السبت 13 يونيو 2026
يأتي الاستحقاق الانتخابي الفيدرالي السابع في إثيوبيا المقرّر اليوم، فاتح يونيو/حزيران، كأحد أكثر المنعطفات الجيوسياسية حرجا في تاريخ شرق أفريقيا الحديث، كونه يضع البنية الدستورية والسياسية للبلاد أمام اختبار الوجود والشرعية الميدانية.
تحولت الانتخابات إلى مسرح مكشوف لتصفية الحسابات السياسية، وإعادة رسم التوازنات العرقية والجغرافية التي تصدعت بعنف خلال السنوات الأخيرة. وفي بلد مثقل بتركيبة ديمغرافية شديدة التعقيد والتنوع، ومحكوم بـ "فيدرالية إثنية" مشحونة بالاستقطاب، يتداخل صوت صندوق الاقتراع مع دوي النزاعات الأهلية الصامتة والعلنية، مما يجعل فهم المسارات الحزبية، والتقسيمات الانتخابية، وصيغ حساب الأصوات، مدخلا إلزامياً لتفكيك شفرة المشهد الإثيوبي الراهن واستشراف مآلاته الإقليمية والقومية.
يشكل النظام السياسي والانتخابي في إثيوبيا بنية معقدة تتشابك فيها الهياكل القانونية والدستورية مع التوازنات الإثنية والتحولات التاريخية، لا سيما مع بلوغ البلاد عتبة الانتخابات البرلمانية السابعة في الأول من يونيو/ حزيران الجاري. لتفكيك هذا المشهد الشديد الحساسية، يجب أولا تتبع طبيعة النظام السياسي والدستوري الإثيوبي، الذي تبلور بشكل رسمي عقب إقرار دستور عام 1995، متبنيا صيغة فريدة تُعرف بـ "الفيدرالية الإثنية" أو الفيدرالية القائمة على الهويات القومية.
يقسم هذا النظام الجمهورية الإثيوبية الفيدرالية الديمقراطية إلى أقاليم إدارية رُسمت حدودها بناء على المجموعات اللغوية والإثنية المهيمنة، مثل: أقاليم أوروميا، وأمهرة، وتيغراي، والصومالي، وعفر، وسيداما، وغيرها، إلى جانب إدارتين للمدينتين المستقلتين أديس أبابا ودير داوا.
يتسم هذا النظام دستوريا بطبيعة برلمانية برأسين؛ رئيس الدولة، وهو منصب شرفي ورمزي، ورئيس الوزراء الذي يمثل رأس السلطة التنفيذية الفعلي والقائد الأعلى للقوات المسلحة، ويُنتخب مباشرة من بين أعضاء مجلس نواب الشعب (البرلمان الفيدرالي).
تتكون الهيئة التشريعية الفيدرالية من غرفتين: الأولى هي مجلس نواب الشعب، وهو الغرفة السفلى والمحرك الرئيسي للتشريع والرقابة والحكم، ويتألف من 547 مقعدا يُنتخب أعضاؤها بالاقتراع المباشر، والثانية هي مجلس الاتحاد، وهو الغرفة العليا التي تضم ممثلي "الأمم والقوميات والشعوب الإثنية"، وتختص بتفسير الدستور وحل النزاعات الإقليمية، ويتم اختيار أعضائها عبر المجالس الإقليمية، وليس عبر التصويت الشعبي المباشر.
تحولت الانتخابات إلى مسرح مكشوف لتصفية الحسابات السياسية، وإعادة رسم التوازنات العرقية والجغرافية التي تصدعت بعنف خلال السنوات الأخيرة
تاريخيا، ارتبط هذا التكوين الدستوري بمسيرة الأحزاب الإثيوبية الكبرى، والتي سيطر عليها لعقود تحالف "الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي" ((EPRDF، وهو الائتلاف الذي تأسس عام 1989 وقاد الإطاحة بنظام "الدرغ" العسكري الشيوعي عام 1991. تألف هذا التحالف المهيمن من أربعة أحزاب رئيسية أسست على أساس عرقي، وهي: جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF) التي كانت المحرك الفعلي والمهيمن على مفاصل الدولة، والمنظمة الديمقراطية لشعب أورومو(OPDO)، والحركة الديمقراطية لشعب أمهرة ((ANDM، والحركة الديمقراطية لشعوب جنوب إثيوبيا (SEPDM).
