تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 6 أكتوبر 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

إثيوبيا أمام عودة الحرب: هل نحن أمام صراع داخلي أم أزمة إقليمية؟

2 أكتوبر, 2026
الصورة
إثيوبيا أمام عودة الحرب: هل نحن أمام صراع داخلي أم أزمة إقليمية؟
Share

شهد شمال إثيوبيا خلال الأيام الأخيرة تصعيداً عسكرياً كبيراً، مع عودة القتال بين القوات الفيدرالية الإثيوبية والقوات المرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي، وامتداد المواجهات إلى إقليمي أمهرة وعفر. وفي 28 سبتمبر/أيلول، أفادت رويترز بأن القوات الموالية للحكومة أعلنت السيطرة على مدينة ألاماتا الاستراتيجية جنوب عاصمة تيغراي، في تحول ميداني بعد الهجوم الذي شنته قوات المعارضة من تيغراي.

كانت قوات تيغراي قد سيطرت قبل ذلك على ثلاثة مطارات، فيما تعطلت خدمات الإنترنت والاتصالات في أجزاء من الإقليم. تقول رويترز إن القتال الحالي يشكل أخطر انتكاسة لاتفاق السلام الذي أنهى حرب 2020–2022.

الأهم أن التصعيد جاء بعد أيام قليلة من إعلان سبع جماعات إثيوبية مسلحة تشكيل تحالف تحت اسم «التحالف الإثيوبي لقوات الشعوب من أجل البقاء»، يضم جبهة تحرير شعب تيغراي، وجيش تحرير أورومو، وحركة فانو الأمهرا، وجماعات من مناطق الصومال وعفر وبني شنقول-قمز. واللافت أن بعض هذه القوى كانت تقاتل في معسكرات متعارضة خلال الحرب السابقة.

لماذا يمثل التحالف الجديد تحولا مهما؟

لا تكمن القيمة السياسية للتحالف في عدد الجماعات المشاركة فيه فقط، وإنما في أنه يحاول نقل الصراع من تمرد إقليمي في تيغراي إلى جبهة متعددة القوميات ضد حكومة آبي أحمد. فجبهة تيغراي كانت في الحرب السابقة تواجه الحكومة الفيدرالية وحلفائها، ومن بينهم قوات أمهرا. أما اليوم فإن فصائل من أمهرا نفسها أصبحت في مواجهة مع حكومة آبي أحمد، الأمر الذي خلق تقاطعا مؤقتا بين خصوم سابقين.

لكن ينبغي الحذر من اعتبار التحالف كتلة عسكرية متجانسة؛ فهذه الجماعات تختلف في أهدافها السياسية والجغرافية والتاريخية. وما يجمعها أساساً في الوقت الراهن هو معارضة حكومة آبي أحمد والرغبة في تغيير شكل السلطة الانتقالية، بينما تظل كيفية إدارة المصالح المتعارضة بينها سؤالاً مفتوحاً.

جذور الصراع

لفهم التطورات الحالية، لا بد من العودة إلى التحول السياسي الذي بدأ بعد عام 2018. فعلى مدى نحو ثلاثة عقود، كانت جبهة تحرير شعب تيغراي مكونا رئيسيا في النظام السياسي الإثيوبي الذي حكم البلاد منذ الإطاحة بنظام منغستو هايلي ماريام عام 1991.

مع صول آبي أحمد إلى رئاسة الحكومة عام 2018 تغيّرت موازين القوى. فقد بدأ بإعادة تشكيل النظام السياسي، ثم أُنشئ حزب الازدهار عام 2019، بينما بقيت جبهة تيغراي خارج المشروع الحزبي الجديد. وتحول الخلاف السياسي إلى مواجهة عسكرية في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، قبل أن تنتهي الحرب باتفاق بريتوريا في نوفمبر/تشرين الثاني 2022.

لا تكمن القيمة السياسية للتحالف في عدد الجماعات المشاركة فيه فقط، وإنما في أنه يحاول نقل الصراع من تمرد إقليمي في تيغراي إلى جبهة متعددة القوميات ضد حكومة آبي أحمد

غير أن الاتفاق لم ينهِ جميع أسباب الصراع. وبقيت ملفات مثل: نزع السلاح، ووضع المناطق المتنازع عليها، وعودة النازحين، والعلاقة بين الحكومة الفيدرالية وحكومة تيغراي مصادر توتر مستمرة.

