السبت 7 مارس 2026
يعد النزاع حول أرخبيل تشاغوس التابع لدولة موروشيوس أحد أكثر التقاطعات تعقيدا، بين إنهاء الاستعمار والتخطيط الاستراتجي للحرب الباردة والجغرافيا السياسية البحرية المعاصرة. كما يشكل توقيع اتفاقية تسليم الأرخبيل تطور عميق في الموضوع؛ فهي تُشير إلى تحوّل في ميزان القوى في المحيط الهندي وإيذانا بإتمام عملية إنهاء الاستعمار في أفريقيا.
جغرافيا، يقع الأرخبيل في المحيط الهندي، على بعد حوالي 5800 ميل جنوب شرق المملكة المتحدة و1250 ميل شمال شرق موريشيوس. يعود اكتشاف جزر تشاغوس غير المأهولة إلى القرن السادس عشر مع البرتغاليين. تولى الفرنسيون السيادة عليها في أواخر القرن الثامن عشر، وبدأوا باستغلالها لإنتاج جوز الهند، حتى أصبح المحيط الهندي وسواحله مركزًا للتنافس بين شركات الهند الشرقية الهولندية والفرنسية والبريطانية للسيطرة على تجارة التوابل وعلى الطرق المؤدية إلى الهند والشرق الأقصى. ثم ادعت فرنسا، التي كانت قد استعمرت جزيرة ريونيون في منتصف القرن السابع عشر، السيادة على موريشيوس عام 1775، بعد أن أرسلت أول مستوطنيها إليها عام 1772، واستولت لاحقًا على مجموعة جزر سيشل وجزر أرخبيل تشاغوس.
سيطرت بريطانيا خلال الحروب النابليونية على موريشيوس وريونيون، حيث أعادت الأخيرة إلى فرنسا بموجب معاهدة باريس عام 1814، مقابل تنازلها لبريطانيا عن موريشيوس وممتلكاتها التابعة، والتي شملت سيشل وجزر أخرى، بما في ذلك أرخبيل تشاغوس. واستمرت إدارة جميع هذه الممتلكات التابعة من موريشيوس حتى 1903، عندما انفصلت مجموعة سيشل لتشكيل مستعمرة تابعة للتاج البريطاني.
بقيت إدارة جزر تشاغوس كممتلكات تابعة لموريشيوس حتى انفصلت لتصبح إقليم المحيط الهندي البريطاني في نوفمبر/تشرين الأول 1965، من أجل إتاحة الجزر لأغراض دفاعية مشتركة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة، وهذا ما عرف باتفاقية لانكستر هاوس، حيث وافق ممثلو موريشيوس على فصل أرخبيل تشاغوس عن بقية المستعمرة مقابل مبلغ 3 ملايين جنيه إسترليني. وكان مقررا إجلاء معظم سكان الجزر، على هذا الأساس لم يُدرج الأرخبيل ضمن التعريف الإقليمي لموريشيوس عند استقلالها عام 1968.
قامت بريطانيا بحلول عام 1973 بإجلاء جميع السكان، لإفساح المجال أمام قاعدة عسكرية أمريكية في إحدى الجزر، وهي دييغو غارسيا. ورغم أن عدد سكان تشاغوس المُسجّل أوائل الستينيات، لم يتجاوز 1000 نسمة، إلا أن طبيعة المجتمع وارتباطاته بموريشيوس أخفت العدد الحقيقي لمن وُلدوا وعاشوا في الجزر، والذين يحق لهم اعتبار أنفسهم من سكانها الأصليين أو "الإيلويين"، والذين كانت طبيعة عملهم وأسلوب حياتهم تتطلب حرية التنقل بين موريشيوس وتشاغوس.
تعمّد الاستعماريون التلاعب بحجم الإيلويين وطبيعتهم وإخفائهم، تجنبا لأي تدقيق من قِبل الأمم المتحدة. من خلال مقارنة السجلات المعاصرة المتاحة والمحفوظات الحكومية، ثبت بشكل قاطع أن سياسة بريطانيا دفعت ما بين 1328 و 1522 من الإيلويين إلى المنفى والفقر في موريشيوس، و232 آخرين في سيشيل.
