السبت 11 أبريل 2026
في وقت تتكاثر فيه بؤر التوتر داخل إثيوبيا، يعود ملف المنفذ إلى البحر ليظهر في الخطاب الرسمي والشبه الرسمي بوصفه قضية وجودية تتجاوز المطلب الاقتصادي. وبات يُستَحضر هذا الملف عبر إشارات رمزية واستعراضات عسكرية وخرائط مُعدّلة تقوم بها الحكومة الإثيوبية، مما يوحي بأن الأمر يتجاوز بحثاً هادئاً عن حلول دبلوماسية، ويتجه إلى تعبئة داخلية قد تفتح الباب أمام صدام إقليمي جديد، خصوصاً مع إريتريا.
منذ استقلال إريتريا مطلع التسعينيات، صارت إثيوبيا دولة حبيسة تعتمد على موانئ الجوار لتأمين تجارتها ووارداتها الأساسية. اقتصادياً، كان السعي إلى اتفاقات عبور واستخدام موانئ عبر التفاوض مفهوما. لكن تحويله إلى شعار تعبوي، يلوّح بتغيير الحدود بالقوة يضع المنطقة أمام خط أحمر في القانون الدولي والأعراف الأفريقية.
خلال احتفال رسمي بذكرى تأسيس قوات خاصة في الجيش الإثيوبي، برزت لافتات وشعارات تذهب مباشرة إلى صلب الجرح الإقليمي: "سواء أرادوا أم لم يريدوا، لن نبقى بلا منفذ إلى البحر". لم يكن الشعار معزولاً عن صورة رمزية لسفينة تحمل اسم "عصب إثيوبيا" وإشارة إلى كسر "حاجز" يفصل جندياً عن البحر. لم تكن الرسالة هنا لغزاً؛ فالحديث يدور عن ميناء عصب الإريتري على البحر الأحمر، بما يعني تلميحاً إلى حق مكتسب أو مشروع ضم واضح. وفي مناسبة أخرى، ظهرت خريطة للقرن الأفريقي تُدرج إريتريا ضمن الحدود الإثيوبية، كما كان الحال قبل 1991، ثم أزيلت المواد سريعاً من منصات رسمية بعد انتشارها.
قد تبدو هذه الوقائع، في ظاهرها، مجرد زلات دعائية من جمهور متحمس. لكنها أكثر خطورة حين تُعرَض في فعاليات رسمية، وبحضور القيادة السياسية والعسكرية، وحين تأتي في سياق رسائل متكررة عن "حق" إثيوبيا في الوصول إلى البحر ولو بالقوة. وفي منطقة مثل القرن الأفريقي، حيث لا تفصل بين الشعارات والرصاص إلا خطوات قليلة، تتحول الرموز إلى أدوات تعبئة واستفزاز.
تتزامن هذه الإشارات مع تواريخ حساسة في الذاكرة الإريترية، مثل ذكرى عملية فنكيل التي قادتها الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا لتحرير ميناء مصوع في فبراير/شباط 1990. كان ذلك الانتصار، بالنسبة إلى الإريتريين، محطة مفصلية سبقت سقوط نظام منغستو هايلي مريام عام 1991، وتكريس استقلال إريتريا. لذلك تُقرأ أي إشارات إثيوبية إلى عصب أو إلى إعادة رسم الحدود على أنها عودة إلى منطق ما قبل الاستقلال، ومحاولة لفتح صفحة بالقوة في ملف أغلقته حروب طويلة واتفاقات دولية.
لا يمكن عزل هذا عن ذاكرة الحرب الإثيوبية-الإريترية بين 1998 و2000، التي اندلعت بسبب نزاع حدودي ثم تحولت إلى حرب استنزاف مكلفة للطرفين. صحيح أن مسار المصالحة الذي أُعلن عام 2018 أعاد العلاقات الدبلوماسية وفتح أبواباً كانت مغلقة لسنوات، لكن كثيراً من الملفات بقيت رهينة التوازنات الداخلية في البلدين، وبقيت لغة القوة حاضرة تحت السطح. لذلك يتعامل الإريتريون مع أي تلميح إثيوبي إلى تغيير الوضع القائم كإنذار مبكر لحرب قادمة.
