تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 14 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

أسياس أفورقي وحرب السودان

22 ديسمبر, 2025
الصورة
أسياس أفورقي وحرب السودان
Share

في المشهد السوداني المضطرب، لا يظهر دور الرئيس الإريتري أسياس أفورقي بوصفه دورًا عابرًا أو هامشيًا، بل فاعلا إقليميا شديد الحساسية للتوازنات، يتحرك من موقع دولة صغيرة جغرافيًا، لكنها كثيفة الذاكرة السياسية، وقلقة على أمنها وحدودها وموقعها في معادلات القرن الأفريقي والبحر الأحمر. فالسودان، بالنسبة لأفورقي، لم يكن يومًا مجرد جار، بل ساحة تداخل تاريخي وأمني وسياسي، وممرًا استراتيجيًا تتقاطع عنده مخاوف إريتريا القديمة من إثيوبيا، وحساباتها المعاصرة مع القوى العربية والإقليمية.

منذ استقلال إريتريا عام 1993، كانت علاقة أسياس أفورقي بالسودان محكومة بإرث طويل من التوتر والارتياب. الخرطوم، خلال سنوات حكم نظام الإنقاذ بقيادة عمر البشير، استضافت الخرطوم، في فترات متعددة قوى إسلامية إريترية معارضة، وفتحت أراضيها لأنشطة عسكرية وسياسية اعتبرتها أسمرا تهديدًا مباشرًا لأمنها الوطني. في المقابل، لم تتردد إريتريا في دعم حركات سودانية معارضة، خصوصًا في شرق السودان، ما جعل الحدود الشرقية ساحة صراع منخفض الكثافة، لكنه دائم. هذه المرحلة أسست لنظرة أفورقي إلى السودان كدولة يمكن أن تكون إما حائط صد أو خاصرة رخوة، تبعًا لطبيعة السلطة الحاكمة فيها.

مع التحولات التي شهدها السودان بعد 2019، بدا أن أفورقي قرأ المشهد الجديد بعين مختلفة. سقوط نظام البشير أزال، نظريًا، أحد مصادر العداء التقليدي، لكنه فتح في الوقت ذاته بابًا للفوضى وعدم اليقين، وهو ما تخشاه القيادة الإريترية بطبيعتها. الدولة التي نشأت من حرب طويلة، وتدير مجتمعها بعقلية أمنية صارمة، تنظر بقلق بالغ إلى أي انفلات على حدودها. من هنا، لم يكن مستغربًا أن يميل أفورقي إلى دعم المؤسسة العسكرية السودانية بوصفها الطرف الأكثر قدرة، في نظره، على حفظ تماسك الدولة ومنع انزلاقها نحو سيناريوهات تفكك تشبه ما جرى في الصومال أو ليبيا.

يتناول المقال الدور الحيوي للرئيس الإريتري أسياس أفورقي في المشهد السوداني المعاصر، مع التركيز على تأثيراته السياسية والأمنية. بدءا من استعراض تاريخ علاقات إريتريا مع السودان التي شهدت توترات وصراعات متعددة، خاصةً في عهد حكم الجبهة الإسلامية في السودان. ورغم أن السودان شهد تحولات كبيرة بعد 2019. لكن أفورقي ظل حريصًا على استقرار السودان، باعتباره جزءًا من استراتيجيته الإقليمية، خصوصًا في علاقاته مع إثيوبيا ومصر.

نستعرض أيضا المواقف السياسية لأفورقي في سياق الحرب السودانية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، حيث يختار دعم المؤسسة العسكرية السودانية على حساب المليشيات التي لا يثق بها. وكذا كيفية تعامل أفورقي مع الأوضاع الإقليمية في القرن الأفريقي، خاصة علاقته بأبي أحمد رئيس وزراء إثيوبيا، وإلى دوره في معادلة القوى في البحر الأحمر، حيث تتقاطع مصالح مصر وإريتريا وتركيا والسودان.