تشير رويترز إلى أن الحكومة الفيدرالية وجبهة تيغراي تبادلتا خلال الأشهر الأخيرة الاتهامات بانتهاك اتفاق نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، قبل أن ينفجر القتال مجددا. وهنا يمكن فهم الحرب الحالية باعتبارها أزمة لم تُحل جذورها بالكامل، وإنما جرى تجميدها باتفاق وقف الحرب.

إريتريا من حليف لأحمد إلى أحد مفاتيح الصراع الجديد

تمثل إريتريا أحد أهم المتغيرات التي تميز الأزمة الإثيوبية الحالية عن الحرب التي اندلعت في تيغراي عام 2020. ففي الحرب السابقة، كانت أسمرا حليفاً عسكرياً رئيسياً للحكومة الإثيوبية، وشاركت القوات الإريترية إلى جانب الجيش الفيدرالي الإثيوبي والقوات الأمهراوية في القتال ضد جبهة تحرير شعب تيغراي.

لكن العلاقة بين أسمرا وأديس أبابا تغيرت بصورة كبيرة بعد انتهاء الحرب. فالسلام الذي وقعه آبي أحمد مع إريتريا عام 2018 أنهى عقوداً من العداء بين البلدين، وحصل آبي أحمد على جائزة نوبل للسلام عام 2019. غير أن هذا التقارب لم يتحول إلى شراكة استراتيجية مستقرة على المدى الطويل.

كان العامل المشترك بين إريتريا والحكومة الإثيوبية خلال حرب تيغراي هو العداء لجبهة تحرير شعب تيغراي. لكن بعد توقف الحرب، ظهرت خلافات أعمق حول مستقبل المنطقة وترتيبات ما بعد الحرب.

تزداد أهمية ذلك بسبب أن أسمرا تنظر إلى جبهة تحرير شعب تيغراي باعتبارها خصماً تاريخياً، وفي الوقت نفسه تنظر بحساسية شديدة إلى أي مشروع إثيوبي قد يعيد لأديس أبابا قدرة عسكرية أو نفوذاً إقليمياً على حساب إريتريا.

هنا تظهر قضية الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر بوصفها أحد الملفات الاستراتيجية المهمة في العلاقات بين البلدين لأن إثيوبيا دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، وتعتمد على موانئ الدول المجاورة، خصوصاً جيبوتي. ولذلك أصبح حصولها على منفذ بحري أو ترتيبات طويلة الأمد على ساحل البحر الأحمر جزءاً من الحسابات الاستراتيجية للحكومة الإثيوبية.

وقد أثارت تصريحات وتحركات أديس أبابا المتعلقة بالوصول إلى البحر الأحمر مخاوف في أسمرا، خصوصاً أن إريتريا تمتلك ساحلاً طويلاً وموانئ استراتيجية مثل مصوع وعصب.

لماذا تصبح تيغراي مهمة بالنسبة لإريتريا؟

تحد إريتريا إثيوبيا من الشمال، بينما تقع تيغراي مباشرة جنوب الحدود الإريترية، وهذا يجعل أي حرب في تيغراي ذات تأثير مباشر على الأمن القومي الإريتري. في الحرب السابقة، كانت أسمرا قادرة على استخدام قواتها في العمق الإثيوبي ضد جبهة تيغراي. أما اليوم، فإن عودة القتال إلى المنطقة تضع إريتريا أمام معادلة مختلفة: إذا انتصرت الحكومة الإثيوبية، فقد تستعيد أديس أبابا قدرتها على الضغط على جيرانها. وإذا استعادت جبهة تيغراي قوتها، فقد تجد أسمرا نفسها أمام خصم تعرفه جيدا، وتملك معه تاريخاً طويلاً من العداء. لهذا فإن موقف إريتريا لا يمكن اختزاله بسهولة في دعم طرف واحد بصورة مطلقة؛ فحساباتها ترتبط أيضاً بمنع ظهور قوة إثيوبية مهيمنة على حدودها.