تواجه الحكومة مأزقاً متعدّد الأبعاد، فهنالك احتجاجات مسلحة في عدة أقاليم، وتراجعت الثقة في المركز وسط انقسام اجتماعي، وبيئة اقتصادية خانقة. ما قد يحول الحرب الخارجية إلى أداة سياسية لتوحيد الصفوف خلف القيادة، وتوسيع نطاق الطوارئ، وتأجيل الاستحقاقات الانتخابية أو إعادة ضبط قواعد اللعبة بما يخدم السلطة القائمة
في المقابل، تميل أسمرة إلى ضبط خطابها العلني وعدم الانجرار إلى تهديدات صاخبة. ردودها غالباً ما تأتي عبر بيانات تؤكد سيادة الدولة وحدودها المعترف بها دولياً، وتعيد التذكير بالسردية التاريخية من منظورها. لكن الهدوء لا يعني استبعادها لخيار الحرب، فإريتريا، بحسب تقديرات كثيرة، تحتفظ بقدرات عسكرية معتبرة وتجربة قتال طويلة، وتتحرك بمنطق السرية أكثر من الاستعراض. ويشير مراقبون إلى أن اعتمادها على شبكة تسليح متنوعة ومصادر تدريب متعددة يمنحها هامش ردع، حتى إن لم تُظهر ذلك في الدعاية.
اللافت أن التغطيات الدولية للقرن الأفريقي كثيراً ما تعيد إنتاج سرديات جاهزة، عبر تقديم إريتريا باعتبارها دولة منبوذة وعدواً للاستقرار، بينما تُصوَّر إثيوبيا، في المقابل، كدولة صاعدة ومختبر ديمقراطي رغم أزماتها العميقة. هذه الثنائية لا تساعد على فهم ما يجري. فمن ناحية، تعيش إثيوبيا حالة استنزاف داخلي واسع، مع اشتباكات مسلحة في أكثر من إقليم، وتوترات إثنية-سياسية حادة، وأزمة اقتصادية تعمقها معدلات تضخم مرتفعة، وتراجع قدرة الدولة على توفير الحد الأدنى من الخدمات. ومن ناحية أخرى، ليست إريتريا خارج المعادلة الإقليمية ولا هي بالضرورة مصدر كل اضطراب، كما يُقدَّم أحياناً.
واحدة من أخطر سمات المشهد هي ازدواجية الخطاب السياسي. حين تتوجه الحكومة الإثيوبية إلى المجتمع الدولي باللغة الإنجليزية، تكثر مفردات الدبلوماسية والحوار وحق إثيوبيا التاريخي في التنمية. لكن عندما تتحدث إلى جمهورها الداخلي أو إلى جيرانها باللغات المحلية، يبرز خطاب أكثر حدّة، يتضمن تلميحات إلى الحسم بالقوة، وتحميل أطراف خارجية مسؤولية حرمان البلاد من البحر. هذا التباين يضاعف الشكوك لدى الجيران ويجعل أي تطمينات دولية تبدو مجرد واجهة. ويتغذى هذا الخطاب أيضاً من توترات أخرى مع الجوار، من السودان إلى الصومال، ما يرفع احتمال أن تتحول قضية البحر إلى عنوان جامع لتوترات متعددة.
في هذا السياق، يبرز سؤال طبيعي: أين الاتحاد الأفريقي، الذي يقع مقره في أديس أبابا؟ ولماذا يغيب موقف صريح يذكّر بميثاق الاتحاد الذي يقوم، في جوهره، على احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار ومنع تغييرها بالقوة؟ صمت الاتحاد، في نظر منتقدين كثر، لا يبدو حياداً بقدر ما يبدو تردداً نابعاً من الحساسية السياسية لكون الدولة المضيفة لاعباً مركزياً. ولا يختلف الوضع كثيراً في "إيغاد" (الهيئة الحكومية للتنمية)، التي اتُهمت مراراً بالميل إلى الموقف الإثيوبي، قبل أن تعلن إريتريا انسحابها منها في ديسمبر/كانون الأول 2025، بعد عودة قصيرة لم تثمر اختراقاً.
