الجمعة 17 أبريل 2026
لم يواجه أسياس أفورقي، رئيس إريتريا، أيَّ انتخابات طوال العقود الثلاثة التي قاد فيها بلاده. ولا يكلّف نفسه عناء تبرير ذلك؛ فهو ببساطة يرفض فكرة طلب تفويض من الشعب، معتبرًا إياها قيدًا على سلطته.يؤمن أن وصايته ضرورية لصون كيان الجمهورية الفتية، ويعتقد أن قيادته للبلاد نحو الاستقلال تُخوّله الحكم. في مقابلةٍ شخصيةٍ نادرة عام 1996 قال إنه: "لا يحب السياسة"، لكنه يراها "واجبًا" مقدسًا، مضيفًا: "كلما غابت العدالة عن مجتمعٍ ما، كان ذلك يجرحك دائمًا".
يشرح أن هذا "النداء" جاء على حساب حياته الخاصة، فتنحّى عن ميوله الفنية والأدبية ليتفرغ لقيادة الأمة: "لا أحب حياة السياسي… ولا حتى أن أعيش كرئيس". وبناءً على هذا، فليس مستغرَبًا أن ممارسته للسلطة - بالمعنى المتعارف عليه - لا تشبه "سياسةً" مألوفة ولا "حياة" رئيسٍ نمطية.
عندما سأله صحفيٌّ من «الجزيرة» عن موعد الانتخابات في إريتريا، بدا السؤال كأنه فاجأه: أجاب بصرامةٍ مقتضبة "انتخابات ماذا؟"، وانطلق في هجومٍ مطوّلٍ لا يمت للسؤال بصلة على الولايات المتحدة: ثم أجاب: "سنرى ما ستفضي إليه الانتخابات في الولايات المتحدة، وسننتظر ثلاث أو أربع عقود حتى تنشأ أوضاعٌ طبيعيةٌ حقيقية". ثم أضاف بوجهٍ جامد: "وربما أكثر، ربما أكثر - من يدري".
يتأرجح أسلوبه الإعلامي بين العزلة المتعالية والانفجارات الهجومية، وينعكس ذلك على سياسته الخارجية. في تسعينيات القرن الماضي خاضت إريتريا حروبًا مع كل جيرانها (ومع اليمن)، ومدّت نفوذها حتى الكونغو الديمقراطية حيث ساعدت قواتٌ إريترية في إيصال لوران كابيلا إلى السلطة عام 1997.
أما عداوته الممتدة منذ ثلاثة عقود مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» (TPLF) فقد وضعته من بين مهندسي الحرب ضدها في الإقليم. أعادت الولايات المتحدة فرض عقوباتٍ على إريتريا لدورها في تلك الحرب، حيث تُتَّهم القوات الإريترية بارتكاب انتهاكاتٍ جسيمة لحقوق الإنسان وجرائم حرب، منهيةً فترةً قصيرة من أربع سنوات كانت البلاد فيها خارج نظام العقوبات.
مثل صديقه القديم القذافي، بنى أسياس صورة «الرجل القاسي» المناهض لأميركا، مع أنه دعم سابقًا الحرب الأميركية على العراق، وعرض قاعدةً لها. ومؤخرًا كرّس موقعه في «نادي» الدول المعزولة - إيران وكوريا الشمالية وروسيا وسوريا بشار الأسد - حين صوّتت إريتريا ضد قرارٍ للجمعية العامة للأمم المتحدة يدين غزو روسيا لأوكرانيا؛ ولم يفاجئ ذلك مراقبي إريتريا، إذ زار وزير خارجيتها أوسيتيا الجنوبية وشبه جزيرة القرم بعد احتلالهما من روسيا.
ومع ذلك، لم تكفِ إريتريا أسياسَ يومًا؛ وكان دائمًا أبعد من أن ينخرط في أطرٍ قد تُقيّد نفوذه. ففي أول قمةٍ قاريةٍ يحضرها عام 1993 لمنظمة الوحدة الأفريقية (سابِقة الاتحاد الأفريقي)، رأى أن المنظمة أداةٌ للهيمنة الأميركية ووصفها بالفشل الذريع، وقال إن انضمام بلاده جاء «بدافعٍ عائليٍّ» لا أكثر. ونظر إلى «إيغاد» النظرةَ نفسها. كما عمل مع القذافي عام 1998 لمحاولة إنشاء بديلٍ للاتحاد الأفريقي هو «مجتمع دول الساحل والصحراء»، لكن المحاولة باءت بالفشل.
