الخميس 16 أبريل 2026
عاد الجدل مجدداً إلى الساحة السياسية في تشاد عقب اعتقال السلطات الأمنية للمعارض البارز، زعيم حزب "المحولون" ورئيس الوزراء السابق سيكسيه مسارا، فجر الجمعة 16 مايو/أيار2025، بعد مداهمة منزله في أنجمينا، وبحسب الحزب فإن مسلحين بالزي العسكري اقتحموا المنزل بالقوة في تمام الساعة 5:56 دقيقة صباحاً بالتوقيت المحلي، واقتادوا مسارا إلى جهة غير معلومة، دون تقديم أي تبرير رسمي في البداية، في سابقة قد تربك المشهد السياسي، وتثير التساؤل حول مستقبل التحول الديمقراطي في تشاد.
عقد مدعي الجمهورية عمر محمد كيدلاي لاحقاً مؤتمراً صحفياً، أعلن فيه أن مسارا يواجه تهماً تتعلق بالتحريض على الكراهية والعنف، بالإضافة إلى التواطئ على القتل والحرق العمد وتدنيس القبور. وبحسب النيابة فإن التهم الموجهة لمسارا ترتبط بأحداث عنف شهدتها قرية "مانداكاو" في إقليم لوغون الغربي جنوب البلاد في 14 من مايو/ أيار الجاري، وقد أدى هجوم مميت إلى مقتل 42 شخصا غالبيتهم من النساء والأطفال، وأشار مدعي الجمهورية أن رسائل صوتية نسبت إلى مسارا تم تداولها على وسائل التواصل تدعو المواطنين إلى حمل السلاح والقتل.
عقد ثلاثة وزراء من الحكومة مؤتمراً صحفياً مشتركاً أكدوا خلاله أن تسجيلاً صوتياً نسب إلى مسارا، يعتقد أنه يحتوي على تصريحات تحريضية، قد تم تسليمه إلى القضاء. وقال وزير الأمن العام والهجرة الفريق علي أحمد أغبش: "أن ما جرى في مانداكاو لم يكن حادثاً عرضياً ولا صراعاً بين مكونات المجتمع، بل كانت خطة مدروسة نفذت بعناية في الوقت المناسب"، مضيفاً أن الأحداث نفذتها جهات منظمة بهدف زعزعة الأمن والاستقرار.
جاء اعتقال مسارا على خلفية تسجيل مسرب مثير للجدل نسب إليه، تعتبر الحكومة مضمونه خطابا تحريضيا يدعو إلى العنف، ويحرض على الإبادة الجماعية
وكشف وزير إدارة الأراضي ليمان محمد أن المجزرة "جاءت إثر تسجيل صوتي بلغة أنقمباي (لهجة محلية) انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي يحمل دعوات صريحة إلى العنف". وهي الرسالة التي نسبت إلى زعيم حزب المحولون سيكسيه مسارا، وشدد ليمان أن ما "جرى ليس نزاعاً مجتمعاً بل مذبحة مدبرة بعناية، نفذتها عصابات ميليشاوية بدم بارد".
من جانبه، أكد المتحدث باسم الحكومة قاسم شريف أن التسجيل الصوتي لرئيس الوزراء السابق قد تم التحقق من صحته من قبل الأجهزة الأمنية، وهو الآن يخضع للمساءلة القانونية كغيره من المواطنين، ويجب أن يحاسب على أفعاله.
ندد حزب المحولون بما وصفوه بـ"الاختطاف" الوحشي لرئيسهم سيكسيه مسارا، معتبرين أن عملية الاعتقال تمت خارج القانون، في انتهاك للدستور والحقوق السياسية والمدنية، وقال نائب رئيس الحزب دجيسادا ندوليمباي، إن مسارا لم يكن على علم بالتهم الموجهة إليه، بل عرفها من محاميه بعد لقائهم به لاحقاً. مضيفاً أن زعيم الحزب عبر عن دهشته الشديدة من تلك التهم. وشدد الحزب على أن مسارا لم يدعو يوماً إلى الكراهية، بل كان رجل سلام وحوار.
عقدت مجموعة التشاور للفاعين السياسيين المعروفة اختصاراً بـ"جيكاب" وهو تجمع سياسي معارض مؤتمراً صحفياً استنكرت خلاله بشدة اعتقال رئيس حزب المحولون سيكسيه مسارا، ووصفت ما جرى بأنه "اختطاف تم خارج القانون". وقالت "جيكاب" في بيانها أن مسارا اختطف من منزله فجر الجمعة، من قبل قوة أمنية كبيرة مدججة بالسلاح دون مذكرة توقيف أو إشعار قانوني، معتبرة أن الطريقة التي تم بها الاعتقال "تمثل انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان ولقيم الديمقراطية "، وأضاف البيان "أن حرمان مواطن علاوة على كونه شخصية سياسية بارزة ورئيس وزراء سابق من حريته دون إتباع الإجراءات القانونية، هو تصرف متهور يعكس تراجعاً خطيراً في احترام الحقوق والمؤسسات".
جاء اعتقال مسارا على خلفية تسجيل مسرب مثير للجدل نسب إليه، تعتبر الحكومة مضمونه خطابا تحريضيا يدعو إلى العنف، ويحرض على الإبادة الجماعية، وربطت ذلك بالأحداث الأخيرة في "مانداكاو" التي راح ضحيتها أكثر من 40 شخصا في نزاع ذات طابع اثني.
