تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 12 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
كتب

إثيوبيا .. الدولة البدائية وتحدي تشكيل الدولة القابلة للاستمرار

15 نوفمبر, 2025
الصورة
إثيوبيا .. الدولة البدائية وتحدي تشكيل الدولة القابلة للاستمرار
Share

يُنظر إلى الحالة الإثيوبية عموما في السياق الأفريقي على أنها فريدة في نوعها من منظورين: أولهما أنها نجت من الاستعمار الأوروبي، برفقة ليبيريا. وثانيهما أنها تتميز بكونها، في رأي البعض، أقدم دولة في أفريقيا، حيث استمرت لآلاف السنين. وإذا كان نشوء الدولة الحديثة في إثيوبيا لم يكن نتاجا للاستعمار الأوروبي؛ فإن ذلك النشوء يكتسب أهمية؛ بالغة نظرا لتاريخ إثيوبيا المعقد، ولأنها مركز القوة في منطقة القرن الأفريقي. علاوة على ذلك تعد إثيوبيا الدولة "البدائية" الوحيدة في السياق الأفريقي. في هذا الصدد نتتبع ما تقوم به إثيوبيا باعتبارها دولة بدائية في عملية تشكيل وبناء الدولة، من خلال قراءتنا لما ورد في هذا المجال في كتاب "علم الاجتماع التاريخي لتشكيل الدولة في القرن الأفريقي: النشأة، والمسارات، والعمليات، والطرق، والعواقب"، لمؤلفه ريدي بيريكيتيب.

شهد عام 2023 طبع كتاب "علم الاجتماع التاريخي لتشكيل الدولة في القرن الإفريقي: النشأة، والمسارات، والعمليات، والطرق والعواقب" Historical Sociology of State Formation in the Horn of Africa Genesis, Trajectories, Processes, Routes and Consequences، لمؤلفه ريدي بيريكيتيب (Redie Bereketeab)، وهو أستاذ مشارك في علم الاجتماع، وباحث أول في معهد شمال أفريقيا بأوبسالا (Uppsala) في السويد. تتناول أبحاثه علم الاجتماع السياسي والتنموي، مع التركيز بشكل خاص على الدولة وتشكيلها، والأمة وتكوينها، بالإضافة إلى الهوية والقومية.

أفرد هذا الكتاب، الذي يتكون من ثمانية فصول، إضافة إلى مقدمة عامة وخاتمة- فصلا خاصا عن تشكيل الدولة في إثيوبيا، وذلك تحت عنوان "تشكيل الدولة البدائية: إثيوبيا" Proto-State Formation: Ethiopia. وقد اشتمل هذا الفصل، الذي يمثل فصلا ثالثا للكتاب - على محاور عديدة، تتمثل في: مقدمة؛ وتاريخ موجز للدولة: الأصل السلالي للدولة؛ وظهور الدولة الحديثة في إثيوبيا؛ وهيلي سيلاسي: الملك المُحدِّث؛ وتشكيل الدولة الاشتراكية العسكرية الثورية؛ والتمرد، والقومية العرقية، وتشكيل الدولة الفيدرالية العرقية؛ وتشكيل الدولة متعددة الأعراق مقابل تشكيل الدولة القومية العرقية؛ وتشكيل الدولة الديمقراطية بعد الجبهة الثورية للشعب الإثيوبي (EPRDF) وما بعد الثورة؛ إضافة إلى خلاصة للفصل. وقد حاول مؤلف الكتاب- تغطية الأفكار الأساسية، التي يعتقد أنها تقدم صورة متكاملة لموضوع الفصل (تشكيل الدولة في إثيوبيا). مع ملاحظة أن إثيوبيا ذكرت مرارا في مواضع جوهرية في فصول الكتاب الأخرى.