وهنا يمكن فهم الحرب الحالية باعتبارها أزمة لم تُحل جذورها بالكامل، وإنما جرى تجميدها باتفاق وقف الحرب

والمفارقة أن أسمرا خاضت حرباً شرسة ضد جبهة تيغراي، ولذلك فإن الحديث عن تحالف مباشر ومستقر بين الطرفين يحتاج إلى أدلة واضحة. لكن تغير الخريطة السياسية في إثيوبيا جعل المصالح تتقاطع بصورة مختلفة عن عام 2020. فأسمرا قد ترى أن إضعاف حكومة آبي أحمد يخدم بعض مصالحها الاستراتيجية، دون أن يعني ذلك بالضرورة أنها تريد عودة جبهة تيغراي إلى الهيمنة التي كانت تتمتع بها في النظام الإثيوبي السابق. وهذا فرق مهم في التحليل: تقاطع المصالح بين إريتريا وبعض خصوم آبي أحمد لا يعني بالضرورة وجود تحالف استراتيجي بينهم.

البحر الأحمر يدخل على خط الأزمة

تتجاوز أهمية إريتريا تيغراي نفسها، فالصراع الإثيوبي الحالي يحدث في منطقة ترتبط مباشرة بالبحر الأحمر وخليج عدن، حيث تتنافس قوى إقليمية ودولية على الموانئ والممرات البحرية. لذا تريد إثيوبيا تعزيز حضورها البحري، فيما تمتلك إريتريا موقعاً ساحلياً استراتيجياً، بينما السودان ومصر مرتبطان بالبحر الأحمر والنيل في آن واحد.

هكذا تتقاطع أربعة ملفات كبرى هي: تيغراي والبحر الأحمر وسد النهضة والحرب السودانية. كل ذلك يجعل أي تصعيد طويل في شمال إثيوبيا قابلاً للتأثير في توازنات المنطقة بأكملها.

هل يمكن أن تدخل إريتريا الحرب مجدداً؟

هذا أحد السيناريوهات التي ينبغي مراقبتها، لكن لا ينبغي التعامل معها كأمر واقع. فهناك ثلاثة مستويات محتملة: الأول؛ دعم سياسي أو استخباراتي غير مباشر للقوى التي تعارض حكومة آبي أحمد. والثاني؛ دعم عسكري محدود أو لوجستي إذا رأت أسمرا أن تطورات الحرب تهدد أمنها مباشرة. والثالث؛ تدخل عسكري مباشر، وهو السيناريو الأكثر خطورة لأنه يمكن أن يحول الحرب الإثيوبية إلى صراع إقليمي مفتوح.

يبقى العامل الحاسم هنا هو طبيعة العلاقة بين أسمرا وأديس أبابا خلال الأسابيع المقبلة، ومدى اقتراب المعارك من الحدود الإريترية، وما إذا كانت الحكومة الإثيوبية ستوجه اتهامات مباشرة لإريتريا بتقديم دعم عسكري للمعارضة.

أين يدخل السودان في الأزمة؟

هنا تكمن واحدة من أخطر نقاط التحليل لأن العلاقة الإثيوبية السودانية لم تعد منفصلة عن الحرب السودانية. ففي فبراير/شباط 2026 نشرت رويترز تحقيقاً قالت فيه إن إثيوبيا تستضيف معسكراً سرياً في إقليم بني شنقول-قمز لتدريب آلاف المقاتلين المرتبطين بقوات الدعم السريع.

وبحسب التحقيق، كان في المعسكر نحو 4300 مقاتل في مطلع يناير/كانون الثاني، مع قدرة استيعابية قد تصل إلى 10 آلاف، واستند التقرير إلى صور أقمار صناعية ووثائق ومصادر دبلوماسية وأمنية. كما تحدث عن توسعة مطار أصوصا بما قد يرتبط بعمليات الطائرات المسيّرة. إذ لم تقدم الحكومة الإثيوبية وقت نشر التحقيق تعليقاً تفصيلياً على نتائجه، كما نفت الإمارات الاتهامات المتعلقة بدورها في تمويل المعسكر.

وفي مايو/أيار، اتهم السودان إثيوبيا والإمارات بالارتباط بهجمات بطائرات مسيّرة استهدفت الخرطوم ومواقع أخرى، وقال الجيش السوداني إن بعض الطائرات انطلقت من منطقة مطار بحر دار. إثيوبيا رفضت الاتهامات ووصفتها بأنها «لا أساس لها

اتهامات إثيوبيا لمصر والسودان

تصاعدت حدة التوتر الجيوسياسي في منطقة القرن الأفريقي وحوض النيل، عقب اتهامات وجهها رئيس أركان الجيش الإثيوبي، المشير برهانو جولا، لكل من مصر والسودان وإريتريا بدعم تحالفات عسكرية مناوئة للحكومة الإثيوبية.