يسمع في التسجيل المتداول على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، صوت يعتقد أنه لمسارا يقول فيه: "أخاطبكم الأن بصفتي أخوكم وابنكم، لم يعد هناك مفر من المواجهة، إن هؤلاء الذين يحكموننا لا يريدون الخير لنا ينهبون مواردنا، ويقتلون أبناءنا، ويشعلون الحروب في قرانا، ثم يطالبوننا بالصمت، أقولها بوضوح إن الطريق الوحيد للخلاص هو أن نتحرك، أن نحمل السلاح".
إظهار مسارا بصورة الشخص المتطرف العنصري قد يؤدي إلى تآكل شعبيته، خاصة في أوساط المجتمعات المسلمة، وهو ما قد يكون هدفاً سياسياً لتقويض نفوذه المتزايد في الشارع
يضيف المتحدث في المقطع ذاته: "منذ أكثر من ستين عاماً ونحن نقتل، بينما السلطة لا ترى فينا إلا أرقاماً قابلة للإبادة، الحكومة توزع السلاح، وترسل من يرتكب المجازر. أنتم يا من في الداخل والخارج نظموا أنفسكم لن نبقى فريسة سهلة". واختتم التسجيل بالدعوة الصريحة إلى المواجهة المسلحة، حيث قال: "لم نعد نملك الوقت ولم يعد هناك وقت للكلام، إذا فلنتحرك بالسلاح ضد هؤلاء الإرهابيين".
ورغم خطورة التصريح المنسوب لمسارا لم يصدر حزب المحولون تعليقاً رسمياً يؤكد أو ينفي صحة التسجيل، لكن في محيط الحزب يشاع أن التصريحات المنشورة قد تعود بالفعل لسكسيه مسارا، لكنها قديمة (2021)، ولا علاقة لها بالأحداث الأخيرة. يرى البعض أن إعادة تسويقها مجدداً، وربطها بهذه الأحداث، هو محاولة من الحكومة التهرب من مسؤولية فشلها الأمني عبر تلفيق التهم ضد مسارا، وتحميله مسؤولية أحداث مانداكاو.
بذلك تحاول صرف الأنظار عن إخفاقاتها بدلاً من معالجة جذور المشاكل. كما أن إظهار مسارا بصورة الشخص المتطرف العنصري قد يؤدي إلى تآكل شعبيته، خاصة في أوساط المجتمعات المسلمة، وهو ما قد يكون هدفاً سياسياً لتقويض نفوذه المتزايد في الشارع.
في تعليقه لمنصة "جيسكا"، قال الأستاذ إسماعيل طاهر الباحث في الجغرافيا السياسية: "منذ انخراطه في العمل السياسي اعتمد مسارا على الخطب المثيرة للجدل الذي تركز دائماً على التمييز الجهوي بين الشمال والجنوب والفروقات الدينية، كما سعى إلى استغلال الأزمات في الجنوب، لا سيما الصراع القائم بين المزارعين والرعاة".
ندد مسارا خلال تصريحاته بمناسبة الذكرى السابعة لحزبه بما وصفها بــ"الإصلاحات التجميلية" التي يعتمدها النظام حفاظاً على الوضع الراهن، وضماناً لمصالح قوى نافذة داخل الدولة
وأضاف إسماعيل أن مسارا لم يتردد في التلويح المستمر بتهديده للحكومة، إما أن تحقق العدالة الشاملة أو تنقسم تشاد إلى اثنين، وأعتبر إسماعيل أن تلك التصريحات جعلته محل اتهام دائم بالتحريض على الانقسام، ما يضعف من رصيده السياسي، ويهدد مستقبله.
وأكد الباحث في الجغرافيا السياسية، في حال ثبتت على مسارا تلك التهم فسيكون لذلك أثر سلبي بالغ على مكانته، حتى وإن كانت التسجيلات الصوتية المنسوبة إليه قديمة تعود إلى عام 2021، فإنها لا تزال تنطوي على نبرة تحريض وكراهة.
من جهة أخرى، لم يستبعد إسماعيل في حديثه لـ"جيسكا" أن تكون لأحداث مانداكاو أبعاد خطيرة على السلم الاجتماعي، إذ إن عمليات الانتقام قد تكون واردة خاصة في ظل غياب آليات معالجة النزاعات الأهلية، وتدخل بعض الأشخاص النافذين في سير العدالة، ما قد يعطل عمل القضاء، ويعمق الإحساس بالظلم وفق تعبيره. وأشار إسماعيل إلى أن تأخر التحقيق في مثل هذه القضايا قد يؤدي إلى تجدد العنف، محذرا من احتمال لجوء بعض المجموعات المتضررة إلى الانتقام، انسجاماً مع منطق الثأر السائر في بعض البيئات البدوية.
هذا ويأتي اعتقال مسارا بعد أسابيع من انتقادات علنية وجهها إلى النظام الحاكم، وتحديداً إلى الرئيس محمد إدريس ديبي متهماً إياه بعدم احترام اتفاقية كينشاسا، ودعاه إلى تصحيح المسار والعودة إلى الاتفاق. وندد مسارا خلال تصريحاته بمناسبة الذكرى السابعة لحزبه بما وصفها بــ"الإصلاحات التجميلية" التي يعتمدها النظام حفاظاً على الوضع الراهن، وضماناً لمصالح قوى نافذة داخل الدولة.
تفتح هذه التطورات الجدل حول مستقل الاستقرار السياسي والأمني في تشاد، في ظل التحديات التي تواجه العملية السياسية الحالية والانقسامات العميقة داخل الطبقة السياسية الفاعلة، الأمر الذي ينذر بحالة من القلق والخوف إزاء مستقبل الوضع السياسي في تشاد.