علاقة البرهان مع أسياس

تطورت علاقة أسياس أفورقي بعبد الفتاح البرهان، لا بوصفها علاقة شخصية فحسب، بل كشراكة مبنية على تقاطع مصالح واضحة. البرهان، القادم من خلفية عسكرية تقليدية، بدا لأفورقي أقرب إلى النموذج الذي يفهمه ويتعامل معه: دولة يقودها الجيش، تضع الأمن قبل السياسة، وتتحفظ على التحولات المدنية السريعة. عكست اللقاءات المتكررة بين الرجلين، سواء في أسمرا أو الخرطوم، هذا التقارب، ورسخت قناعة لدى أفورقي بأن البرهان يمثل الخيار الأقل خطورة على استقرار السودان، وبالتالي على أمن إريتريا.

لم يكن مستغربًا أن يميل أفورقي إلى دعم المؤسسة العسكرية السودانية بوصفها الطرف الأكثر قدرة، في نظره، على حفظ تماسك الدولة ومنع انزلاقها نحو سيناريوهات تفكك تشبه ما جرى في الصومال أو ليبيا

أما موقف أسياس أفورقي من قوات الدعم السريع، فقد اتسم منذ البداية بالتحفظ، إن لم يكن العداء الصريح. فالقوة التي نشأت خارج البنية العسكرية التقليدية، وتوسعت بسرعة اعتمادًا على اقتصاد الحرب والتحالفات القبلية والإقليمية، تمثل في نظر أفورقي نموذجًا للفوضى المسلحة التي خبرتها المنطقة جيدًا. إريتريا، التي خاضت حربًا طويلة لتوحيد السلاح تحت سلطة مركزية صارمة، لا تنظر بعين الرضا إلى أي تشكيل عسكري موازٍ للدولة. ولذلك، فإن الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، لم يحظَ بثقة أسمرا، لا سياسيًا ولا أمنيًا، خصوصًا مع انفتاحه الواسع على قوى إقليمية ودولية متعددة، بعضها يتعارض مع حسابات أفورقي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

موقف معلن من الحرب

خلال اندلاع الحرب بين الجيش السوداني والدعم السريع، اتخذ أسياس أفورقي موقفًا حذرًا في العلن، لكنه واضح في الجوهر. لم يعلن دعمًا صريحًا لطرف، لكنه حافظ على قنواته المفتوحة مع البرهان، وقدم نفسه وسيطًا محتملًا، دون أن يخفي قناعته بأن حسم الصراع لصالح الجيش هو السيناريو الأكثر انسجامًا مع رؤيته للاستقرار. هذا الموقف يعكس فلسفة أفورقي السياسية العامة: رفض التعددية المسلحة، والرهان على الدولة المركزية حتى لو جاءت على حساب التحول الديمقراطي. بالنسبة له، الحرب في السودان ليست صراعًا على السلطة فحسب، بل اختبارًا لمصير الدولة نفسها، وأي نتيجة تفضي إلى تفكك السلطة المركزية ستنعكس سلبًا على الإقليم بأكمله.

يصبح السودان مرتكزًا أساسيًا في استراتيجية أفورقي الإقليمية، ليس فقط في علاقته مع إثيوبيا، بل في رسم موقع إريتريا ككل

تتقاطع رؤية أسياس أفورقي للسودان بشكل وثيق مع علاقته المعقدة برئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد. فعلى الرغم من التحالف الذي جمع الرجلين بعد اتفاق السلام الإريتري-الإثيوبي عام 2018، إلا أن هذا التحالف ظل محكومًا بالحذر والمصالح المتبادلة أكثر من الثقة العميقة. السودان، هنا، يشكل عنصرًا بالغ الأهمية. فمن جهة، يمثل عمقًا جغرافيًا وسياسيًا يمكن أن يوازن النفوذ الإثيوبي في الإقليم، ومن جهة أخرى، يشكل ساحة يمكن أن تتسلل منها التهديدات إذا ما خرجت عن السيطرة. النزاع الحدودي بين السودان وإثيوبيا في الفشقة، والحرب في إقليم تيغراي، جعلا من السودان لاعبًا لا يمكن تجاهله في معادلة العلاقة بين أسمرا وأديس أبابا.

الرغبة في دور واضح للسودان

يرى أفورقي أن السودان المستقر، المتحالف مع إريتريا، يمكن أن يشكل ورقة ضغط غير مباشرة على إثيوبيا، أو على الأقل عامل توازن يمنعها من الانفراد بقيادة القرن الأفريقي. وفي المقابل، فإن سودانًا ضعيفًا أو منقسمًا قد يتحول إلى عبء أمني، أو إلى ساحة نفوذ لقوى لا يرغب أفورقي في رؤيتها على حدوده، سواء كانت قوى إسلامية، أو مليشيات عابرة للحدود، أو حتى نفوذًا إثيوبيًا مفرطًا. من هنا، يصبح السودان مرتكزًا أساسيًا في استراتيجية أفورقي الإقليمية، ليس فقط في علاقته مع إثيوبيا، بل في رسم موقع إريتريا ككل.