وفي تصريحات حادة صدرت في 27 سبتمبر/أيلول الماضي، اعتبر جولا أن جبهة تحرير شعب تيغراي وحلفاءها لا يشكلون تهديداً كبيراً بمفردهم دون "دعم وتجهيز خارجي"، متهماً أطرافاً إقليمية بتقديم الدعم اللوجستي والعسكري للقوى المعارضة لأديس أبابا. في المقابل، سارعت القوات المسلحة السودانية إلى قاطع الاتهامات الإثيوبية، واصفة إياها بـ "المزاعم التي لا أساس لها من الصحة"، مؤكدة عدم تدخل الخرطوم في الشأن الداخلي الإثيوبي.

وعلى الصعيد الصحفي، تشير المعطيات المتاحة حتى الآن إلى أن الاتهامات الإثيوبية تبذل في إطار الخطاب الرسمي دون تقديم أدلة علنية أو وثائق تفصيلية تثبت التورط المباشر لمصر أو السودان؛ مما يجعلها في سياق "المواقف السياسية" التي تفتقر إلى الإثبات المستقل.

يقرأ مراقبون هذه التطورات في ضوء الأزمة الممتدة بشأن سد النهضة الإثيوبي، والتي شهدت تجدداً في سجال التصريحات بين القاهرة وأديس أبابا خلال سبتمبر/أيلول 2026.

تتمسك مصر والسودان بضرورة إبرام اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد ملء وتشغيل السد في فترات الجفاف وتبادل البيانات، بينما تواصل إثيوبيا التأكيد على حقها الأحادي في استغلال مواردها المائية لأغراض التنمية.

ويرى خبراء في الشأن الإقليمي أن إقحام أديس أبابا لأسماء دول الجوار في صراعاتها الداخلية يتصل وثيقاً بالتوتر الخارجي المحيط بملف المياه، مما يستدعي التعامل مع هذه الاتهامات بوصفها جزءاً من أوراق الضغط السياسي المتبادلة في المنطقة، حثيثاً لحين تقديم أدلة موثوقة ومستقلة.

لماذا يبدو استبعاد تورط الخرطوم منطقيا؟

تستدعي فرضية انخراط الجيش السوداني بشكل مباشر في الحرب الإثيوبية قراءة تحليليّة ملموسة تُوازن بين المصالح الاستراتيجية والقدرات العسكرية الميدانية؛ إذ تظل هذه الفرضية مفتقرة إلى أدلة قاطعة تُثبت صحتها.

منذ إبريل/نيسان 2023 والسودان يشهد استنزافا داخليا وأولويات عسكرية، حيث يخوض مواجهة عسكرية واسعة النطاق ضد قوات الدعم السريع، وهي الحرب التي لا تزال تستنزف مقدراته البشرية والعسكرية واللوجستية بشكل كبير. وفي هذا السياق، أشارت وكالة "رويترز" في سبتمبر/أيلول إلى الاستنزاف المستمر وانعكاساته الاقتصادية والعسكرية البالغة على الدولة، مما يجعل فتح جبهة عسكرية جديدة مع أديس أبابا خياراً يعاكس المصلحة المباشرة للخرطوم في ظل احتياج قواتها للتركيز الكامل على جبهتها الداخلية الأساسية.

هكذا تتقاطع أربعة ملفات كبرى هي: تيغراي والبحر الأحمر وسد النهضة والحرب السودانية. كل ذلك يجعل أي تصعيد طويل في شمال إثيوبيا قابلاً للتأثير في توازنات المنطقة بأكملها

كما أن هناك نفوذا حدوديا وضغوطا غير مباشرة على الرغم من استبعاد الانخراط المباشر، فالواقع الميداني لا ينفي إمكانية وجود قنوات تواصل سياسية، أو استخباراتية، أو تحركات عبر الشريط الحدودي. كما لا يلغي ذلك قدرة الخرطوم على التأثير في مجريات الأحداث داخل إقليم تيغراي بصورة غير مباشرة، تبعاً لتطورات المشهد الإقليمي وتداخل المصالح الحدودية بين البلدين.