شاركت إثيوبيا في التنافس على أفريقيا؛ إذ توسعت من خلال غزو الأراضي الواقعة جنوب الحبشة. وبحلول نهاية القرن التاسع عشر، تضاعفت مساحة إثيوبيا أربعة أضعاف. وبالنسبة لكثير من سكان جنوب البلاد، يُفسر التوسع الحبشي على أنه استعمارٌ بنفس الطريقة، التي فعلها الأوروبيون

قبل أن نتعمق في موضوع إثيوبيا، باعتبارها نموذجا للدولة البدائية الوحيدة في قارة أفريقيا، وتشكيل الدولة، الذي ظل يمثل تحديا يواجهها منذ القدم- يتحتم الإشارة إلى أهداف هذا الكتاب ومراميه، حيث يهدف بشكل رئيسي إلى دراسة علم الاجتماع التاريخي لتشكيل الدولة في منطقة القرن الأفريقي. ويتناول المسارات والعمليات والطرق والعواقب المترابطة، ويشرح بإيجاز نشأة الدولة ومسارها ومعالمها وبنيتها التشريحية ومساراتها وتحولاتها. وفي ضوء ذلك صنّف مؤلف الكتاب دول منطقة القرن الأفريقي، بناءً على مسارات ونماذج تشكيل الدولة، في ثلاث حالات، هي: نموذج تشكيل الدولة البدائية، الذي تمثله إثيوبيا؛ والنموذج الاستعماري حيث تُعدّ غالبية الدول الإفريقية نتاجًا للبناء الاستعماري؛ ونموذج تشكيل دولة التحرير الوطني، الذي تمثله إريتريا وجنوب السودان وصوماليلاند.

الدولة البدائية: تجسيد التناقضات وتجريب الأنظمة المتعددة

أبان ريدي بيريكيتيب، مؤلف الكتب أن الفصل الثالث في كتابه، الذي اتخذ عنوان "تشكل الدولة البدائية: إثيوبيا"، كما تمت الإشارة- يدرس نموذجا داخليا لتشكيل الدولة. إذ يتناول التشكيل الاجتماعي التاريخي للدولة في إثيوبيا. وفي نظره- تُمثل الحالة الإثيوبية نموذجًا وعمليةً محليتين لعلم الاجتماع التاريخي لتشكل الدولة، على قدم المساواة مع المراحل الأولى من التاريخ الأوروبي.

يُفترض أن يكون النموذج الإثيوبي فريدًا في القارة الأفريقية، حيث يُنظر عمومًا إلى تشكل الدولة الحديثة على أنه نتيجة للاستعمار الأوروبي. علاوة على ذلك، يشير تشكيل الدولة البدائية أيضًا إلى تاريخ طويل من النشوء، حيث تُحدد مراحل مختلفة من التحول والإصلاح- عملية تشكل الدولة وتُميزها.

وفي هذا الإطار يرى بيريكيتيب أن إثيوبيا تتميز بأبعاد متعددة، لكنها في الوقت نفسه، تُعد نموذجًا عاديًا. وقد جذبت هذه السمات المعقدة الباحثين والأكاديميين الغربيين، الذين أبدوا اهتماما كبيرا بتاريخ البلاد وثقافتها وحضارتها. كما يرى أن إثيوبيا تُجسد التناقضات والمفارقات. فهي عريقة في الوقت نفسه، شابة. نجت من الاستعمار، لكنها شاركت فيه. تدّعي امتلاكها لآلاف السنين كدولة، لكنها في الوقت نفسه ما تزال تسعى جاهدة نحو بناء الدولة. تُصنف نفسها ضمن الأمم العريقة، لكن عملية بناء الأمة فيها محفوفة بالمخاطر. تدّعي امتلاك حضارة عريقة، لكنها في الوقت نفسه تُظهر تخلفا شديدا. تدّعي وجود وحدة قوية بين شعوبها، لكنها في الوقت نفسه، تعاني من الانقسامات الاجتماعية والصراعات.

يذهب بيريكيتيب، في هذا السياق إلى أن هذه المفارقات، هي التي تجعل إدراج إثيوبيا في علم الاجتماع التاريخي لتشكيل الدولة- أمرًا مثيرًا للاهتمام. ففي تاريخها الطويل المفترض لوجودها كدولة، مرت إثيوبيا بالكثير من الاضطرابات. وعلى وجه الخصوص، شهدت البلاد في القرنين العشرين والحادي والعشرين بعض الصراعات الدموية في القارة الأفريقية المتعلقة بالهوية والانفصال، التي تشكك في شرعية الدولة.

