تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 9 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

إثيوبيا المشتعلة: بين حمم البراكين ونيران السياسة

30 نوفمبر, 2025
الصورة
إثيوبيا المشتعلة: بين حمم البراكين ونيران السياسة
Share

تختبئ إثيوبيا فوق شبكة معقدة من الصدوع البركانية، حيث تتنفس الأرض نشاطًا مستمرًا منذ آلاف السنين. بين الغيم الرمادي للحمم البركانية وهدير الزلازل، يعيش ملايين الإثيوبيين حياتهم اليومية، متأثرين مباشرة بهذا المشهد الطبيعي الاستثنائي. لا يشكل هذا النشاط الجيولوجي تهديدًا فوريًا فحسب، بل يكشف أيضًا عن الطريقة التي تتداخل بها الطبيعة مع الاقتصاد والسياسة.

ثوران هايلي غوبي بين المخاطر المحلية والتحولات العالمية

شهدت إثيوبيا في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 ثوران بركان هايلي غوبي في إقليم عفار، وذلك لأول مرة منذ نحو 12 ألف عام. نفث البركان كميات ضخمة من الرماد وشظايا الزجاج البركاني، وصل ارتفاعها إلى نحو 14 كلم في الغلاف الجوي، قبل أن تنحرف شرقاً فوق البحر الأحمر لمسافة تقارب 3,500 كلم، وصولًا إلى اليمن وعُمان وباكستان والهند. وعلى الرغم من عدم تسجيل أي حالة وفاة، اضطرّت شركة طيران الهند إلى إلغاء 11 رحلة جوية لإجراء فحوص احترازية.

يوضح الدكتور عمارة تيكلي، الجيولوجي المتخصص في جامعة أديس أبابا، أن الانفجارات البركانية في إثيوبيا تُعد نتيجة مباشرة لعملية الصدع الكبرى في شرق أفريقيا، حيث تتباعد الصفيحة النوبية عن الصفيحة الصومالية تدريجيًا. ويُعد هذا التباعد واحدًا من أكثر العمليات التكتونية نشاطًا في العالم، مُنتِجًا سلسلة من الظواهر الجيولوجية العميقة تشمل البراكين والزلازل والتغيّر التدريجي في مستويات البحر.

لا تقتصر تداعيات الانفجارات البركانية على المناطق القريبة منها، بل تمتد آثارها إلى نطاق عالمي. فوفق دراسات جيولوجية، يُمكن للانبعاثات الضخمة من ثاني أكسيد الكبريت والرماد أن تُبرّد الكوكب مؤقتًا، وتُضعف أنظمة الرياح الموسمية، وتقلّص الغطاء المطري لمناطق واسعة

ويضيف تيكلي إلى أن استمرار هذه العملية على المدى الجيولوجي البعيد قد يقود، خلال نحو مليون عام، إلى تقسيم القارة الأفريقية فعليًا، لتنشأ كتلة قارية جديدة تضم إثيوبيا والصومال وموزمبيق وكينيا وتنزانيا. هذا السيناريو، وإن بدا بعيدًا زمنياً، يعكس عمق التحولات البنيوية التي تشهدها المنطقة، ويضع النشاط البركاني الحالي ضمن إطارٍ جيولوجي ممتد.

في سياق متصل، اضطرت الحكومة الإثيوبية في يناير/كانون الثاني 2025 إلى إجلاء نحو 80 ألف شخص من مناطق في عفار وأوروميا وأمهرة، خشية حدوث نشاط بركاني عقب سلسلة من الزلازل المتتابعة. ووفقًا لرئيس قسم الزلازل وأستاذ علوم الأرض في جامعة أديس أبابا، أتالاي أيلي، فإن هذه الهزات المتكررة تمثّل إشارة واضحة إلى أن البلاد تعيش فوق منطقة بركانية نشطة.