قليلون قاوموا التغيير طوال حياتهم - رغم تقلّبات المصير - مثل أسياس. طباعه القاسية وحدّته وسرّيته وعدم تحمّله للمعارضة لازمته من المراهقة إلى الرئاسة، بحسب زملاءَ سابقين. قال في مقابلةٍ عام 1996 إن «النظرة المتبلدة» صاغها الزمنُ وفقدانُ الرفاق، ثم سأل: «أفلستُ إنسانًا؟».
التقى الصحفي الأميركي روبرت كابلان أسياس في منتصف الثمانينيات إبّان حرب الاستقلال، ولاحظ «شاربه المشذّب» وكلامه «البارد السلطوي». وفي كتابه "استسلم أو جُع" رأى كابلان أن أسياس «تبنّى هيئةً عسكرية»: عنادٌ صخريٌّ ولا مبالاةٌ بوسائل بلوغ الغاية - صفاتٌ خدمته وأضرّت به في مساره السياسي المضطرب.
وُلِد أسياس عام 1946 في أسمرة إبّان الإدارة البريطانية، وهو الثاني بين ثمانية إخوة. لم يرضَ يومًا بدورٍ ثانٍ: أراد قيادة فرق الحيّ لكرة القدم والجلوس في "أفضل كرسي" في البيت، وقيل إنه صفع معلّمَ فيزياء أميركيًا في المدرسة الثانوية لسوء تقديره. لكنه صنع اسمه في حركة الاستقلال.
يتباهى أسياس بالاعتماد على الذات، لكن البلاد لا تُعلن قروضها ولا معوناتها التنموية، ولم تنشر ميزانيةً واحدة منذ الاستقلال. كلُّ شيءٍ «سرّي» في الداخل
بدأ مع «جبهة تحرير إريتريا» ((ELF، وعلى خلاف رفاقٍ كثر تركوا دراستهم وهم متقدمون، غادر جامعة هيلا سيلاسي بعد رسوبه في السنة الأولى - ما قد يفسّر شعورا بالنقصٍ لديه تجاه رفاقه (الذين همّشهم لاحقًا أو أزاحهم) ورغبته اللاحقة في ارتداء عباءة "المثقف".
رأى كابلان أنه "السياسي الأكثر إثارةً للاهتمام فكريًا في تاريخ أفريقيا ما بعد الاستعمار"، وامتدحه بيل كلينتون بوصفه "قائدًا أفريقيًا نهضويًا". ومع أنه يشرف سنويًا على حفلات تخرّجٍ عسكرية في «ساوا»، فلم يحضر قطّ حفلَ تخرّجٍ جامعيٍّ لنفسه.
بعد عودته من الصين - حيث أوفدته الجبهةُ للتدريب العسكري والأيديولوجي إبّان «الثورة الثقافية» - كانت عودته حاسمةً لمستقبل الحركة. خشيَ زميلُه في خلية الجبهة بأديس أبابا، مايكل جابر، أن ينشئ أسياس مركزَ قوةٍ خاصًا به داخل التنظيم. ووفقًا لهايله دورو، انضم أسياس إلى الجبهة بنيّة شقّها وتأسيس تنظيمٍ خاص؛ لم يُخطئ جابر في النية، لكنه استخفّ بالطموح.
لم يقبل أسياس أن يكون عضوًا عاديًا في قيادة الجبهة؛ أراد تنظيمًا يُمسك بزمامه منفردًا. وتُسجّل مذكراتٌ دبلوماسيةٌ أميركية أنه "نفرَ من عبادة الشخصية حول ماو"، لكنه استبطن "ضرورة تصفية الخصوم السياسيين" - وهي استراتيجيةٌ حملته إلى قمة الحركة.