يتعلق السبب الرئيسي الكامن وراء الحروب الدموية، في نظر الكاتب، بطبيعة وهيكل الدولة الإثيوبية. ويثير التشكيك الشديد في قابلية الدولة للتمثيل والشمول. وفي رأي بيريكيتيب أنه على الرغم من التاريخ الطويل، فإن الدولة الإثيوبية، كأي دولة في منطقة القرن الإفريقي، ما تزال في طور التكوين، وتواجه تحديات جمة. وهي التي اختبرت تجارب مختلفة لتشكيل الدولة، في ظل نظام ملكي، ونظام عسكري ماركسي، ونظام عرقي فيدرالي.

تشكل الدولة الأسطوري وفشل بناء الدولة المستقرة

إن عملية تشكيل الدولة في إثيوبيا كأية دولة، جديدة وقديمة، في منطقة القرن الأفريقي، وفقا لرؤية بيريكيتيب- تقف عند مفترق طرق، مما يستلزم دراستها. وأن دراسة نشوء الدولة في إثيوبيا- تكتسب أهمية بالغة نظرًا لتاريخها المعقد، ولأنها تُعدّ أيضًا مركز القوة في هذه المنطقة. فما يحدث في إثيوبيا له تداعيات هائلة على المنطقة. إضافة إلى ذلك تُعدّ إثيوبيا واحدة من دولتين أفريقيتين فقط نجتا من الاستعمار. أما الدولة الأخرى، وهي ليبيريا، فقد تأسست على يد رقيق مُحرّرين عائدين إلى إفريقيا من الولايات المتحدة. ويذهب بيريكيتيب إلى أنه في السياق الإفريقي- تُعد إثيوبيا الدولة البدائية الوحيدة. وتُسمى الدول البدائية أحيانًا "الدول البكر"؛ وهي دول لم تكن نتاجًا للاستعمار، وتدّعي أصالة تشكيل الدولة، التي يمكن تتبع جذورها إلى ما قبل التاريخ.

ووفقا لبيريكيتيب تدّعي الأساطير الإثيوبية وجود دولة منذ آلاف السنين. وأنه من الواضح بلا شك أن تاريخ تشكيل الدولة في إثيوبيا- اتسم بالتوسع والانكماش المستمرين. ومع ذلك، حسبما يورد بيريكيتيب، يرى بعض الباحثين أن إثيوبيا الحديثة نتاجٌ للحقبة الاستعمارية. علاوةً على ذلك، شاركت إثيوبيا في التنافس على أفريقيا؛ إذ توسعت من خلال غزو الأراضي الواقعة جنوب الحبشة. وبحلول نهاية القرن التاسع عشر، تضاعفت مساحة إثيوبيا أربعة أضعاف. وبالنسبة لكثير من سكان جنوب البلاد، يُفسر التوسع الحبشي على أنه استعمارٌ بنفس الطريقة، التي فعلها الأوروبيون. لقد تم تأمين بقاء الحبشة أثناء الصراع على إفريقيا جزئيا من خلال الحملات التوسعية ذاتية الدفع، وجزئيا من خلال المؤامرات السياسية الذكية لقادتها، والتي سمحت لهم بالتعامل مع القوى الإمبريالية الأوروبية على قدم المساواة. وفقا لما يورده بيريكيتيب.

يُفترض أن يكون النموذج الإثيوبي فريدًا في القارة الأفريقية، حيث يُنظر عمومًا إلى تشكل الدولة الحديثة على أنه نتيجة للاستعمار الأوروبي

بطريقة أو بأخرى، يذهب بيريكيتيب إلى أنه يمكن لإثيوبيا أن تدعي تاريخا طويلا من تشكيل الدولة، إلا أن التكوين الحالي للدولة هو نتاج القرن التاسع عشر. فالإقليم والشعب والتنظيم السياسي هي ركائز مركبة للدولة وتكوينها. وهذا يدفعنا بحق، وما يزال الطرح يخص بيريكيتيب- إلى الدفع بأسئلة، مثل: أي إقليم يشكل أساس 3000 عام من الوجود المستمر؟ من هم الأشخاص الذين يجب اعتبارهم جزءا من هذا التاريخ الطويل؟ كيف انتقل التنظيم السياسي من تشكيل إلى آخر؟ أين حدث ذلك؟ وما هي المسارات، التي مثلت التاريخ الطويل والمتواصل لتشكيل الدولة؟ وفي هذا الزخم من الأسئلة المركبة- يشير بيريكيتيب إلى أنه من المؤكد أن الإجابات على هذه الأسئلة- ستوضح طبيعة ونطاق ومحتوى علم الاجتماع التاريخي لتشكيل الدولة في إثيوبيا.