استمرت هيمنة هذا الائتلاف حتى اندلاع الاحتجاجات الشعبية الواسعة عام 2018 التي قادها شباب الأورومو (الفيرو) وشباب الأمهرة (الفانو)، تنديداً بالتهميش وسيطرة نخبة التيغراي، مما أدى إلى صعود آبي أحمد إلى رئاسة الوزراء.
قام آبي أحمد في أواخر عام 2019 بإنهاء هذا التحالف، وحلّ ثلاثة من أحزابه المكونة، دامجا إياها مع أحزاب إقليمية أخرى ليؤسس "حزب الازدهار" ((PP ككيان وطني موحد، يتجاوز الفيدرالية الإثنية نحو الهوية الإثيوبية الشاملة، وهو القرار الذي رفضته جبهة تحرير شعب تيغراي، واعتبرته تقويضا للنظام الفيدرالي، مما شكل الشرارة السياسية التي قادت لاحقاً إلى حرب تيغراي الدامية بين عامي 2020 و2022.
إلى جانب حزب الازدهار، برزت أحزاب معارضة رئيسية تحاول تمثيل الهويات الإقليمية أو تقديم بدائل ليبرالية، وأهمها: "الحركة الوطنية لأمهرة" (NaMA) التي تأسست عام 2018 لتمثيل مصالح إثنية الأمهرة، وحماية حدود الإقليم والدفاع عن حقوق الأمهرة المقيمين في الأقاليم الأخرى، وحزب "المواطنين الإثيوبيين من أجل العدالة الاجتماعية" (EZEMA) بقيادة الأكاديمي برهانو نيغا، وهو حزب يتبنى توجها وطنياً ليبراليا يعارض الفيدرالية الإثنية، ويدعو إلى نظام مواطنة فردية، فضلا عن جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF) التي عادت للمشهد السياسي والحزبي كقوة إقليمية بعد اتفاق بريتوريا للسلام، لكنها تشهد انقسامات حادة وتوترات مستمرة مع الحكومة الفيدرالية قبيل استحقاق 2026.
بالانتقال إلى الآلية الانتخابية وطبيعة تقسيم الدوائر، فإن إثيوبيا تعتمد نظام "الفوز للأكثر أصواتاً" أو ما يُعرف بنظام الدائرة الفردية ذات المقعد الواحد (First-Past-the-Post). وبموجب هذا النظام، تُقسم البلاد إلى 547 دائرة انتخابية تشريعية تُمثل مقاعد مجلس نواب الشعب، ويحق لكل دائرة انتخاب رئيس واحد يمثلها في البرلمان الفيدرالي، بحيث يفوز بالمنصب المرشح الذي يحصل على أعلى نسبة من الأصوات الملقاة في صناديق الاقتراع، بغض النظر عما إذا كان قد حصل على الأغلبية المطلقة (أكثر من 50٪) أم لا.
لا تُحسب الأصوات هنا وفق نظام التمثيل النسبي أو القوائم، بل هي عملية تنافسية صفرية ومباشرة بين الأفراد أو ممثلي الأحزاب داخل كل دائرة على حدة. ويفرض الدستور تخصيص ما لا يقل عن 20 مقعداً من أصل الـ 547 لصالح المجموعات العرقية والأقليات القومية التي تُصنف كـ "أقليات ضعيفة" أو شعوب ذات تعداد سكاني صغير جدا، لا يتيح لها الفوز عبر التنافس الحر، وذلك لضمان تمثيلها وصيانة حقوقها الثقافية والسياسية في الغرفة التشريعية الفيدرالية.
تلعب "الإثنية" دوراً حاسماً ومعقداً في توجيه هندسة وتقسيم هذه الدوائر الانتخابية، وتحديد مراكز الاقتراع من قِبل مجلس الانتخابات الوطني الإثيوبي (NEBE). فرغم أن المعيار القانوني النظري لترسيم الدوائر يستند إلى الكثافة السكانية والجغرافيا (بمعدل تقريبي يصل إلى دائرة واحدة لكل 100 ألف نسمة)، إلا أن واقع الفيدرالية الإثنية يفرض تطابقاً شبه كامل بين الحدود السياسية للأقاليم العرقية وحدود الدوائر الانتخابية. نتيجة لذلك، تتحول الدوائر الانتخابية في إقليم أوروميا (وهو الإقليم الأكبر عدداً بـ 178 دائرة تقريباً) أو إقليم أمهرة (نحو 138 دائرة) إلى معاقل انتخابية مغلقة عرقيا، حيث لا يمكن لمرشح من قومية معينة المنافسة في دائرة تقع ضمن إقليم تسكنه قومية أخرى.