السيناريوهات المحتملة

تتأرجح التطورات الميدانية والسياسية في إثيوبيا بين ثلاثة سيناريوهات رئيسية، ترسم ملامح الفترة المقبلة، وتحدد مستويات التأثير الداخلي والإقليمي:

أولا، سيناريو التجميد واحتواء القتال شمالا: يرجّح هذا المسار تمكّن الحكومة الفيدرالية من استعادة بعض المناطق التي خسرتها مؤخراً - على غرار ما شهدته منطقة "ألاماتا" - قبل أن تتجه الضغوط الدولية والإقليمية نحو إقرار وقف لإطلاق النار. ويُفضي هذا السيناريو إلى حالة من "التجميد المؤقت" للصراع دون أن ينطوي على حلول جذرية لمسببات الأزمة الممتدة.

ثانيا، اتساع الرقعة إلى حرب إثيوبية شاملة: يتجسد الخطر الأكبر في توسّع نطاق المواجهات العسكرية بين تيغراي وأمهرا وعفر، بالتزامن مع تتصاعد نشاط "جيش تحرير أورومو" وقوات "فانو"؛ مما ينذر بتحول النزاع إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات والأطراف. ويُعد هذا السيناريو الأكثر تعقيداً؛ نظراً لما يحمله من مخاطر إنسانية وأمنية جسيمة على الداخل الإثيوبي والمحيط الإقليمي برمته.

ثالثا، تفكك تحالف المعارضة واختلاف الأجندات: يقوم هذا المسار على فرضية هشاشة التحالف المعارض الحالي الذي يجمع فصائل ذات مصالح وأجندات متضاربة. ورغم التوافق المرحلي بين هذه القوى على إسقاط حكومة آبي أحمد، إلا أنها تفتقر إلى رؤية موحدة لما بعد هذه المرحلة؛ مما يرجح عدم استمرار التحالف عسكرياً وسياسياً على المدى الطويل.

تتجاوز التطورات الراهنة في إثيوبيا اختزالها في مقولة "عودة حرب تيغراي"، لتكشف عن دخول البلاد مرحلة جديدة تتسم بإعادة تشكيل التحالفات المسلحة والسياسية. ففي الوقت الذي عادت فيه "جبهة تحرير شعب تيغراي" إلى ساحة القتال، باتت "قوات فانو" التي قاتلت سابقاً إلى جانب الحكومة ضد تيغراي -على خلاف مع أديس أبابا، بالتوازي مع وجود "جيش تحرير أورومو" على جبهة أخرى، وسط محاولات برزت مؤخراً لتوحيد هذه القوى ضمن تحالف موحد ضد حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد.

تتقاطع هذه المشهدية الداخلية المعقدة مع توترات إقليمية متصاعدة؛ تتصدرها حالة التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، والخلاف الممتد حول "سد النهضة" مع مصر والسودان، فضلا عن ارتدادات الحرب السودانية، وما يرافق ذلك من اتهامات متطابقة بشأن الدعم العسكري عبر الحدود.

وفي الملف السوداني تحديداً، تبرز أهمية الفصل المنهجي بين اتهامات أديس أبابا للخرطوم وبين الأدلة المستقلة القاطعة. وفي المقابل، تُسجل تقارير موثقة اتهامات سودانية سابقة لإثيوبيا، من بينها تحقيق أجرته وكالة "رويترز" في فبراير/شباط حول معسكر لتريب مقاتلين مرتبطين بقوات الدعم السريع داخل الأراضي الإثيوبية، بالإضافة إلى اتهامات أُثيرت في مايو/أيار تتعلق بإطلاق طائرات مسيّرة من العمق الإثيوبي، وهي اتهامات نفتاها أديس أبابا.

تفرض كل هذه المعطيات التعامل مع السودان بوصفه طرفا متأثراً بشدة بالتصعيد الإثيوبي، مع استبعاد فرضية كونه طرفاً مباشراً دون وجود أدلة إضافية. إذ يُشكل فتح جبهة عسكرية جديدة ضد إثيوبيا خياراً عالي الكلفة بالنسبة للجيش السوداني في ظل استمرار حربه الداخلية، بينما تواجه إثيوبيا بدورها تحدي تعدد الجبهات داخل حدودها.

ويكمن الخطر الأكبر، بحسب تحليلات الموقف، ليس في اندلاع حرب مباشرة بين الخرطوم وأديس أبابا بالضرورة، بل في تحول الشريط الحدودي الفاصل بين البلدين إلى مساحة لتداخل الصراعين؛ عبر تبادل الاتهامات، وحركة السلاح والمقاتلين، واستخدام الطائرات المسيرة، مما يهدد بتحويل الأزمة الإثيوبية من نزاع داخلي إلى أزمة أمن إقليمي شاملة في القرن الأفريقي.