تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 18 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

اتفاق على حافة الانهيار: إلى أين تمضي العملية السلمية في جنوب السودان؟

29 يوليو, 2025
الصورة
اتفاق على حافة الانهيار: إلى أين تمضي العملية السلمية في جنوب السودان؟
Share

يواجه اتفاق السلام المنشط الذي تم توقيعه بين الحكومة وجماعات المعارضة المسلحة بجنوب السودان، في العاصمة السودانية الخرطوم في سبتمبر/ أيلول عام 2018، جملة من التحديات المفصلية التي تهدد استمراره في ظل انعدام الإرادة والرغبة السياسية من جانب الطرف الحكومي الذي تمثله الحركة الشعبية لتحرير السودان، بقيادة الرئيس الحالي سلفاكير ميارديت، إلى جانب المشاكسات المستمرة بينها وبين المعارضة المسلحة التي يتزعمها النائب الأول لرئيس الجمهورية رياك مشار تينج، وهي الحالة التي بلغت أوجها حينما أقدمت الحكومة على وضع زعيم المعارضة قيد الإقامة الجبرية، واعتقال عدد كبير من قيادتها على خلفية المواجهات المسلحة التي شهدتها بلدة الناصر بولاية أعالي النيل، والتي انتهت بمقتل قائد الحامية من الجانب الحكومي بشكل مأساوي في شهر مارس/ آذار المنصرم.

تنبع خطورة الخطوة التي أقدمت عليها الحكومة باعتقال مشار الذي يمثل الفصيل الرئيسي لقوى المعارضة في جنوب السودان، والتي تمثل القوة القتالية الأكبر والأكثر انتشارا في جميع أرجاء البلاد، بأقاليمها الثلاث في أعالي النيل  والاستوائية وبحر الغزال، باعتبارها تمثل تهديدا كبيرا لاتفاق الترتيبات الأمنية، والتي لم تجد حظها من التنفيذ بسبب تحجج الحكومة بالنقص اللوجستي، نتيجة لعدم تمويل الاتفاقية من قبل وساطة الإيغاد والمجتمع الدولي.

لذلك ظلت المخاوف قائمة من إمكانية استمرار أعمال العنف والمواجهات بين قوات الحكومة والمعارضة المسلحة حال استمرار اعتقال قيادات المعارضة، دونما تقديمهم للمحاكمة أو إطلاق سراحهم بشكل فوري، فتلك التوترات المستمرة قد تأخذ بعدا اثنيا يعد للأذهان الأحداث التي وقعت عام 2013، والتي انتهت باستهداف المدنيين المنحدرين من اثنية زعيم المعارضة في بعض الأحياء السكنية.

لم تنعقد جلسات مجلس الوزراء القربي لقرابة الثلاثة أشهر، ما أدى إلى خلل واضح في العملية السياسية الجارية بالبلاد، حيث يقبع جزء من أعضائه في المعتقل، بينما قرر بعض الوزراء مغادرة البلاد خوفا على حياتهم في ظل حالة السيولة الأمنية

توقع مراقبون أن تستفيد الحكومة من تجربة انهيار اتفاق السلام عام 2016، بعد قيامها بعزل زعيم المعارضة، ونفيه إلى دولة جنوب أفريقيا. لكن محاولة إبعاد الرجل عن المشهد السياسي قد باءت بالفشل، ولم تساهم في وقف الحرب والاقتتال، بقدر ما كانت بداية لموجة جديدة وشرسة من الحرب الأهلية التي شملت حتى منطقة الاستوائية الكبرى، للمرة الأولى، بعد أن كانت المواجهات محصورة في مناطق أعالي النيل وإقليم بحر الغزال بالتحديد.

ليس هذا فحسب، فقد أدت لظهور تمردات مسلحة بمطالب جديدة في إقليم الاستوائية، مثل حركة جبهة الخلاص بزعامة الجنرال توماس سريلو، وهي مجموعات لم يشملها اتفاق السلام الموقع بين الحكومة والمعارضة، فقواتها لا تزال تشن هجماتها على الطرقات الرئيسية التي تربط العاصمة جوبا بعواصم الولايات الجنوبية، مثل شرق وغرب الاستوائية إلى جانب الطريق الرئيسي الرابط بين جنوب السودان ودولة أوغندا المجاورة.

