السبت 13 يونيو 2026
من المرجح أن تكون الانتخابات الإثيوبية المقررة في الأول من يونيو/حزيران واحدة من أقل الانتخابات تنافسية منذ إدخال التعددية الحزبية إلى البلاد عام 1991. فعلى امتداد العقود الثلاثة الماضية، لم تتحول الانتخابات في إثيوبيا إلى آلية فعلية لتوسيع الخيارات السياسية أمام المواطنين، بقدر ما استُخدمت غالبا لإعادة تثبيت سلطة الحكومة القائمة ومنحها غطاء انتخابيا جديدا.
غير أن خصوصية هذه الجولة لا تقتصر على ضعف التنافس السياسي، فالمشهد الانتخابي يأتي هذه المرة مثقلا بتوترات داخلية عميقة، خصوصا في إقليمي تيغراي وأمهرة، وهي توترات لا تنفصل عن علاقات إثيوبيا المضطربة مع كل من إريتريا والسودان. بذلك، تبدو الانتخابات جزءا من أزمة أوسع تتداخل فيها الحسابات الداخلية مع الاصطفافات الإقليمية، بما يرفع احتمالات اتساع رقعة الصراع بدلا من احتوائه.
يسعى رئيس الوزراء آبي أحمد إلى تحقيق فوز انتخابي يمنح حزب الازدهار الحاكم فرصة لإعادة تأكيد تفويضه السياسي. وقد يفتح هذا الفوز، وفق بعض التقديرات، الباب أمام تعديلات دستورية تعزز السلطة المركزية، من بينها الانتقال نحو نظام رئاسي تنفيذي، وإعادة النظر في بعض ملامح البنية الفيدرالية الإثنية التي قامت عليها الدولة الإثيوبية الحديثة.
تبدو الأرقام للوهلة الأولى، وكأنها تشير إلى عملية انتخابية واسعة ومفتوحة، فقد أعلن المجلس الوطني للانتخابات تسجيل أكثر من 50 مليون ناخب، من إجمالي سكان يقارب 130 مليون نسمة، إلى جانب ترشح أكثر من 11 ألف شخص ينتمون إلى 47 حزبا. غير أن هذه المؤشرات الكمية لا تكفي وحدها لإثبات وجود منافسة سياسية حقيقية.
في ظل غياب خيار سياسي حقيقي، يجد المواطن الإثيوبي نفسه محاصرا بين اللامبالاة، وصندوق الاقتراع، وفوهة البندقية
فبحسب تقارير عدة، تبدو بعض أحزاب المعارضة أقرب إلى الاصطفاف مع الحكومة منها إلى تحديها سياسيا. ويُعتقد أن تفاهمات تجري معها بشأن ترتيبات لتقاسم السلطة بعد الانتخابات، في مقابل عدم منافسة الحزب الحاكم في بعض الدوائر البرلمانية. ليس هذا النمط جديدا تماما؛ ففي انتخابات عام 2021، فاز حزبا "المواطنون الإثيوبيون من أجل العدالة الاجتماعية" (إزيما)، و"الحركة الوطنية للأمهرة" (ناما)، بعدد محدود من المقاعد، قبل أن يُمنحا لاحقا مناصب وزارية.
في المقابل، يغيب كثير من المنافسين الفعليين لحزب الازدهار عن السباق الانتخابي؛ فبعضهم يعيش في المنفى، وبعضهم محظور من العمل السياسي، وآخرون يقبعون في السجون، بينما لا يرى عدد من الفاعلين المسلحين ما يدفعهم إلى التخلي عن المواجهة مع الحكومة لصالح المشاركة في عملية انتخابية يرونها محدودة الأثر. ومن ثم، فإن المشهد السياسي المقيد لا يبدو، في أفضل الأحوال، سوى تسوية بين النخب أكثر منه تنافسا ديمقراطيا مفتوحا.
في ظل غياب خيار سياسي حقيقي، يجد المواطن الإثيوبي نفسه محاصرا بين اللامبالاة، وصندوق الاقتراع، وفوهة البندقية. ففي إقليم أمهرة، حذرت جماعة "فانو" المسلحة من أنها ستعد كل من يشارك في الانتخابات عدوا لشعب الأمهرة. أما في أوروميا، فقد صعّد "جيش تحرير أورومو" هجماته، منذ نشر القوات الفيدرالية باتجاه تيغراي في شمال البلاد في فبراير/شباط الماضي.