لدى موريشيوس الآن حرية تنفيذ برنامج لإعادة التوطين في جزر أرخبيل تشاغوس، باستثناء دييغو غارسيا، بينما تقوم المملكة المتحدة بإنشاء صندوق استئماني جديد، فضلا عن تقديم دعم آخر منفصل لصالح سكان تشاغوس
شرعت موروشيوس في المطالبة بالأرخبيل بدءا من ثمانينيات القرن الماضي، وسعت إلى إثبات ذلك عبر المحاكم والهيئات القضائية الدولية، وذكل بدعم من الأمم المتحدة. في عام 2017، طلبت الجمعية العامة للأمم المتحدة فتوى استشارية من محكمة العدل الدولية بشأن الوضع القانوني وتداعياته.
دفعت الدولة بأن عملية إنهاء الاستعمار لم تكتمل بعد، بانتظار تسليم الأرخبيل. أما المملكة المتحدة، فقد أكدت، أن مبدأ تقرير المصير لم يتحول إلى حق راسخ للشعوب المستعمرة إلا بحلول عام 1970؛ أي بعد فصل إقليم المحيط الهندي البريطاني، وهو ما وافقت عليه سلطات موريشيوس وقتها.
مع ذلك، تطورت المعايير القانونية الدولية المتعلقة بالسلامة الإقليمية بسرعة. فقد حظر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1514 وقرارها رقم 2066 صراحةً تقسيم الأراضي المستعمرة قبل الاستقلال.
عام 2019، أصدرت محكمة العدل الدولية فتوى استشارية تفيد بأن إنهاء استعمار موريشيوس لم يكتمل بشكل قانوني، وأن المملكة المتحدة ملزمة بإنهاء إدارتها "بأسرع وقت ممكن". وأن الموافقة، التي يُفترض أنها مُنحت في مؤتمر لانكستر هاوس، لم تكن صالحة لأن سلطات موريشيوس قبل الاستقلال، كانت لا تزال تابعة للمملكة المتحدة. علاوة على ذلك، لم تُمنح الأطراف المعنية فرصة إبداء موافقة كاملة ومستنيرة، كما يقتضي مبدأ حق تقرير المصير. وهو ما يعتبر انتهاكًا مستمرًا للقانون الدولي من قبل المملكة المتحدة.
لم يكن رأي المحكمة ملزمًا قانونًا، إلا أنه يُمثّل تفسيرًا قانونيًا بالغ الأهمية. وقد أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة نتائج المحكمة بموجب القرار رقم 73/295. أعقب ذلك حكمٌ آخر عام 2021 من المحكمة الدولية لقانون البحار، والذي زاد من تهميش الادعاء البريطاني بالاعتراف بسيادة موريشيوس في سياق النزاعات الحدودية البحرية مع جزر المالديف.
أُعلن عام 2022، في عهد حكومة رئيس الوزراء المحافظ ريشي سوناك، أن المملكة المتحدة وموريشيوس اتفقتا على بدء مفاوضات بشأن ممارسة السيادة على أرخبيل تشاغوس، وعقدت الحكومة 11 جولة مفاوضات مع الموريشيين قبل الانتخابات العامة في يوليو/ تموز 2024. وبعد فوز حزب العمال في الانتخابات الصيفية، أصدرت حكومتي موريشيوس والمملكة المتحدة بيان مشترك في 3 أكتوبر/ تشرين الأول 2024 أعلنتا فيه التوصل إلى اتفاق سياسي.
وقّع السير كير ستارمر في 22 مايو 2025 اتفاقيةً لتسليم جزر تشاغوس إلى موريشيوس، مع استئجار قاعدة عسكرية رئيسية مقابل 101 مليون جنيه إسترليني سنويًا. وبموجب بنود الاتفاقية، ستستعيد موريشيوس سيادتها على الجزر من المملكة المتحدة، مع السماح للولايات المتحدة والمملكة المتحدة بمواصلة تشغيل قاعدة عسكرية في إحدى الجزر، وهي دييغو غارسيا، لمدة 99 عامًا مبدئيًا. وهو ما وصفه السير كير بأنه "تكلفة صافية" قدرها 3.4 مليار جنيه إسترليني بعد تعديلها وفقًا لعوامل من بينها التضخم، مع أن البعض يرى أنها قد تكون أعلى.
