التي تختارها. قد يمنح تقليد تل أبيب واشنطن ورقة إضافية في مواجهة النفوذ الصيني المتنامي في المنطقة. ويعزّز هذا الاحتمال خطاب ترامب نفسه، إذ واصل في الأسابيع الأخيرة هجومه على الصومال، واصفاً إياه بأنه "أكثر بلد فساداً على وجه الأرض"، قبل أن يذهب إلى القول إن الدولة "لا وجود لها أصلاً". وفي مطلع يناير/كانون الثاني، استُخدمت هذه الاتهامات لتبرير إلغاء برامج المساعدات الأميركية الموجّهة للحكومة الفدرالية الصومالية.
غير أنّ اعترافاً أميركياً بـصوماليلاند سيعني، على الأرجح، تدهوراً كبيراً في العلاقات مع مقديشو، وربما مساهمة إضافية في تفاقم هشاشة الدولة الصومالية وتعقيد معركتها ضد حركة الشباب. كما أن عدداً من شركاء واشنطن الإقليميين المقرّبين من الحكومة الصومالية، مثل مصر وتركيا وجيبوتي، يعارضون أي خطوة من هذا النوع. لهذا تبدو خيارات ترامب، أو لا خياراته، صعبة التنبؤ.
في المقابل، هناك دول قد تكون أقرب إلى تكرار الاعتراف الإسرائيلي، وإن التزمت قدراً من التحفّظ. في مقدمتها الإمارات العربية المتحدة، التي رسّخت حضوراً قوياً في صوماليلاند منذ 2017، خصوصاً عبر شركة "دي بي وورلد" التي تدير ميناء بربرة الاستراتيجي. وعلى امتداد العقد الماضي، أدى تقارب أبوظبي مع هرجيسا ومع مناطق صومالية أخرى تتمتع بحكم ذاتي واسع، مثل: بونتلاند في الشمال وجوبالاند في الجنوب، إلى توتير علاقتها مع الحكومة الفدرالية في مقديشو.
تفيد تقارير بأن الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود يرى الإمارات طرفاً ميسّراً للتقارب بين هرجيسا وتل أبيب. ونتيجة لذلك، أعلن في 12 يناير/كانون الثاني إنهاء جميع اتفاقات التعاون مع الإمارات، مطالباً بخروج كل الكيانات المرتبطة بها من الأراضي الصومالية. لكن القرار، واقعياً، شبه غير قابل للتنفيذ: ليس في صوماليلاند التي تعمل ككيان مستقل بحكم الأمر الواقع فحسب، بل أيضاً في بونتلاند التي تتمتع بقدر كبير من الاستقلالية.
واصل ترامب، في الأسابيع الأخيرة، هجومه على الصومال، واصفاً إياه بأنه "أكثر بلد فساداً على وجه الأرض"، قبل أن يذهب إلى القول إن الدولة "لا وجود لها أصلاً"
أما إثيوبيا فظلّت أكثر صمتاً. فهي قريبة من الإمارات وإسرائيل، وتبحث منذ سنوات عن منفذ بحري لأهداف اقتصادية وعسكرية، ما يجعل الساحل الصوماليلاندي خياراً مغرياً. وقد وعد رئيس الوزراء آبي أحمد في يناير/كانون الثاني 2024 بالاعتراف بـصوماليلاند، لكن الوعد بقي حبراً على ورق بعد أن أثار، حينها، ردود فعل دولية حادة وغضباً صومالياً واسعاً. وتمكّنت أنقرة لاحقاً من دفع أديس أبابا ومقديشو نحو قدر من التقارب، في وقت يضطر فيه آبي أحمد إلى موازنة علاقاته مع تركيا والصين، وهما من أقرب الشركاء للحكومة الصومالية، وأيضاً من أكبر المستثمرين الأجانب في إثيوبيا.
بالنسبة لإسرائيل، التي دفعتها حربها في غزة وإبادة جماعية متواصلة إلى موقع الدولة المنبوذة في الإقليم، يمنح الاعتراف بـصوماليلاند شريكاً جديداً على مرمى حجر من مضيق باب المندب، بوصفه بوابة لعبور نحو 12٪ من التجارة العالمية. ومن هذه الزاوية، تحصل تل أبيب على موطئ قدم لحماية مصالحها الاقتصادية التي تضررت بشدة بفعل هجمات الحوثيين في البحر الأحمر بين 2023 و2025.