في الداخل الإثيوبي، يبدو أن الحكومة تواجه مأزقاً متعدّد الأبعاد، فهنالك احتجاجات مسلحة في عدة أقاليم، وتراجعت الثقة في المركز وسط انقسام اجتماعي، وبيئة اقتصادية خانقة. وسط ذلك، قد تتحول الحرب الخارجية إلى أداة سياسية لتوحيد الصفوف خلف القيادة، وتوسيع نطاق الطوارئ، وتأجيل الاستحقاقات الانتخابية أو إعادة ضبط قواعد اللعبة بما يخدم السلطة القائمة.
ويزداد هذا الاحتمال مع اتساع إجراءات الطوارئ في بعض الأقاليم، وعلى رأسها أمهرة، حيث تشهد البلاد توتراً بين الحكومة وفصائل محلية مسلحة. وفي مثل هذه الحالات، يُنظر إلى الحالة الاستثنائية كوسيلة لإعادة ترتيب الدولة من أعلى، عبر توسيع صلاحيات الأجهزة وتقليص مساحة المعارضة، وحتى إعادة تعريف الأمن القومي، بحيث يصبح الاعتراض الداخلي امتداداً للتهديد الخارجي. وهذا بالضبط ما يجعل ملف البحر مغرياً، فهو يقدم موضوعاً سيادياً يمكن استخدامه لتبرير تشديد القبضة.
تتداول أوساط سياسية وإعلامية أن الانتخابات المقررة، بعد تأجيلات سابقة، في 1 يونيو/حزيران 2026، قد تُستَخدم كذريعة إضافية. إما لتعبئة وطنية تحت شعار الخطر الخارجي، أو لتأجيل جديد يمنح الحكومة وقتاً لإعادة هندسة المجال السياسي. في كلتا الحالتين، يصبح الحديث عن منفذ بحري جزءاً من استراتيجية إدارة أزمة داخلية، لا مجرد ملف تنموي.
يكثر الحديث في الإقليم عن سيناريو شبيه بتفكك يوغوسلافيا السابقة، ويُستخدم مصطلح "إثيوسلافيا" كتنبيه إلى ما قد يحدث إذا استمرت الدولة في فقدان قدرتها على إدارة التنوع
على الأرض، تشير مؤشرات كثيرة إلى تركّز كثيف للقوات الإثيوبية في الشمال، قرب إقليم تيغراي، حيث تعود التوترات مع جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF) إلى الواجهة رغم اتفاق وقف الحرب التي دارت بين 2020 و2022. لكن المشكلة ليست في الجبهة وحدها. فخطوط الإمداد نفسها تتعرض، وفق تقارير متداولة، لهجمات أو كمائن من قوى متمردة أخرى، مثل جيش تحرير أورومو (OLA) وفصائل "فانو" في أمهرة. ومع اتساع الجبهات، يصبح الجيش معرضاً للإرهاق، ليس فقط عسكرياً بل اجتماعياً أيضاً، بسبب الانشقاقات والتسرب من الخدمة، وهي ظاهرة تتكرر عادة في الحروب الطويلة حين تتراجع الدوافع وتتزايد الخسائر. ولهذا يبدو فتح جبهة جديدة مع دولة مجاورة مقامرة مضاعفة الجبهة الداخلية غير محصّنة، والجيش موزع على مساحات واسعة، وأي تعثر في الشمال قد يرتد سريعاً على بقية الأقاليم.
يراهن البعض في أديس أبابا، كما يُستنتج من بعض الخطابات، على أن تحييد تيغراي سيمنح المركز طريقاً أسهل للمناورة إقليمياً، وربما للضغط على إريتريا عبر أقاليم حدودية مثل العفر. لكن عفر نفسها ليست ساحة مستقرة، مع احتكاكات بين الحكومة المركزية وقوى محلية مسلحة، يشار إلى بعضها باسم ANURF، ما يعني أن أي تصعيد خارجي قد يفتح الباب أمام صدامات داخلية جديدة، ويخلق وضعاً إنسانياً أكثر كارثية في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة الخدمات والنزوح وتراجع الأمن الغذائي.