أول تحدٍّ لقيادته بعد انشقاقه عن الجبهة وقع عام 1973، حين دعا رفاقٌ وزملاءُ دراسةٍ سابقين إلى ديمقراطيةٍ داخليةٍ ومحاسبةٍ أكبر. وُسِم المعارضون بـ«منكَعِه» (menkae) - كلمة تِغرينية تعني «الخفافيش» (أي الذين يتحركون ليلًا). أُعدِم قادةُ الحركة، وأُودِع آخرون السجون لسنوات.
قال السفير الأميركي في أسمرة إن نظيره الصيني علّق بأن أسياس "تعلّم كلَّ الدروس الخاطئة" من تجربته في الصين: القرارات قراراتُه وحده، ولا مكان لآراء بديلة. وقد أفضى ذلك إلى إنشاء جهازٍ أمنيٍّ سيّئ الصيت شديد الرهبة هو «حِلِوَا سَوْرا» (Halewa Sowra) بالتغرينية، أي «حُرّاس الثورة». وكان هذا الجهاز أداةً حاسمةً لترسيخ قبضة أسياس على «الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا» (EPLF)، وخَلَفها «الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة» (PFDJ) التي لم يبقَ منها، منذ عام 2001، سوى الاسم.
يروي محافظ البنك المركزي الإريتري وسفيرها السابق، أندبرهان ولدِه جِرجِس - الذي أقاله الرئيسُ لرفضه أمرًا بتحويلِ أموالٍ على نحوٍ غير مشروع - أن "الهواء كان يرتجّ توترًا" خلال لقائهما حول الأمر: "استشاط غضبًا حتى بدت عروق عنقه توشك أن تنفجر". وبرزت حدّته أيضًا في مأدبةٍ لطاقم السفارة الأميركية عام 2008، حيث تحوّل نقاشٌ حول الطماطم إلى سجالٍ حاد: اشتكى من صِغَر ثمارٍ زرعتها زوجته، فأوضح مستشارٌ قانوني أن «الطماطم الكرزية» صغيرةٌ بطبيعتها؛ فغادر أسياس الغرفة غاضبًا، حتى إن حرّاسه تفاجأوا.
ينسب بعض المراقبين ومسؤولي الأمم المتحدة للنظام «نجاحاتٍ» في سياسات التنمية والاعتماد على الذات. وتفاخر الحكومة بتحقيق «أهداف الألفية»، لا سيما في الصحة: خفض وفيات الأمهات والأطفال وتحسين صحة الأم ومكافحة الملاريا وفيروس نقص المناعة البشرية.
وفي ردّ إريتريا على «المراجعة الدورية الشاملة» لمجلس حقوق الإنسان عام 2014، قالت إن أولوياتها هي تهيئة بيئةٍ مواتيةٍ لمواطنيها لممارسة حقوقهم الأساسية «بأوسع معنىً للمصطلح». لكن الاتحاد الأوروبي يشير إلى تحدياتٍ جسيمة: الأمن الغذائي، وتوفير الخدمات الاجتماعية الأساسية وتحديثها، ومكافحة بطالة الشباب. وعلى صعيد الصحة، تُعدّ إريتريا البلدَ الأفريقي الوحيد الذي حرم سكّانه لقاحات «كوفيد-19» من دون تفسير.
من الصعب ألّا نستعيد ما كان عليه قبل ثلاثة عقود حين لعب دور "صانع الملوك": قوّض جماعةً متمرّدة وشكّل أخرى، فانقلبت على واحدةٍ من أكفأ حكومات أفريقيا، وانفصلت عنها مُنشِئةً دولةً ومجتمعًا جديدين
أما الإريتريون الذين تواصلنا معهم داخل البلاد، وزوارٌ حديثون لها، فيرسمون صورةً قاتمة: نقصٌ حادٌّ في الأدوية الأساسية. ورغم الحاجة إلى الخدمات الصحية، أغلقت الحكومة عام 2019 اثنتين وعشرين عيادةً صحيةً تديرها الكنيسة الكاثوليكية الإريترية بسبب انتقادات الكنيسة للحكومة. الأطباء - ضعيفو الأجور - ممنوعون من العمل في عياداتٍ خاصة بعد الدوام، ما يزيد الضغط على المستشفيات. والطبيب فِصْحُم غَبْرِنِغُس، الطبيبَ النفسيَّ الوحيد في بلدٍ مثخنٍ بالصدمة، مسجونٌ منذ 2004 بسبب معتقداته الدينية، ومصيره مجهول.