لم تُمنح الأطراف المعنية فرصة إبداء موافقة كاملة ومستنيرة، كما يقتضي مبدأ حق تقرير المصير. وهو ما يعتبر انتهاكًا مستمرًا للقانون الدولي من قبل المملكة المتحدة
تنص الاتفاقية أيضا على منطقة عازلة بعرض 24 ميلاً حول دييغو غارسيا، حيث لا يُسمح بالبناء فيها دون موافقة المملكة المتحدة. كما سيُمنع دخول القوات العسكرية والمدنية الأجنبية إلى الجزر الأخرى في الأرخبيل، مع احتفاظ المملكة المتحدة بحق النقض على أي دخول إلى الجزر. وتنص الاتفاقية كذلك على خيار لتمديد عقد الإيجار لمدة 40 عاما إضافية، في حال موافقة الطرفين، ولا تدخل المعاهدة حيز التنفيذ إلا بعد مصادقة برلماني المملكة المتحدة وموريشيوس عليها.
تعالج هذه المعاهدة أخطاء الماضي، وتُظهر التزام الطرفين بدعم رفاهية سكان تشاغوس. وسيكون لموريشيوس الآن حرية تنفيذ برنامج لإعادة التوطين في جزر أرخبيل تشاغوس، باستثناء دييغو غارسيا، بينما تقوم المملكة المتحدة بإنشاء صندوق استئماني جديد، فضلا عن تقديم دعم آخر منفصل لصالح سكان تشاغوس.
أُخليت الجزر لاحقًا لإفساح المجال أمام قاعدة عسكرية بريطانية أمريكية مشتركة، ما دفع مجموعات كبيرة من سكان تشاغوس إلى الانتقال إلى موريشيوس وسيشيل، أو قبول دعوة للاستقرار في إنجلترا، وتحديدًا في كرولي، غرب ساسكس.
يُسهّل الاتفاق برنامج إعادة توطين للجزر الخارجية (بيروس بانهوس وسالومون)، ولكنه يستثني دييغو غارسيا من إعادة التوطين طوال مدة عقد الإيجار البالغة 99 عامًا. وقد أدى ذلك إلى انقسامات داخلية في مجتمع تشاغوس، حيث ترى بعض الجماعات المقيمة في المملكة المتحدة أن الاتفاق يُشكّل "تهجيرًا ثانيًا" بحرمانهم من الوصول إلى جزيرتهم.
كما يضم أرخبيل تشاغوس بعضًا من أكثر الشعاب المرجانية نقاءً في العالم. وقد سبق أن قضت محكمة التحكيم الدائمة بعدم قانونية إعلان المملكة المتحدة عام 2010 عن منطقة بحرية محمية، لأنه ينتهك حقوق الصيد. وبموجب الاتفاقية الجديدة، ستتولى موريشيوس مسؤولية الإشراف البيئي، مستفيدةً من منطقتها الاقتصادية الخالصة التي تبلغ مساحتها حوالي 640,000 كلم مربع لتنفيذ مبادرات "الاقتصاد الأزرق" المستدامة، مع التنسيق مع المملكة المتحدة.
هذا وتفيد المؤشرات الأولية إلى أن إدارة ترامب الثانية الجديدة ستعارضها، ففي منشور على موقع "تروث سوشيال"، وصف ترامب خطط المملكة المتحدة لتسليم جزر تشاغوس التي تناقش حاليا بالبرلمان بأنها "عملٌ في غاية الحماقة". لكن إدارته بحلول فبراير/ شباط 2025، بدت راضية عن الترتيب، الذي من شأنه أن يضمن لها السيطرة على قاعدتها لمدة 99 عاماً على الأقل. وبناءً على ذلك، تم توقيع الصفقة. فخلال اجتماع مع رئيس الوزراء البريطاني في فبراير/شباط 2025، قال ترامب إنه "يميل" إلى الموافقة على الاتفاق، وأنه "يشعر بأنه سينجح نجاحًا باهرًا".
حيث أصدرت الحكومة الأمريكية بيانًا ذكرت فيه أنها، بعد "مراجعة شاملة بين الوكالات"، خلصت إلى أن الاتفاق "يضمن التشغيل المستقر والفعال طويل الأمد للمنشأة العسكرية الأمريكية البريطانية المشتركة في دييغو غارسيا".