تعدد التمردات والحركات المسلحة في إثيوبيا، ذات الطابع الإثني-السياسي، يكشف هشاشة نموذج الفيدرالية القائمة على الهويات، وهو نموذج لم ينجح، طوال عقود، في خلق تمثيل وطني مشترك بقدر ما رسخ تنافساً دائماً على السلطة والموارد والحدود الداخلية. ومع تدهور الاقتصاد، تخرج التناقضات إلى السطح بسرعة أكبر. لهذا يكثر الحديث في الإقليم عن سيناريو شبيه بتفكك يوغوسلافيا السابقة، ويُستخدم مصطلح "إثيوسلافيا" كتنبيه إلى ما قد يحدث إذا استمرت الدولة في فقدان قدرتها على إدارة التنوع.
يبدو فتح جبهة جديدة مع دولة مجاورة مقامرة مضاعفة الجبهة الداخلية غير محصّنة، والجيش موزع على مساحات واسعة، وأي تعثر في الشمال قد يرتد سريعاً على بقية الأقاليم
في مثل هذا المناخ، تصبح اتهامات أديس أبابا لدول مجاورة، وعلى رأسها إريتريا، بدعم الحركات المتمردة، سلاحاً ذا حدين: فهي قد تُستخدم لخلق ذريعة لعمل عسكري خارجي، لكنها في الوقت نفسه ترفع مستوى الشك والعداء في بيئة متفجرة أصلاً، وتُغلق منافذ التسوية الإقليمية. والأسوأ أن تحويل الخصومات الداخلية إلى مؤامرة خارجية قد يريح السلطة مؤقتاً، لكنه يعمّق أزمة الثقة بين المركز والمجتمعات المحلية على المدى الأبعد.
لا يمكن فصل هذا المشهد عن تنافس المحاور في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. فقد أصبحت الموانئ أوراق نفوذ في صراع أوسع على الممرات البحرية، والقواعد اللوجستية، وتأمين خطوط الطاقة والتجارة العالمية. لهذا تصبح أي إشارة إلى عصب أو إلى "حق إثيوبيا في البحر" جزءاً من معركة نفوذ، لا مجرد مطلب اقتصادي.
ثمة من يرى أن بعض القوى الإقليمية والدولية تشجع على إعادة هندسة الخرائط والنفوذ عبر الموانئ والممرات البحرية، وأن إثيوبيا، بحكم ثقلها السكاني والعسكري، تتحول أحياناً إلى ساحة جذب وابتزاز في آن واحد. وفي قراءات نقدية، تُطرح فكرة أن سيادة الدولة الإثيوبية مقيّدة بحسابات داعمين وشركاء خارجيين يقدمون المال والسلاح والغطاء السياسي مقابل تموضع استراتيجي في ساحل البحر الأحمر.
لكن حتى ضمن هذا المنطق، لا تبدو النتائج مضمونة. فالسعودية، بوصفها راعية لاتفاق جدة 2018 الذي أنهى رسمياً قطيعة طويلة بين أديس أبابا وأسمرة، قد تجد نفسها أمام اختبار صعب إذا اندلع صدام مفتوح. وفي حال تعرضت إريتريا لهجوم، قد تميل الرياض إلى دعمها سياسياً وربما أمنياً حماية لتوازنات البحر الأحمر ومنع تمدد خصومها على الضفة المقابلة. كما أن شبكة التقاربات التي تتشكل في الإقليم، وتشمل دولاً مثل مصر وتركيا وقطر والسودان والصومال وغيرها، تجعل أي نزاع إثيوبي-إريتري قابلًا لأن يتحول إلى عقدة إقليمية أوسع.
المحصلة أن إثيوبيا تقف اليوم أمام مفترق حاد، إما أن تتجه إلى تسوية داخلية وإقليمية تخفف الضغط وتعيد بناء عقد اجتماعي متماسك، أو أن تستمر في استخدام ملف المنفذ البحري كوقود تعبئة، بما يحول قضية التنمية إلى مشروع صدام. المشكلة أن الحرب، حتى لو بدت في نظر بعض صناع القرار وسيلة للهروب من الأزمات الداخلية، لا تعالج الانهيار بل تعجله. وفي بلد متعدد الهويات ومثقل بتاريخ من الانقسامات والحروب، قد تكون شرارة واحدة كافية لتفتح سلسلة انهيارات متتابعة.