يأتي الاستحقاق الانتخابي الفيدرالي السابع في إثيوبيا... كأحد أشد المنعطفات الجيوسياسية حرجا في تاريخ شرق أفريقيا الحديث، كونه يضع البنية الدستورية والسياسية للبلاد أمام اختبار الوجود والشرعية الميدانية
تتجلى أزمة التداخل الإثني بشكل حاد في الدوائر التي توصف بـ "المتنازع عليها تاريخياً وثقافياً" بين الأقاليم، مثل مناطق "ولقايت" و"رايا" بين إقليمي تيغراي وأمهرة، أو الدوائر المتاخمة للحدود الإدارية بين أوروميا والإقليم الصومالي؛ حيث يُنظر إلى ترسيم الدوائر فيها أو توزيع مراكز الاقتراع كعملية سياسية تهدف إلى تغيير التوازن الديمغرافي لصالح عرقية ضد أخرى، وهو ما دفع مجلس الانتخابات في دورة 2026 الحالية إلى الاستبعاد القسري والتعليق المؤقت للاقتراع في 46 دائرة انتخابية ساخنة (منها كافة دوائر تيغراي الـ 38 وثماني دوائر في أمهرة) لتجنب اندلاع جولات عنف ميدانية حول ملكية الأرض وصوتها التشريعي.
تتفاوت الأهمية الجيوسياسية والتشريعية للدوائر الانتخابية في البرلمان الإثيوبي بناءً على ثقلها الديمغرافي وقدرتها على صياغة التوجهات القومية، حيث تُعتبر دوائر إقليم أوروميا الكتلة الحرجة والأكثر تأثيرا بالنظر إلى حيازتها على ثلث مقاعد البرلمان تقريبا، وتحديدا دوائر "شيوا الغربية" و"أرسي" و"والاغا"، وهي مناطق تشهد استقطاباً حاداً وصراعاً صامتاً بين جناح حزب الازدهار الأورومي وجيش تحرير أورومو المسلح (OLA).
تليها في الأهمية الاستراتيجية دوائر إقليم أمهرة، مثل: دوائر "غوندر" و"وُلو" و"غوجام"، والتي تمثل معاقل الحركة الوطنية لأمهرة وتيار "الفانو" المسلح، وتكتسب أهميتها من دورها التاريخي والسياسي في الحفاظ على مركزية الدولة الإثيوبية.
على الجانب المدني والحضري، تبرز دوائر العاصمة "أديس أبابا" البالغة 23 دائرة انتخابية كأهم الدوائر المؤثرة سياسياً واقتصادياً؛ فرغم صغر حجمها العددي مقارنة بالأقاليم الريفية، إلا أنها تمثل مركز النخبة، والطبقة الوسطى المتعلمة، والنشاط التجاري والدبلوماسي، وتعد المؤشر الحقيقي لقياس مدى قبول الشارع للتحديث الحضري والسياسات الليبرالية، وعادة ما تكون ساحة التنافس الأشد بين حزب الازدهار الحاكم وحزب "إيزيما" المعارض.
في خضم هذا الاستحقاق، يبدو موقع رئيس الوزراء آبي أحمد وحزبه "الازدهار" قوياً من الناحية المؤسسية واللوجستية، وإن كان محاطا بحقول ألغام سياسية وميدانية بالغة التعقيد. حاليا، يمتلك الحزب الحاكم الأغلبية المطلقة في البرلمان المنتهية ولايته بأكثر من 450 مقعداً، ويستند في حملة 2026 إلى قدرات الدولة اللوجستية، والسيطرة الإدارية على الأقاليم، والنجاح في تسجيل أكثر من 50 مليون ناخب عبر منصات رقمية حديثة، مما يجعله المرشح الأوفر حظاً للفوز بولاية جديدة مدتها خمس سنوات، وإعادة تسمية آبي أحمد رئيساً للوزراء بسبب تشتت المعارضة القانونية واستبعاد أو مقاطعة قوى أخرى.
مع ذلك، فإن شرعية هذا الموقع تواجه تحديات حقيقية على الأرض؛ فحزب الازدهار يعاني من تصدعات وتنافس خفي بين أجنحته العرقية (الأورومية والأمهرية) حول كيفية إدارة ملفات الأمن والأراضي، فضلاً عن أن نفوذه في الأقاليم بات مهدداً بالتمردات المسلحة؛ حيث تسيطر جماعات "الفانو" على أجزاء واسعة من ريف أمهرة، وتهدد علناً كل من يشارك في العملية الانتخابية، بينما يواصل جيش تحرير أورومو عملياته في ريف أوروميا، مما يعني أن فوز الحزب المرتقب قد يفتقر إلى الإجماع الشعبي الكامل في بعض أمهات الأقاليم، ويُنظر إليه من قِبل الخصوم كصيغة لتسوية سياسية فوقية بين النخب.
