تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

إثيوبيا: أعداء الأمس في حرب جديدة

29 سبتمبر, 2026
الصورة
إثيوبيا: أعداء الأمس في حرب جديدة
Share

يشهد الشمال الإيثوبي أخطر تصعيد منذ توقيع اتفاق بريتوريا في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، الذي أنهى نظريًا حرب تيغراي المدمّرة. وجاءت المواجهات الأخيرة عقب الإعلان، في 20 سبتمبر/أيلول، عن تشكيل تحالف مناهض للحكومة يجمع أبرز الجماعات المتمردة في البلاد، وهي حركة فانو الوطنية في أمهرة (AFMN)، وجيش تحرير أورومو (OLA)، وجبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF)، وجبهة الوحدة الديمقراطية الثورية للعفر «أوغوغومو»، إلى جانب ثلاث جماعات مسلحة أخرى تنشط في أقاليم البلاد. وتنذر هذه المواجهات بمزيد من التصعيد في عموم المنطقة.

ويربط هذا التحالف، الذي أطلق على نفسه اسم «تحالف قوى الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء»، بقاء الدولة الإثيوبية بإزاحة حزب الازدهار (PP) الذي يقوده رئيس الوزراء آبي أحمد. وقال في بيانه إن «الإبادة الجماعية والمجازر والفقر المدقع» أصبحت «سمات مميزة» لحكم الحزب.

وميدانيًا، بدأت مواجهات الأسبوع الماضي بهجوم مشترك شنّته قوات جبهة تحرير شعب تيغراي وحركة فانو الوطنية في أمهرة على امتداد الحدود بين إقليمي أمهرة وتيغراي في شمال وولّو، وتمكنت خلاله من السيطرة على عدة بلدات. غير أن ولديا، أهم مدن وولّو من الناحية الاستراتيجية، لا تزال خارج سيطرة التحالف. وتكتسب المدينة أهميتها من موقعها عند ملتقى ثلاثة طرق رئيسية، من بينها الطريق «A2» المؤدي إلى أديس أبابا. وإذا تمكن التحالف من السيطرة عليها، كما فعلت جبهة تحرير شعب تيغراي عام 2021، فسيشكّل ذلك منعطفًا حاسمًا في الصراع.

صمدت القوات الحكومية الإثيوبية حتى الآن، وأعلنت بحلول يوم الجمعة أنها قتلت مئات المقاتلين المتمردين، كما شنّت هجومًا مضادًا باتجاه مدينة ألاماتا في جنوب تيغراي. في المقابل، عززت جبهة تحرير شعب تيغراي مواقعها داخل الإقليم بالسيطرة على ثلاثة مطارات رئيسية، وفتحت، بمشاركة قوات «أوغوغومو» العفرية، جبهة أخرى في إقليم عفر المجاور، الذي يمر عبره خط إمداد إثيوبيا إلى جيبوتي. ومع استمرار المعارك على امتداد نهر تيكيزي في غرب تيغراي، خيّم تعتيم إعلامي على الإقليم، ليعيد إلى أذهان متابعي الحرب السابقة مشاهد ظنّوا أنهم تجاوزوها.

لكن تلك الحرب، في نظر جبهة تحرير شعب تيغراي، لم تنتهِ أصلًا. فقد وصفت الجبهة تصعيد الأسبوع الماضي بأنه «حرب دفاعية»، معتبرةً أنه حصيلة أشهر من الاشتباكات مع القوات الحكومية وسنوات من تدهور الأوضاع الإنسانية في الإقليم. وكانت قد أبدت، عقب توقيع اتفاق بريتوريا، استياءها من نقل سلطاتها إلى إدارة مؤقتة أُنشئت بعد الحرب، مما أوجد سلطة موازية في تيغراي. وأعقب ذلك جمودٌ تبادل خلاله الطرفان الاتهامات؛ فاتهم حزب الازدهار الجبهة بعدم الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بنزع السلاح، ثم شطبها مجلس الانتخابات الإثيوبي من سجلاته. أما الجبهة، فقد اتهمت الحزب بمحاصرة تيغراي والمماطلة في إعادة غرب تيغراي إلى الإقليم وعودة النازحين داخليًا إلى ديارهم.