تزداد الصورة تعقيدا مع استبعاد تيغراي من العملية الانتخابية، فالإقليم لا يزال يتعافى من آثار الحرب المدمرة التي دارت بين عامي 2020 و2022، في وقت عادت فيه التوترات بين الحكومة الفيدرالية و"جبهة تحرير شعب تيغراي" إلى مستوى بالغ الخطورة، بما يجعل الانتخابات الحالية عاجزة عن تقديم مخرج سياسي شامل لأزمات البلاد المتراكمة.
في تيغراي، عاد اتفاق بريتوريا لعام 2022 بين الحكومة الإثيوبية و"جبهة تحرير شعب تيغراي" إلى دائرة الانهيار خلال الأسابيع الأخيرة. فقد تحركت الجبهة لاستعادة موقعها في السلطة الإقليمية، عبر إعادة تشكيل المجلس التشريعي الذي كان قائما قبل الحرب، ثم انتخاب رئيسها، دبرتسيون غبرميكائيل، رئيسا للإقليم.
جاءت هذه الخطوة ردا على قرار الحكومة الفيدرالية تجديد ولاية رئيس الإدارة الإقليمية المؤقتة، الجنرال تاديسي وريدي، من جانب واحد. ووريدي، وهو جنرال إثيوبي متقاعد وقائد سابق في "قوات دفاع تيغراي" التي تشكلت لمواجهة القوات الفيدرالية خلال حرب 2020-2022، والذي كان يُنظر إليه في مرحلة سابقة باعتباره شخصية توافقية قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية. غير أن تمديد ولايته دون توافق، إلى جانب منع "جبهة تحرير شعب تيغراي" من المشاركة في الانتخابات العامة، عمّق شعور الجبهة بأن الحكومة تسعى إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي في الإقليم على حسابها.
رغم أن الطرفين لا يبدوان راغبين، على الأقل ظاهريا، في العودة إلى حرب مفتوحة، فإن احتمالات تجدد الصراع لا تزال مرتفعة. فإعلان الجبهة استعادة سلطتها الإقليمية من طرف واحد يضع الحكومة الفيدرالية أمام معادلة صعبة: التراجع قد يُفسَّر على أنه ضعف، والتصعيد العسكري قد يعيد البلاد إلى واحدة من أكثر جبهاتها دموية وتعقيدا.
مع ذلك، قد لا يكون آبي أحمد متعجلا في الذهاب إلى مواجهة عسكرية شاملة قبل الانتخابات؛ فالحسابات السياسية الداخلية، إلى جانب النقص الحاد في الوقود المرتبط بتداعيات الحرب الإيرانية، لا توفر بيئة مناسبة لحملة عسكرية طويلة ومكلفة. لذلك، قد يفضّل رئيس الوزراء مواصلة سياسة الضغط التدريجي بدلا من الانزلاق السريع إلى الحرب.
منذ توقيع اتفاق بريتوريا، يبدو أن الحكومة الفيدرالية اتبعت مقاربة مزدوجة لإضعاف نفوذ "جبهة تحرير شعب تيغراي" داخل الإقليم. فمن جهة، مارست ضغوطا اقتصادية على تيغراي، ومن جهة أخرى سعت إلى تقويض شرعية الجبهة سياسيا عبر دعم ضمني لقوى تيغرانية منافسة، من بينها حزب "سيمريت" الذي يقوده غيتاتشو رضا، مستشار آبي أحمد الحالي، والذي يحاول بناء ائتلاف سياسي أوسع داخل الإقليم.
قد تستمر الحكومة في هذا المسار، باعتباره أقل كلفة من المواجهة العسكرية المباشرة. غير أن تحريك قوات في اتجاه الشمال يبقي خيار القوة قائما. وإذا انفجر الصراع مجددا في تيغراي، فمن غير المرجح أن يبقى محصورا داخل الحدود الإثيوبية. فالتوازنات الإقليمية المحيطة بالإقليم تقوم بدرجة كبيرة على قاعدة "عدو عدوي صديقي"، ما يعني أن أي حرب جديدة قد تستدعي تدخلا أو اصطفافا من إريتريا والسودان وحلفائهما، وتحوّل الأزمة الداخلية إلى اشتعال إقليمي أوسع.
لا تقف أزمة تيغراي عند حدود الداخل الإثيوبي، بل تمتد إلى شبكة أوسع من الاصطفافات الإقليمية التي تحكمها إلى حد بعيد قاعدة «عدو عدوي صديقي». فقد عززت "جبهة تحرير شعب تيغراي" علاقاتها مع إريتريا والقوات المسلحة السودانية، وهما طرفان تجمعهما علاقات متوترة بالحكومة الإثيوبية، وإن اختلفت دوافع كل منهما وسياقاته.