قد يختلف كثيرون مع هذه الرؤية، خصوصًا من زاوية التحول الديمقراطي، فإنها تظل منسجمة تمامًا مع فلسفة أسياس أفورقي السياسية، ومع الطريقة التي يرى بها العالم من أسمرا: عالم تحكمه القوة، وتضبطه المصالح، ولا مكان فيه للهشاشة

هذا الدور يتسع أكثر عندما ننظر إلى معادلة البحر الأحمر، حيث تتقاطع مصالح مصر وإريتريا وتركيا والسودان. أفورقي يدرك أن البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر ملاحي، بل ساحة تنافس دولي وإقليمي محتدم. مصر، القلقة من تمدد النفوذ الإثيوبي بسبب سد النهضة، تجد في إريتريا والسودان شركاء محتملين في تأمين خاصرتها الجنوبية والشرقية. وإريتريا، بدورها، ترى في التنسيق مع القاهرة فرصة لتعزيز موقعها في مواجهة أديس أبابا، وللحصول على دعم سياسي واقتصادي في ظل عزلتها الدولية الطويلة.

أما تركيا، التي سعت خلال السنوات الماضية إلى توسيع حضورها في البحر الأحمر عبر السودان سابقًا، ثم عبر القرن الأفريقي عمومًا، فهي لاعب لا يغيب عن حسابات أفورقي. فالرجل الذي بنى نظامه على الاستقلالية ورفض الوصاية الخارجية، ينظر بحذر إلى أي تمدد تركي قد يغير موازين القوى في المنطقة. السودان، مرة أخرى، يشكل الحلقة المفصلية في هذه المعادلة: موقعه الجغرافي وسواحله وأزمته الداخلية، تجعله ساحة مفتوحة للتنافس، وإما أن يكون جزءًا من محور يضم مصر وإريتريا، أو بوابة لنفوذ آخرين.

إن دور أسياس أفورقي في المشهد السوداني لا ينبع من طموح توسعي بقدر ما ينبع من هاجس وجودي. السودان، بالنسبة له، ليس فقط جارًا مضطربًا، بل مرآة لمخاوفه من التفكك، ومن عودة الفوضى إلى الإقليم الذي بالكاد خرج من حروبه الكبرى. دعمه الضمني للمؤسسة العسكرية السودانية، وتحفظه على الدعم السريع، وحرصه على التنسيق مع مصر، وحذره في علاقته مع إثيوبيا، كلها عناصر تصب في رؤية واحدة: سودان مستقر، مركزي، يمكن التفاهم معه أمنيًا، ويشكل ركيزة في توازنات القرن الأفريقي والبحر الأحمر. وبينما قد يختلف كثيرون مع هذه الرؤية، خصوصًا من زاوية التحول الديمقراطي، فإنها تظل منسجمة تمامًا مع فلسفة أسياس أفورقي السياسية، ومع الطريقة التي يرى بها العالم من أسمرا: عالم تحكمه القوة، وتضبطه المصالح، ولا مكان فيه للهشاشة.

إن أفورقي الذي يرى في السودان شريكًا استراتيجيًا في استقرار المنطقة، يتعامل مع المشهد السوداني بحذر، مرتكزًا على تاريخ طويل من العلاقات المعقدة والمصالح الإقليمية. موقفه الثابت في دعم الجيش السوداني ورفضه لتعدد القوى العسكرية المسلحة، مثل قوات الدعم السريع، يعكس فلسفته الأمنية والسياسية التي تركز على قوة الدولة المركزية في مواجهة الفوضى. إضافة إلى ذلك، تبرز علاقات أفورقي مع القوى الإقليمية الأخرى، مثل: إثيوبيا ومصر، كعوامل مهمة في تشكيل مواقفه، مما يجعل من إريتريا لاعبًا رئيسيًا في صياغة مستقبل السودان والمنطقة بأسرها.