في بلد مثقل بتركيبة ديمغرافية شديدة التعقيد والتنوع، ومحكوم بـ "فيدرالية إثنية" مشحونة بالاستقطاب، يتداخل صوت صندوق الاقتراع مع دوي النزاعات الأهلية الصامتة والعلنية
أما المساحة الأكبر في الدعاية الانتخابية والخطاب السياسي للقوى المتنافسة في دورة 2026، فقد استهلكها نقاش محتدم حول ثلاثة ملفات سيادية ومصيرية أخذت حيز الصدارة:
الملف الأول؛ هو ملف "المائيين" ــ نهر النيل والبحر الأحمر ــ والذي تحول إلى أيقونة قومية استغلها حزب الازدهار لتعبئة المشاعر الوطنية، مستعرضاً فرض واقع هيدرولوجي وسيادي جديد عبر الاكتمال الوشيك لسد النهضة، والاتفاق المبدئي مع أرض الصومال للوصول إلى خليج عدن والبحر الأحمر لتأمين منفذ بحري تجاري وعسكري ينهي الحبس الجغرافي للبلاد، في حين انتقدت المعارضة طريقة إدارة هذه الملفات دبلوماسياً معتبرة أنها جلبت العزلة لإثيوبيا وعرضت أمنها للخطر مع دول الجوار كالصومال ومصر والسودان.
الملف الثاني؛ هو ملف الأمن القومي والإنهاء الفوري للنزاعات الأهلية والمواجهات المسلحة في أقاليم أمهرة وأوروميا، وتفعيل مسار "الحوار الوطني الشامل" كبديل عن الحلول العسكرية لإحلال السلام؛ حيث ركزت الدعاية على وعود المصالحة الوطنية، وإعادة الإعمار وعودة النازحين.
أما الملف الثالث؛ فهو الملف الاقتصادي والمعيشي، والذي ركزت فيه أحزاب المعارضة على محاكمة سياسات الحكومة الاقتصادية، مستغلة الارتفاع غير المسبوق في معدلات التضخم، وانهيار القوة الشرائية للعملة المحلية (البر الإثيوبي) بعد قرار تعويمها الجزئي، وتراكم الديون الخارجية، حيث طرحت المعارضة برامج تدعو إلى وقف الإنفاق الضخم على المشاريع الحضرية والسياحية الرمزية في العاصمة، وتوجيه الموارد نحو دعم القطاع الزراعي الريفي وتأمين الغذاء ومكافحة الجفاف الذي يضرب أجزاء واسعة من البلاد، لتبقى إثيوبيا مع اقتراب صناديق الاقتراع معلقة بين وعود الازدهار الاقتصادي والسيادي ومخاوف الاستقطاب العرقي والانسداد الأمني الميداني.
بناءً على هذه المعطيات المتشابكة، تظل الانتخابات البرلمانية السابعة في الأول من يونيو محطة لإعادة تدوير الأزمة وصياغة موازين القوى أكثر من كونها حلاً حاسماً للاستعصاء السياسي الإثيوبي، حيث تكشف الهندسة الانتخابية الراهنة عن فجوة عميقة بين الطموحات السيادية للحزب الحاكم والتحديات الأمنية والاقتصادية الضاغطة على الأرض.
سواء نجح حزب الازدهار بقيادة آبي أحمد في انتزاع تفويض تشريعي جديد ومريح، أو تمكنت المعارضة من قضم أجزاء من معاقله الحضرية، فإن المحك الحقيقي للحكومة القادمة لن يقف عند عتبة إعلان الفوز، بل سيبدأ مع تحدي استعادة السلام الأهلي في أقاليم أمهرة وأوروميا، وإيجاد صيغة تسوية تاريخية تحافظ على مركزية الدولة دون سحق الخصوصيات الإثنية للأقاليم.
في نهاية المطاف، ستبقى إثيوبيا بعد هذا الاستحقاق معلقة بين فكي "ملف المائيين" الذي يمنحها بريقاً قومياً خارجياً، وأزمات الداخل الهيكلية التي تنذر بإبقاء هذا المارد الأفريقي رهين الاستقطاب والهزات الأمنية العابرة للأجيال.