كما يؤكد المعهد الجيولوجي الإثيوبي أن موقع سدّ النهضة بعيد عن مناطق المخاطر الجيولوجية المباشرة، إذ يقع على مسافة تقارب 560 كلم من الصدع الأفريقي، ما يقلّل احتمالات تعرضه لزلازل أو نشاط بركاني ذي أثر هيكلي. وتشير المؤسسات الهندسية إلى أن الشركات المنفذة أخذت في الاعتبار الخصائص الجيولوجية للمنطقة، وأن السدّ يتمتع بمعايير أمان مطابقة للمشروعات العملاقة، مع إدراج سيناريوهات المخاطر الطبيعية ضمن نماذج المحاكاة الإنشائية.

تعكس هذه الأحداث طبيعة المنطقة الديناميكية، إذ ترتبط الزلازل والبراكين بعلاقة وثيقة؛ حيث يمكن لأحدهما أن يحرّك الآخر. ففي العديد من الحالات، تنشأ الزلازل نتيجة تحرّك الكتل الصخرية والحمم الملتهبة في باطن الأرض. وفي المقابل، قد تُحفّز الهزّات الأرضية القوية نشاطًا بركانيًا عبر تهييج الصهارة ودفعها نحو السطح. ولهذا، يمكن أن تسبق الزلازلُ الثورانَ البركاني أو ترافقه أو حتى تتبعه.

كوارث طبيعية تضغط على الأمن الغذائي والاقتصادي

لا تقتصر تداعيات الانفجارات البركانية على المناطق القريبة منها، بل تمتد آثارها إلى نطاق عالمي. فوفق دراسات جيولوجية، يُمكن للانبعاثات الضخمة من ثاني أكسيد الكبريت والرماد أن تُبرّد الكوكب مؤقتًا، وتُضعف أنظمة الرياح الموسمية، وتقلّص الغطاء المطري لمناطق واسعة.

يستشهد العلماء على هذا الأثر العابر للحدود بثوران بركان "إل تشيتشون" في المكسيك عام 1982، الذي ضخّ كميات ضخمة من الهباءات الكبريتية، ما أدى إلى اضطراب واسع في أنماط الأمطار في مناطق بعيدة. ساهم هذا التحوّل المناخي في تفاقم المجاعة القاتلة في القرن الأفريقي بين عامي 1983 و1985، ما دفع نحو مليون شخص إلى الموت.

تعاني إثيوبيا من "براكين سياسية" موازية لتضاريسها الجيولوجية المضطربة، إذ تمر بمرحلة حادة من عدم الاستقرار السياسي وتوترات بنيوية بين المركز والأقاليم. ويشير المؤرخ الإثيوبي أديجوموبي إلى أن الجغرافيا والطبيعة لعبت دورًا تاريخيًا في تشكيل البنية السياسية والثقافية للدولة

في السياق ذاته، تشير دراسة عن مجلة المسؤولية الاجتماعية إلى أنّ أي زيادة بنسبة 1٪ في الكوارث الطبيعية بدول أفريقيا جنوب الصحراء تؤدي إلى انخفاض مماثل في انتشار الأغذية. ومع تكرار هذه الكوارث في منطقة الصدع الإثيوبي خلال الأعوام الأخيرة، تتفاقم المخاوف من تداعياتها، ويزيد الضغوط على الحكومة الإثيوبية لضمان استقرار البلاد.

كما يلقي نشاط الزلازل والبراكين المتصاعد في إثيوبيا بأعباء ثقيلة، خصوصًا في إقليم عفار ووادي الصدع، حيث يعتمد السكان بشكل شبه كامل على الزراعة والرعي وشبكات التجارة المحلية. من ثم يصبح أي اضطراب طبيعي تهديدًا مباشرًا لاقتصاد يعتمد نحو 62.4 ٪ من سكانه على القطاع الزراعي، وفق بيانات البنك الدولي لعام 2023، مما يجعل الريف العمود الفقري للاقتصاد الإثيوبي معرضًا بشدة للخطر.

يفتح ثوران بركان هايلي غوبي موجة جديدة من الانتقادات الموجَّهة إلى الحكومة الإثيوبية بشأن ضعف منظومة الإنذار المبكر وقصور قدراتها على الاستجابة للكوارث الطبيعية، خاصة وأن إثيوبيا تُعد من أكثر الدول عرضة للنشاط البركاني؛ إذ تحتل المركز السادس عالميًا ب 50 بركانًا نشطًا.