يتباهى أسياس بالاعتماد على الذات، لكن البلاد لا تُعلن قروضها ولا معوناتها التنموية، ولم تنشر ميزانيةً واحدة منذ الاستقلال. كلُّ شيءٍ «سرّي» في الداخل، لكن الدائنين شفافون: فقد اقترضت إريتريا 631 مليون دولار من الصين بين 2000 و2018، وتشير بيانات البنك الدولي إلى تلقيها 4.36 مليارات دولار مساعداتٍ رسميةٍ صافية بين 1992 و2019. كما قضت محكمةُ أميركية بأن تدفع إريتريا 286 مليون دولار قروضًا لـ«بنك قطر الوطني»، ومنحت البنكَ حقَّ تتبّع أصول الحكومة حيثما وُجدت لاستيفاء الدين. ورغم خطواتٍ «صغيرة» إيجابية في الصحة، فإن عِلل بنية الحكم قَوَّضت مزيدًا من التقدّم.
خاضت إريتريا حروبًا هجوميةً ودفاعيةً مع جيرانها، وحملت ضغائنَ كامنةً ضدّهم. كانت تارةً ضحيةَ تلاعبٍ دولي، وتارةً مدبّرَ حبكاتٍ معقّدة. سلّحت جماعاتٍ متمرّدة وواجهتها. تنازعَت الحدودَ ونُوزِعت عليها. ولم تتجلَّ هذه الدينامياتُ أقوى مما تجلّت في علاقة أسياس المتقلّبة مع «الدولة الأم»؛ إثيوبيا.
أقام أسياس ومس زيناوي معًا في شمال مقديشو، وحصلا على جوازاتٍ صومالية وترددٍ إذاعي للبثّ بالتغرينية والعربية. وانتهت حركتُهما لاحقًا بإسقاط نظام منغستو هيلا مريام، إذ تقدّمت «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» (TPLF) كـ«بطارية اقتحام» إلى أديس أبابا، ونصّبت نظامًا جديدًا هناك. كُتب في «النيويوركر»: "كأن الشيوعية السوفييتية أُطيح بها لا على أيدي الروس بل الأوكرانيين، ثم استولى الأوكرانيون على الحكم في موسكو".
بعد استقلال إريتريا مباشرةً، كانت العلاقة بين أسياس ومِلس طيبة. وبحسب مسؤولٍ إريتري كبير، عملا معًا للتأثير في الصومال بدعم أمير الحرب فَرَح عيديد إثر سقوط نظام سياد بري. لكن مِلس ظلّ متوجسًا من شريكه الذي رآه قاسيًا متقلّبًا. وارتابت شكوكُ أسياس حين اعتقد أن زيناوي حاول قتله بطائرةٍ دبّرها له، فاشتعلت فيها النار قبل أن تهبط بسلام عام 1996. وأسياس ممّن لا ينسى ولا يغفر «الخيانة» - كما في حالة وزير الإعلام السابق نيازغي كِفْلُو، الحليفِ القديم الذي خرج للعلاج إلى لندن ثم حُرِم، بعد خلافهما، من الدفن في إريتريا رغم طلبات العفو.
لم يقبل أسياس أن يكون عضوًا عاديًا في قيادة الجبهة؛ أراد تنظيمًا يُمسك بزمامه منفردًا
ومع مِلس كانت الرهانات أعلى والعداوة أعمق. تفجّر نزاعٌ حدودي عام 1998 إلى حربٍ شاملة أكّد مخاوف أسياس من جارِه الكبير. ولما قال إن «الظلم يؤلمه»، لم يكن يمزح؛ لكن ردود فعله كانت - على نحوٍ متوقع - العنفَ والصمت. ازداد غضبُه حين حكمت لجنةٌ أمميةٌ لإريتريا ببلدة بادِمِه الحدودية، ورفضت إثيوبيا تسليمها، فتفاقمت القطيعة بين القيادتين.