تندرج هذه الاصطفافات في مشهد إقليمي أكثر تعقيدا، إذ تتقاطع مصالح هذه الأطراف مع السعودية ومصر وتركيا، في مقابل نفوذ متنام للإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، اللتين تعدّان إثيوبيا وصوماليلاند من بين شركائهما. بهذا المعنى، لم تعد الأزمة الإثيوبية مجرد صراع داخلي على السلطة والنفوذ، بل أصبحت جزءا من توازنات أوسع في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
تبرز خطورة هذا التشابك في الدور المباشر أو غير المباشر الذي تلعبه أطراف إقليمية في محيط تيغراي والسودان. فالقوات الإريترية تعمل داخل تيغراي، وتتيح إريتريا "جبهة تحرير شعب تيغراي" منفذا حدوديا وحيدا مع طرف حليف. وفي المقابل، شارك مقاتلون تيغرانيون متمركزون في شرق السودان في القتال إلى جانب القوات المسلحة السودانية. كما جمع اجتماع تنسيقي عُقد مؤخرا في بورتسودان جماعات معارضة إثيوبية مع مشاركين سودانيين موالين للجيش السوداني وآخرين إريتريين، في مؤشر إضافي على اتساع نطاق التنسيق العابر للحدود.
ترى الحكومة الإثيوبية في هذا التقارب، المعروف بتحالف "تسيمدو"، تهديدا مباشرا لأمنها القومي. فقلق أديس أبابا لا يقتصر على تيغراي وحدها، بل يشمل مناطقها الحدودية الحساسة مع إريتريا والسودان، ولا سيما غرب تيغراي، المعروف لدى الأمهرة باسم ولقايت، إلى جانب إقليم بني شنقول-قمز. وهذه المناطق ليست مجرد هوامش جغرافية، بل عقد سياسية وأمنية قابلة للاشتعال إذا تداخلت فيها الحسابات المحلية مع الدعم الخارجي.
قد لا يكون آبي أحمد متعجلا في الذهاب إلى مواجهة عسكرية شاملة قبل الانتخابات؛ فالحسابات السياسية الداخلية، إلى جانب النقص الحاد في الوقود المرتبط بتداعيات الحرب الإيرانية، لا توفر بيئة مناسبة لحملة عسكرية طويلة ومكلفة
في السياق السوداني، يكشف هذا التشابك أن تدفق السلاح والمال الذي يغذي الحرب ليس قدرا محتوما، بل مسألة ترتبط أساسا بغياب الإرادة السياسية لوقفه. فبحسب تقارير، ردت إثيوبيا على اصطفاف خصومها بتسهيل الدعم لخصوم القوات المسلحة السودانية، وفي مقدمتهم قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال.
تفيد تقارير صادرة عن رويترز ومختبر البحوث الإنسانية في جامعة ييل بأن إثيوبيا وفرت معسكرا للتدريب العسكري لقوات الدعم السريع في منطقة بني شنقول-قمز الحدودية. ونقلت رويترز عن مصادر قولها إن المعسكر حظي بتمويل ودعم من الإمارات العربية المتحدة، التي وُجهت إليها اتهامات بنقل أسلحة إلى قوات الدعم السريع. غير أن أبوظبي تنفي بشدة أي دعم لهذه القوات، وتؤكد أنها ليست طرفاً في الصراع السوداني.
كما اتهمت القوات المسلحة السودانية إثيوبيا بالسماح بإطلاق طائرات مسيّرة من أراضيها باتجاه السودان، وهي اتهامات نفتها أديس أبابا. غير أن مجرد تداول هذه الاتهامات يعكس حجم انعدام الثقة بين الأطراف، ويؤكد أن أي تصعيد جديد في تيغراي أو على الحدود الإثيوبية السودانية قد يتحول سريعا إلى أزمة إقليمية أوسع، تتداخل فيها الجبهات الإثيوبية والسودانية والإريترية في مشهد واحد شديد الهشاشة.
بصرف النظر عن مسار الانتخابات ونتائجها، تبدو الحاجة ملحة إلى استجابة دبلوماسية منسقة تتعامل مع التصعيد الحالي بوصفه أزمة تتجاوز الحسابات الداخلية الإثيوبية، وتمتد بتداعياتها إلى القرن الأفريقي بأكمله. فالمخاطر لم تعد محصورة في احتمال تجدد القتال داخل تيغراي، بل تشمل أيضا احتمالات اتساع التوتر بين إثيوبيا وجيرانها، ولا سيما إريتريا والسودان.