اعتقال زعيم المعارضة المسلحة رياك مشار وعدد من معاونيه تسبب في زلزال سياسي عميق داخل بنية الحكومة الانتقالية المنشطة، مما يضع العملية السلمية برمتها على مفترق طرق خطير

لم يقتصر تأثير اعتقال مشار وقيادات المعارضة المسلحة؛ الشريك الرئيسي في اتفاق السلام مع الحكومة الانتقالية المنشطة على الجانب الأمني فقط، وإنما امتد إلى عرقلة عمل مؤسسات الدولة، تحديدا مجلس الوزراء القومي الذي لم تنعقد جلساته لقرابة الثلاثة أشهر، مما أدى إلى خلل واضح في العملية السياسية الجارية بالبلاد، حيث يقبع جزء من أعضائه في المعتقل، بينما قرر بعض الوزراء مغادرة البلاد خوفا على حياتهم في ظل حالة السيولة الأمنية التي باتت تعيشها البلاد مؤخرا.

إن تعنت الموقف الحكومي إزاء الجهود الدولية والإقليمية المبذولة لكسر حاجز الجمود، وفتح باب الحوار لضمان التنفيذ السلس لاتفاق السلام، والوصول لإقامة الانتخابات العامة بنهاية الفترة الانتقالية العام المقبل، كانت له تداعيات أخرى غير منظورة، تمثلت في تفاقم العزلة الإقليمية والدولية التي باتت تعيشها البلاد، بعد أن فشلت محاولات الإيغاد و الاتحاد الأفريقي في إحداث اختراق جدي بجلوس الرئيس كير وغريمه التقليدي رياك مشار، فقد كان الموقف الحكومي الثابت هو رفض جلوس أي وسيط أو مبعوث مع مشار أو حتى زيارته.

من الواضح أن اعتقال زعيم المعارضة المسلحة رياك مشار وعدد من معاونيه قد تسبب في زلزال سياسي عميق داخل بنية الحكومة الانتقالية المنشطة، مما يضع العملية السلمية برمتها على مفترق طرق خطير، إلا أن هناك بعض الخيارات المحدودة التي يمكنها أن تقود إلى إنقاذ الأوضاع العصيبة التي تعيشها جنوب السودان في الوقت الحالي، من بينها وأكثرها تهديدًا هو الانهيار الكامل للعملية السلمية، خاصة إذا ما قررت قواعد المعارضة المسلحة الرد عسكريًا على ما تعتبره خرقًا صريحًا لتقاسم السلطة، وهو ما ينذر بعودة محتملة إلى دائرة العنف والنزاع الأهلي.

كل ما تحتاجه جنوب السودان اليوم ليس اتفاقًا جديدًا، بل إرادة سياسية صادقة لإنقاذ ما تبقى من الاتفاق القائم، وتفكيك عقلية تقاسم السلطة كغنيمة

أما السيناريو الثاني فيتمثل في استمرار حالة الجمود السياسي، حيث تبقى الحكومة قائمة اسمًا دون تنفيذ جوهري لبنود الاتفاق، خصوصًا في ظل غياب الشريك الرئيسي عن المشهد السياسي، ما يعني تأجيل الإصلاحات الأساسية إلى أجل غير مسمى. في المقابل، قد تدفع خطورة الوضع أطرافًا إقليمية ودولية إلى التدخل مجددًا، سواء عبر تفعيل دور الوساطة في منظمة "إيغاد" أو من خلال مبادرات أممية لإعادة إحياء الاتفاق.

إن المخرج من أزمة اعتقال مشار وتعريض مستقبل البلاد لمخاطر هي في غنى عنها، لا يكمن في كسر أحد الأطراف للآخر، بل في كسر الحلقة المفرغة من انعدام الثقة والاحتكام للسلاح أو القانون الانتقائي.

كل ما تحتاجه جنوب السودان اليوم ليس اتفاقًا جديدًا، بل إرادة سياسية صادقة لإنقاذ ما تبقى من الاتفاق القائم، وتفكيك عقلية تقاسم السلطة كغنيمة. يتطلب ذلك من الحكومة أن تتخلى عن النزعة الإقصائية، وأن تُجمّد أي خطوات قانونية ذات طابع سياسي مثل محاكمة مشار، لصالح إطلاق عملية حوار سياسي شامل تعيد تعريف الشراكة الانتقالية على أسس جديدة. كما أن على المعارضة، من جانبها، إعادة تنظيم صفوفها سياسيًا بدلًا من الارتهان للخيار العسكري أو ردود الفعل الغاضبة.