حتى الآن، لا تزال طبيعة "المقابل" الذي ستمنحه هرجيسا لإسرائيل غير واضحة، ويُرجَّح أنه قيد التفاوض. لكن مؤشرات عدة ترجّح تعزيز التعاون الاستخباري مع جهاز "الموساد"، الذي لعب دوراً محورياً في مسار المفاوضات التي انتهت بالاعتراف. كما تظل فرضية إقامة حضور عسكري في بربرة واردة. في المقابل، يبدو أن الطرح الذي فتح باب الاتصالات الأولى بين الطرفين في أبريل/نيسان ومايو/أيار 2025، والمتعلق ب"استضافة" نازحين من غزة، قد خرج من الحسابات.
على مستوى أوسع، تسعى صوماليلاند إلى الاندماج في هندسة إقليمية مواتية لتل أبيب، تشكّل "اتفاقات أبراهام" الموقّعة في 13 أغسطس/آب 2020 عمودها الفقري. وقد وعد الرئيس "عِرّو" بتوقيع هذه الاتفاقات خلال زيارة مرتقبة إلى إسرائيل. وباعتبارها لاعباً مركزياً في تلك الاتفاقات، تمتلك الإمارات نفوذاً واسعاً في شرق أفريقيا وخليج عدن، يمتد من ليبيا إلى اليمن ويشمل السودان الذي تشكّل فيه قوات الدعم السريع أحد مراكز الثقل. وهذا الامتداد قد يمنح إسرائيل مكاسب تتجاوز ملف صوماليلاند وحده. وفي مثال لافت، سبق لرئيس المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن عيدروس الزبيدي، الذي يواجه حالياً صعوبات سياسية، أن قال إن قيام دولة مستقلة في جنوب اليمن سيجعلها تنضم إلى اتفاقات أبراهام.
لكن هذا التموضع الجديد لا يأتي مجاناً. فإسقاطات النفوذ الإسرائيلية والإماراتية في المنطقة تقابلها اعتراضات من دول عدة، ولا سيما الداعمين التقليديين للحكومة الصومالية مثل تركيا ومصر وقطر. ومن شأن حضور إسرائيلي في خليج عدن، خصوصاً إذا اتخذ طابعاً عسكرياً، أن يعرّض صوماليلاند لمحاولات زعزعة أو ضغط أمني. وقد هدد الحوثيون بالفعل بجعل الإقليم هدفاً محتملاً.
تبرز السعودية اليوم كأحد أبرز داعمي الصومال في مواجهة ديناميات النفوذ الإماراتي. فمع تصاعد التنافس بين الرياض وأبوظبي، تحاول المملكة كبح تمدد الإمارات إقليمياً. ويتقاطع هذا التنافس مع اصطفافات أوسع: علاقات السعودية الوثيقة مع باكستان، مقابل علاقات الإمارات القوية مع الهند، الدولة القريبة بدورها من إسرائيل، والتي ترتفع داخلها أصوات تدعو إلى الاعتراف بـصوماليلاند.
بذلك، لا يقدّم الاعتراف الإسرائيلي، مهما بدا مغرياً في الخطاب المحلي، ضمانة للاستقرار. فهرجيسا تخاطر بإدامة خصومة مع جزء كبير من أفريقيا والعالم العربي، حيث لا يزال مبدأ قدسية الحدود ركناً بنيوياً في السياسة الإقليمية، وحيث تحتفظ القضية الفلسطينية بثقل رمزي وسياسي يصعب تجاوزه. أما على المستوى الاقتصادي، فلا يزال أثر الاستثمارات الإسرائيلية المحتملة غير مضمون حتى اللحظة.
في المحصلة، يمنح الاعتراف الإسرائيلي ممثلي صوماليلاند فرصة غير مسبوقة لإعادة طرح ملف الاستقلال على الطاولة الدولية، لكنه لا يضمن مكاسب دبلوماسية أو اقتصادية موازية على المدى القريب أيضاً. وبينما تضيف صوماليلاند إلى نفسها مركزية جيوسياسية داخل قوس إسرائيلي-إماراتي يمتد عبر البحر الأحمر وخليج عدن، فإنها تغامر، في الوقت ذاته، بإغضاب فاعلين إقليميين ودوليين آخرين وبكشف أراضيه على صراعات النفوذ التي تحيط به من كل اتجاه بوضوح.