التوازنات الإقليمية المحيطة بالإقليم تقوم بدرجة كبيرة على قاعدة "عدو عدوي صديقي"، ما يعني أن أي حرب جديدة قد تستدعي تدخلا أو اصطفافا من إريتريا والسودان وحلفائهما، وتحوّل الأزمة الداخلية إلى اشتعال إقليمي أوسع
وقد اتخذ الاتحاد الأفريقي خطوة أولى في هذا الاتجاه بإعادة تعيين الرئيس النيجيري الأسبق أولوسيغون أوباسانجو مبعوثا إقليميا، في محاولة لإحياء قنوات الوساطة التي تراجعت فعاليتها خلال الفترة الماضية. غير أن نجاح هذه المهمة يتطلب أكثر من مجرد إعادة فتح المسار الدبلوماسي؛ فهو يحتاج إلى فريق وساطة موثوق وقادر على التعامل مع تعقيدات الأزمة السياسية والأمنية. في هذا السياق، قد يكون الرئيس الكيني السابق أوهورو كينياتا، ونائبة رئيس جنوب أفريقيا السابقة فومزيل ملامبو-نغكوكا، وهما من الشخصيات التي شاركت في مسار بريتوريا، مناسبين للعمل إلى جانب أوباسانجو. كما ينبغي أن يجري هذا الجهد بالتنسيق مع المبعوث الإقليمي الآخر للاتحاد الأفريقي، الرئيس التنزاني السابق جاكايا كيكويتي.
لكن الوساطة الأفريقية وحدها قد لا تكون كافية ما لم تُدعّم بتحرك دولي منسق. فالقوى الكبرى ذات المصلحة المباشرة في استقرار المنطقة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين والسعودية وتركيا والإمارات العربية المتحدة، تملك أدوات ضغط وحوافز يمكن أن تساعد في خفض التصعيد، إذا استُخدمت ضمن إطار واحد لا ضمن مقاربات متفرقة أو متنافسة.
وقد توفر التحركات الأميركية الأخيرة في المنطقة مدخلا لتشجيع التهدئة، بما في ذلك تخفيف القيود على صادرات السلاح إلى إثيوبيا وتعزيز الروابط التجارية معها، إلى جانب تقارير تتحدث عن بحث رفع العقوبات عن إريتريا. كما أن استئناف الاتحاد الأوروبي دعمه المباشر للموازنة الإثيوبية يمنح أديس أبابا حافزا إضافيا لتجنب الانزلاق إلى مواجهة جديدة. فأي عودة إلى الحرب في تيغراي، أو أي تصعيد إقليمي بين إثيوبيا وإريتريا، سيعرّض هذه الشراكات الدولية للخطر، ويقوض المكاسب الدبلوماسية والاقتصادية التي تسعى الحكومة الإثيوبية إلى تثبيتها.
لذلك، لا بد من مسار تهدئة جاد يستند إلى اتفاق بريتوريا باعتباره قاعدة أولية لبناء سلام أكثر استدامة في تيغراي. غير أن هذا المسار ينبغي أن يكون متوازنا: فمن جهة، يجب رفض الإجراءات الأحادية التي اتخذتها "جبهة تحرير شعب تيغراي" لاستعادة سلطتها الإقليمية خارج إطار التوافق؛ ومن جهة أخرى، ينبغي تقديم حافز سياسي واضح للشراكة مع الحكومة الفيدرالية من خلال إدارة إقليمية مؤقتة فاعلة وذات قبول محلي.
وأي تسوية قابلة للاستمرار يجب أن تذهب أبعد من وقف التصعيد الآني. فهي مطالبة بإعادة دمج تيغراي في الفيدرالية الإثيوبية، ومعالجة الملفات الأكثر حساسية، مثل الأراضي المتنازع عليها، وضمان وصول الدعم الفيدرالي إلى سكان الإقليم، وإعادة بناء الثقة بين المركز والقوى المحلية. ومن دون تقدم ملموس في هذه القضايا الداخلية والإقليمية المتشابكة، قد تتحول الانتخابات الإثيوبية من فرصة لإعادة ترتيب المشهد السياسي إلى عامل إضافي يدفع نحو مزيد من التفكك واتساع رقعة الصراع.