إثيوبيا بين البراكين الجيولوجية والسياسية

تعاني إثيوبيا من "براكين سياسية" موازية لتضاريسها الجيولوجية المضطربة، إذ تمر بمرحلة حادة من عدم الاستقرار السياسي وتوترات بنيوية بين المركز والأقاليم. ويشير المؤرخ الإثيوبي أديجوموبي إلى أن الجغرافيا والطبيعة لعبت دورًا تاريخيًا في تشكيل البنية السياسية والثقافية للدولة. أسهم هذا الواقع الجغرافي في بلورة التركيبة القومية المعقدة لإثيوبيا، والتي تهيمن عليها أربع مجموعات رئيسية: الأرومو (35 ٪) والأمهرا (27 ٪) والتيغراي (7 ٪) والصوماليون الإثيوبيون (6.5 ٪).

استمرار هذه العملية على المدى الجيولوجي البعيد قد يقود، خلال نحو مليون عام، إلى تقسيم القارة الأفريقية فعليًا، لتنشأ كتلة قارية جديدة تضم إثيوبيا والصومال وموزمبيق وكينيا وتنزانيا

في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، اتهمت جبهة تحرير تيغراي حكومة آبي أحمد بانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار عبر شن ضربات بمسيّرات استهدفت مواقع داخل الإقليم، بعد سلسلة من الاشتباكات مع ميليشيات محلية متحالفة مع الحكومة الفيدرالية في إقليم عفار. ويُظهر هذا التصعيد استمرار التوترات بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي منذ مطلع 2025، حيث يتبادل الطرفان الاتهامات بتقويض السلام.

لم تقتصر موجة الاضطرابات على إقليم تيغراي، إذ شهدت منطقة أمهرة تصاعدًا لافتًا في نشاط قوات فانو التي أعلنت في سبتمبر/أيلول 2025 تحقيق "انتصار كبير" على القوات الفيدرالية، مؤكدة مقتل 137 جنديًا حكوميًا وأسر أكثر من 280 آخرين. أشعل ذلك الهجوم جدلًا واسعًا بعدما اتهمت وسائل إعلام موالية للحكومة فانو بالاستفادة من دعم الجيش الإريتري وجبهة تحرير شعب تيغراي، في اتهامات تكشف حجم التشابك بين خطوط الصراع وتبدّل التحالفات في شمال البلاد.

على الصعيد الإقليمي، تتصاعد المخاوف من احتمال اندلاع صراع مسلّح بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل تصاعد الخطاب العدائي بين الطرفين. فقد أعلن رئيس أركان الجيش الإثيوبي، المشير برهانو جولا، في سبتمبر/ أيلول 2025، أن إثيوبيا تعتبر ميناء عصب ملكًا لها، مشيرًا إلى استعداد بلاده للاستيلاء عليه بالقوة. وخلال نفس الشهر، كرّر المشير جولا تصريحاته مهددًا بالقتال ضد دولة تحرم إثيوبيا من الوصول إلى البحر، في إشارة إلى إريتريا. وردًّا على ذلك، وصف وزير الإعلام الإريتري، يماني جبرميسكل، التصريحات الإثيوبية بأنها أجندة خطيرة وسامة واعتداء صارخ على السيادة الوطنية.

يتضح أن إثيوبيا اليوم واقعة بين قوة الأرض وقوة السياسة؛ فالبراكين لا تشكل تهديدًا جغرافيًا فحسب، بل تعكس هشاشة الاستقرار السياسي والاقتصادي. مع استمرار النشاط الطبيعي وتصاعد النزاعات الداخلية، يبقى المستقبل مفتوحًا على احتمالات متشابكة، حيث يمكن لكل زلزال أو ثورة بركانية أن يعيد رسم خريطة السلطة والموارد في البلاد. في هذا البلد، تبدو الجغرافيا والسياسة وكأنهما وجهان لعملة واحدة، لا يمكن الفصل بينهما، وكل قرار بشري يُقاس بمدى توافقه مع قوانين الأرض القاسية.