جدلية بروز مراكز القوة وتنافس الملوك والنبلاء

بعد أن قام بيريكيتيب برحلة معمقة في تاريخ إثيوبيا عبر العصور، لا سيما بعد ظهور الدولة الحديثة فيها، واستنطاق ملفات الأنظمة المختلفة، التي تناوبت على حكم إثيوبيا، استعراضا ونقاشا وتحليلا- تبين له أن نموذج الدولة البدائية- يمثل نشوء الدولة في إثيوبيا. وأنه كثيرا ما يُوصف التتبع التاريخي لنشوء الدولة الإثيوبية بأنه فريد عند مقارنته ببقية أنحاء القارة. ويُفسر هذا التفرد بطول عمرها ونجاتها من الاستعمار الأوروبي. ففي سياق التنافس على أفريقيا، وما رافقه من إذلال وإهانة، خضع لها الأفارقة تحت الحكم الأوروبي- تُعد إثيوبيا فخرا لإفريقيا. وتُصنف الدولة الإثيوبية من أقدم الدول في العالم، إذ تدّعي وجودها واستقلالها منذ ما لا يقل عن ثلاثة آلاف عام. وهذا يضعها على قدم المساواة مع الدول الإقطاعية المطلقة في أوروبا. ويُعتقد أيضًا أن هذا التكافؤ مع نظيراتها في أوروبا- مكّنها من النجاة من الاستعمار الأوروبي.

بغض النظر عن الجدل والغموض، الذي أحاط بتشكيل دولتها، اكتسبت إثيوبيا سمعة عدم خضوعها للاستعمار، فضلاً عن كونها فخر السود في جميع أنحاء العالم. إلا أن الحقيقة هي أن تشكيل الدولة في إثيوبيا ما يزال هشًا كما هو الحال في الدول، التي أنشأها الاستعمار في القارة

ومع ذلك، وفقا لبيريكيتيب، وكما هو الحال مع أية أسطورة تتعلق بنشوء الدولة- فإن للأسطورة الإثيوبية تناقضاتها وغموضها الخاص. وفي هذا السياق- تدور بعض التساؤلات حول نشوء الدولة الإثيوبية، وحول ادعاء وجودها المستمر والمتواصل على مدى ثلاثة آلاف عام. هل كان الإثيوبيون الأصليون هم أنفسهم الإثيوبيون اليوم، وهل كانت حدود الأراضي الأصلية والمعاصرة هي نفسها؟ يُظهر تاريخ ما قبل العصر الحديث لتشكيل الدولة، بشكل لا لبس فيه عصورا وشعوبا متباينة ومنفصلة. لقد ظهرت وذهبت مراكز قوة مختلفة قائمة على شعوب مختلفة في تلك المسارات التاريخية في المنطقة المعروفة اليوم باسم إثيوبيا. حتى الأسماء كانت مختلفة. بدأ استخدام اسم "إثيوبيا" رسميًا في عام 1941 في عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي، الذي أعيد تنصيبه حديثا، وفقا لما يورده بيريكيتيب.

يشير بيريكيتيب في هذا السياق إلى أنه- كان أول مركز للسلطة هو مملكة أكسوم، ومقرها في الشمال، وحول موطن شعب التيغرينيا الحالي. وأنه لم يتم استبدال مملكة أكسوم بشكل فوري ومباشر بمملكة أخرى؛ بل أدى زوالها إلى حروب غزو وغياب مركز قوة مهيمن. وبعد قرون عديدة، وما يزال الطرح يخص بيريكيتيب- برزت مملكة أخرى، وهي زاغوي "Zagwe"، إلى الصدارة جنوب مملكة أكسوم، وتركزت على شعب أغو " Agow". وقد مهّد زوال مملكة زاغوي الطريق لممالك الأمهرة، التي تركزت حول شعب الأمهرة. وقد توقفت مساعي الأمهرة لتشكيل الدولة وطموحهم في إنشاء إثيوبيا الكبرى، مما أدى إلى فترة "زمني مسافنت" Zemene Mesafint، التي اتسمت بالتنافس بين مختلف المناطق والملوك والنبلاء. وقد بشّر هذا ببداية العصر الحديث لتشكيل الدولة، الذي بدأه الإمبراطور تيودروس الثاني، وأكمله الإمبراطور منليك الثاني. ويُعرف منليك على نطاق واسع بأنه مؤسس تشكيل الدولة الإثيوبية المعاصرة، لا سيما في توحيد وتوسيع أراضيها. وقد واصل الإمبراطور الأخير، هيلا سيلاسي، عمل منليك.

