الثلاثاء 19 مايو 2026
يمثل إعلان حزب جبهة تحرير شعب تيغراي عن إعادة تنصيب الحكومة الإقليمية التي كانت قائمة قبيل اندلاع الحرب عام 2020، تحدياً سياسياً وقانونياً هو الأخطر من نوعه منذ توقيع اتفاق "بريتوريا" للسلام، حيث تعكس هذه الخطوة إصرار الحزب على استعادة شرعيته الدستورية والإدارية الكاملة التي سُحبت منه إبان النزاع الدامي، وهو ما يضع جهود المصالحة الوطنية في إثيوبيا على حافة هاوية جديدة من الاستقطاب مع الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا.
تأتي هذه الخطوة لتقوض هيكل "الإدارة المؤقتة" التي تم الاتفاق عليها كصيغة انتقالية لإدارة الإقليم بعد الحرب، حيث يرى قادة تيغراي أن العودة إلى شرعية ما قبل الحرب هي استحقاق ديمقراطي لا يمكن التنازل عنه، بينما تعتبرها الحكومة المركزية خروجاً عن روح الاتفاقيات الموقعة، وتعدياً على صلاحيات الدولة الفيدرالية في تنظيم الأقاليم، مما ينذر بعودة أجواء "ليّ الذراع" السياسي التي سبقت الصدام العسكري الشامل.
على الصعيد الميداني والجيوستراتيجي، يثير هذا التطور مخاوف إقليمية واسعة منتجددالصراع في شمال إثيوبيا، خاصة وأن إعادة تشكيل الحكومة السابقة قد تتضمن إعادة هيكلة للقوى الأمنية والعسكرية التابعة للإقليم، وهو أمر ترفضه بشدة جارتها إريتريا وحكومة إقليم أمهرة التي لا تزال تسيطر على مناطق متنازع عليها مع تيغراي، مما يجعل من هذا التحرك السياسي فتيلة قد تشعل جبهات القتال المؤجلة في المناطق الحدودية الملتهبة.
كما يواجه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ضغوطاً داخلية هائلة جراء هذا الإعلان، إذ يُنظر إلى صمت الحكومة أو قبولها بهذا الواقع الجديد كضعف في القبضة الفيدرالية، بينما قد يؤدي الاعتراض العنيف أو اتخاذ إجراءات عقابية ضد تيغراي إلى انهيار اتفاق السلام وعودة شبح العقوبات الدولية، خاصة وأن المجتمع الدولي يراقب بدقة مدى التزام الأطراف ببنود وقف العدائية وإعادة الإعمار في الإقليم المنكوب.
إن استعادة جبهة تيغراي لسلطتها السابقة تضع السلام في شمال إثيوبيا أمام خيارين أحلاهما مر؛ فإما القبول بواقع "الدولة داخل الدولة" وما يتبعه من تآكل لسلطة المركز، أو الدخول في جولة جديدة من المواجهات القانونية أو العسكرية التي قد تعصف بما تبقى من استقرار في منطقة القرن الأفريقي، مما يحول "نصربريتوريا" الدبلوماسي إلى مجرد هدنة مؤقتة في حرب طويلة الأمد لم تُحسم جذورها السياسية بعد.