ولم يقتصر التوتر على تيغراي؛ فعلى امتداد عام 2026، شهدت أقاليم اتحادية إثيوبية عديدة غارات بطائرات مسيّرة واشتباكات وتحركات لأرتال عسكرية كثيفة. وتضررت مناطق ريفية جراء المواجهات التي خاضتها القوات الحكومية ضد حركة فانو الوطنية في أمهرة وجيش تحرير أورومو في أوروميا، فيما ظلت الاشتباكات مع جبهة تحرير شعب تيغراي تتفاوت في حدتها. وخلال أغسطس/آب، اندلعت معارك شاركت فيها الجبهة على امتداد الحدود مع السودان، وشنّت القوات الحكومية غارات بطائرات مسيّرة. واستمرت هذه المواجهات وصولًا إلى الأسبوع الماضي، حين اندلعت أخيرًا «الحرب» التي طال التنبؤ بها.

لذلك، تبدو تركيبة أطراف الصراع أكثر إثارة للاستغراب من اندلاعه نفسه. فتحالف قوى الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء يجمع خصمين سابقين في حرب تيغراي، هما حركة فانو الوطنية في أمهرة وجبهة تحرير شعب تيغراي، رغم أن خلافهما حول وضع غرب تيغراي لا يزال عالقًا، بعدما ضمّته ميليشيات أمهرة وسط اتهامات بالتطهير العرقي. غير أن التحالفات السياسية بين نخب القرن الأفريقي كثيرًا ما تحكمها حسابات باردة، وهو ما قد يتيح لهذا التحالف الصمود في الوقت الراهن. أما متانته وقدرته على التنسيق الفعلي، فلن يكشف عنهما سوى الوقت.

على الصعيد الخارجي، حظيت حكومة آبي أحمد بدعم أقوى حلفائها، دولة الإمارات العربية المتحدة، فيما بذل مسؤولون بارزون في حزب الازدهار جهودًا حثيثة لاستمالة الولايات المتحدة إلى صفهم. وقد تركت واشنطن حظر الأسلحة الذي فرضته على إثيوبيا ينقضي، وأصدر سفيرها لدى أديس أبابا، إرفين ماسينغا، بيانًا أعلن فيه تأييده الواضح للحزب.

وفي هذا السياق، اغتنم الرئيس الإثيوبي، تايي أتسكي سيلاسي، انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة ليندّد بـ«أطراف خارجية متهورة»، في إشارة يُرجّح أنه قصد بها إريتريا، حليفة جبهة تحرير شعب تيغراي. فقد انقلبت أسمرة على تحالفها مع حزب الازدهار بعدما استُبعدت من مفاوضات إنهاء حرب تيغراي. لكن الرئيس لم يتطرق، كما كان متوقعًا، إلى تهديدات إثيوبيا نفسها بضم الساحل الإريتري على البحر الأحمر. وذهبت الصحفية المخضرمة المتخصصة في الشأن الإثيوبي، تسيدالي ليما، إلى حد اعتبار تغيير النظام في أسمرة «لغاية النهائية لهذا الصراع من منظور حزب الازدهار.

ومع كثرة الحديث عن احتمال أن تتسع حرب أهلية إثيوبية لتتحول إلى صراع إقليمي، يمكن التساؤل عمّا إذا كان صراع إقليمي هو الذي يمتد إلى الداخل الإثيوبي، وعمّا إذا كان انخراط حزب الازدهار نفسه في الحرب الأهلية السودانية قد بدأ يرتدّ عليه. فمن المرجح أن تنخرط في حرب إثيوبية الأطراف نفسها المنخرطة في السودان. وفي المنطقة الأوسع، ترتسم ملامح معسكرين: يضم الأول إثيوبيا والإمارات وقوات الدعم السريع السودانية، بينما يجمع الثاني إريتريا وتحالف المتمردين الإثيوبيين والقوات المسلحة السودانية ومصر، التي باتت تتخذ موقفًا أشد عداءً حيال سيطرة إثيوبيا على مياه النيل الأزرق. أما دول أخرى، من بينها السعودية وإسرائيل، فتؤدي أدوارًا أكثر محدودية، وتتموضع في المساحة الفاصلة بين هذين المعسكرين.

وفي سياقه التاريخي الأوسع، يمثّل الصراع الراهن أحدث فصول تاريخ إثيوبيا الطويل من التسويات المتوترة بين المركز والأطراف الحدودية. غير أن الخطر الأكثر إلحاحًا الآن هو أزمة إنسانية تلوح في الأفق، مع ظهور بوادر الجفاف وترجّح فرض حصار على تيغراي. وهذا ما يفرض على قادة العالم، المجتمعين حاليًا في الجمعية العامة للأمم المتحدة، العمل على درء هذه الأزمة. فقد حصدت آخر حرب أهلية شاملة في إثيوبيا أرواح ما يصل إلى 600 ألف شخص، وقد تتكرر تلك الفظائع.