مع تحوّل مركز الثقل الاقتصادي والاستراتيجي العالمي من منطقة أوروبا الأطلسية إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ، يبرز المحيط الهندي كممر تجاري وطاقي بالغ الأهمية، فطالما مثّلت هذه المنطقة هامشًا استراتيجيًا للولايات المتحدة. كما يعكس النهج العسكري الأمريكي تجاه دييغو غارسيا استراتيجية ضمنية للمحيط الهندي تسعى إلى ترسيخ وجود مرن ودائم في منطقة حيوية ومتنازع عليها. مع ذلك، تحتاج واشنطن إلى تبني سياسة واضحة للمحيط الهندي تنظر إلى المنطقة نظرة شاملة بدلًا من الاقتصار على النظر إليها من زوايا منفصلة، كقيادة المحيط الهادئ الأمريكية، والقيادة المركزية الأمريكية، وقيادة أفريقيا الأمريكية.
تتيح هذه "المظلة السيادية" لموريشيوس المطالبة بسلامة أراضيها، بينما تحتفظ الولايات المتحدة ب"وصول غير مقيد" للعمليات العسكرية
تُعدّ قاعدة دييغو غارسيا ركيزة أساسية لبسط النفوذ الأمريكي والبريطاني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ والشرق الأوسط وشرق أفريقيا. تدعم القاعدة عمليات القاذفات بعيدة المدى، وصيانة الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية، وبنية تحتية حيوية لتتبع الفضاء، مثل نظام المراقبة الكهروضوئية الأرضية للفضاء السحيق.
ترى الحكومة البريطانية من جهتها بأن اتفاق 2025 يلبي الاحتياجات الأمنية لها، بمنحها عقد إيجار لمدة 99 عامًا على قاعدة دييغو غارسيا، مما يضمن بقاء القاعدة تحت السيطرة العملياتية الغربية حتى مع انتقال السيادة إلى موريشيوس. كما تتيح هذه "المظلة السيادية" لموريشيوس المطالبة بسلامة أراضيها، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بـ"وصول غير مقيد" للعمليات العسكرية.
في المقابل، انتقد حزب المحافظين، بقيادة بادينوخ، الاتفاق، واصفًا إياه بـ"الاستسلام"، مؤكدًا أن المملكة المتحدة "تتنازل عن أراضٍ بريطانية وتدفع ما يزيد عن 30 مليار جنيه إسترليني مقابل ذلك" لموريشيوس، وهي دولة زعمت أنها "تتقرب علنًا من الصين وروسيا".
زعم وزير الدفاع في حكومة الظل، جيمس كارتليدج، أن حزب المحافظين لم يوقع اتفاقية أثناء توليه السلطة لأنهم "يعارضون بشدة فكرة إنفاق مليارات الجنيهات الإسترلينية على ضريبة التنازل لإعادة استئجار أراضٍ نمتلكها حاليًا ملكية تامة". كما اعتبر أن الاتفاقية "عملٌ يضرّ بالأمن القومي"، مما يجعل المملكة المتحدة "أكثر عرضةً لتأثيرات الصين" نظرًا لعلاقاتها مع موريشيوس.
يُعرب النقاد الغربيون للاتفاقية عن قلقهم إزاء النفوذ الصيني، فموريشيوس تربطها اتفاقية تجارة حرة مع الصين، وهي شريك في العديد من المشاريع التنموية. ويرى المتشككون أن سيادة موريشيوس قد تُتيح للصين "نقطة اختراق" لجمع المعلومات الاستخباراتية أو التواجد البحري بالقرب من قاعدة دييغو غارسيا، على الرغم من بنود المعاهدة التي تحظر أي إنشاءات عسكرية أجنبية "غير مرغوب فيها".
كما يُنظر إلى هذا الاتفاق على أنه انتصار استراتيجي للهند، بصفتها حليفًا وثيقًا لموريشيوس، حيث دأبت الهند على دعم مطالب موريشيوس بالسيادة لمواجهة الوجود "الاستعماري" في جوارها. ويشير انخراط الهند في تطوير البنية التحتية البحرية في جزيرة أغاليغا الموريشية إلى إطار أمني تعاوني قد تُسهم فيه الهند في مراقبة مياه تشاغوس.
يبدو أن نضال موروشيس لنيل استقلالها الكامل على المستوى القانوني، قد بدا ناقصا، فهي لا تفرض سيادتها فعليا على دييغو غارسيا. أما من الناحية الجيوسياسة، فقد ذكرنا الصراع حولها بصراعات الاستعمار التقليدي، مع تغير اللاعبين. ولكي تحقق موروشيوس أقصى استفادة مما وصلت إليه ؛ فعليها أن تحافظ على توازات الاستراتيجية حتى لا تقع فريسة لمبدأ دورنو أو استراتيجية الأطراف.