مستقبل تشكيل الدولة وعقدتا الفدرالية العرقية والهوية المدنية

بغض النظر عن الجدل والغموض، الذي أحاط بتشكيل دولتها، اكتسبت إثيوبيا سمعة عدم خضوعها للاستعمار، فضلاً عن كونها فخر السود في جميع أنحاء العالم. إلا أن الحقيقة هي أن تشكيل الدولة في إثيوبيا ما يزال هشًا كما هو الحال في الدول، التي أنشأها الاستعمار في القارة. وبقدر إعجاب الإثيوبيين بتوسيع منليك للدولة الإثيوبية- فإنهم يُحمّلونه أيضًا مسؤولية المأزق الدائم، الذي تواجهه إثيوبيا في مساعيها لبناء دولة قابلة للاستمرار. ووفقا لما يورده بيريكيتيب- يُعزى الهيكل السياسي متعدد الأعراق، الذي بنته غزوات منليك، وتوسعاته إلى الطبيعة الهشة لتشكيل الدولة في إثيوبيا. وقد حددت العلاقات بين مختلف الأمم والقوميات، وانتمائها للدولة مصير النظام الملكي والنظام العسكري الذي خلفه، بالإضافة إلى مصير الجبهة الثورية للشعب الإثيوبي.

لقد كانت الأنظمة الثلاثة (النظام الملكي، والنظام العسكري الماركسي، والنظام العرقي الفيدرالي)، التي حكمت إثيوبيا في القرنين العشرين والحادي والعشرين- منزعجة من مشروع تشكيل الدولة بقدر ما كانت الدول ما بعد الاستعمارية في أفريقيا. يرى بيريكيتيب أن الأنظمة الثلاثة- سعت إلى إعادة تشكيل هيكل الدولة وفقًا لتوجهاتها الأيديولوجية الخاصة. وأن النظامين الأخيرين- اعترفا بالتكوين المتعدد الأعراق للمجتمع الإثيوبي، وأقرا بالمشكلة التي تطرحها مسألة القوميات والإثنيات. كما أنهما قبلا، كآلية دستورية ومؤسسية- حق الجماعات الإثنية اللغوية في تقرير مصيرها، كآلية للتعامل مع تشكيل الدولة. وفي حين اقتصرت أحكام "الدرغ" Dergueلتقرير المصير على الحكم الذاتي الإقليمي- فإن مفهوم الجبهة الثورية للشعب الإثيوبية لتقرير المصير- ذهب إلى حد السماح للمجموعات الإثنية اللغوية بالانفصال، أو إعلان دولتها السيادية.

يخلص بيريكيتيب من غوصه في مسألة تشكيل الدولة في إثيوبيا- إلى أنه ما يزال تشكيل الدولة يمثل تحديا كبيرا لإثيوبيا. ولذلك، تجد إثيوبيا نفسها في عام 2022 (قبل نشر هذا الكتاب بعام)- عند مفترق طرق. فمن ناحية، هناك القوى، التي ترغب في الحفاظ على مفاهيم ورؤى تشكيل الدولة الفيدرالية العرقية وترسيخها. ومن ناحية أخرى، هناك أولئك الذين يرغبون في إعادة صياغة تشكيل الدولة على أساس الهوية المدنية. وهذه المفاهيم والرؤى والقوى الثنائية تمزق النسيج الاجتماعي والسياسي. والمفارقة هي أن بلدًا يتمتع بـ 3000 عام من الدولة المستمرة ما يزال يتصارع مع مسألة تشكيل الدولة!