أتاح النزاعُ المعلّق لأسياس ذريعةً لخلق فراغٍ سياسيٍّ داخلي، ووضعِ البلاد على قدمِ الحرب الدائم، وخوضِ صراعاتٍ إقليميةٍ بالوكالة مع إثيوبيا. لن يقبل مهانةَ الهزيمة مجددًا؛ فبدأ ينتظر لحظةَ «تسوية الحساب».
زاد شعوره بالظلم حين فُرِضت عليه عقوباتٌ لتخريبه عبر دعم مجموعاتٍ إقليمية (بينها دعم حركة الشباب)، بينما أفلتت إثيوبيا - التي كان يهيمن عليها الـTPLF وفعلت الأمرَ نفسه - من العقاب. انخرطت إثيوبيا مع المجتمع الدولي، فيما أصرت إريتريا أنها "لم تفعل شيئًا"، وانكفأت. يعلّق أندبرهان ولدِه جِرجِس بأن "النظام كاد يتحدّى مجلس الأمن بإصراره على الإنكار الشامل".
ببراعة المناورة وبقائه العنيد، خرج عام 2018 بمظهر «زعيم» زعماء شرق أفريقيا: رحل زيناوي، وتبدّل قادة إثيوبيا وكينيا، وانهارت الصومال، وانقسم السودان وقوّض انقلابٌ حكمَ عمر البشير - وأسياس باقٍ، ونظامُه لم يتغير كثيرًا. يرى محللون أن قادةً إقليميين يطلبون رأيه اليوم، ربما إعجابًا بطول بقائه رغم عزلته.
توفي مِلس زيناوي عام 2012، وبدأ نفوذ «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» يتراجع في إثيوبيا حتى جاء آبي أحمد وتعهّد بتفكيك الجبهة، وشبكاتها داخل الدولة. نظر قادة الـTPLF إلى حكومة آبي بازدراء - وصف زعيمها دِبْرِصيون جبرمِيخائيل رئيسَ الوزراء بأنه «غير ناضج». رأى أسياس فرصةً للخروج من عزلته وسط التحولات الإثيوبية، فعانق رئيسَ الوزراء الشاب، وأبرم معه اتفاق سلام - ظلت تفاصيله غامضة -نال آبي أحمد على إثره جائزة نوبل للسلام.
كما شمَت بالجبهة الإريترية المنافسة بعد هزيمتها في حرب الاستقلال، لم تَكفِ هزيمةُ الـTPLF وحدها - بل وجب «التشفي». فعشية إطلاق آبي أحمد حملته على الجبهة بدعمٍ من أسياس (نوفمبر/تشرين الثاني 2020)، نشرت السفارة الإريترية في أديس أبابا رسالةً مبهمة على «فيسبوك» ختمتها بقولٍ ينذر: «Game Over!».
لم تكن خلافات أسياس مع الـTPLF شخصيةً فقط. فقد خالَفَ جوهريًا إعادةَ مِلس تنظيمَ الدولة الإثيوبية على أسسٍ إثنية، وعدَّ الطائفيةَ الإثنية والدينية آفةً - ورفض حزبُه هذه العقيدة باكرًا. وبالنسبة إليه، الدولةُ الفدرالية - بما فيها من مراكز قوى متعددة - أصعبُ على التأثير (أو التحكم) من الدولة المركزية. لا يتحدث عن خلفيته التيغرانية، ولا يجعلها محورًا لخطابه السياسي؛ لكن تقنينَ الإثنية في إثيوبيا كان تهديدًا لنظامٍ إريتريٍ أشدَّ مركزيةً وتحكّمًا.
وهو يواجه هذا التهديد فيما تحتلُّ قواتٌ إريترية أجزاءً من إقليم تيغراي؛ ومن الصعب ألّا نستعيد ما كان عليه قبل ثلاثة عقود حين لعب دور "صانع الملوك": قوّض جماعةً متمرّدة وشكّل أخرى، فانقلبت على واحدةٍ من أكفأ حكومات أفريقيا، وانفصلت عنها مُنشِئةً دولةً ومجتمعًا جديدين.
يعجز الكثيرون عن فكِّ أسر ماضيهم؛ أما أسياس فلطالما لعب على رهاناتٍ عاليةٍ، وأصرّ على "التقدم إلى الأمام". لكن خطيئته الكبرى ليست أنه "قُيّد" بالماضي، بل أنه قَيَّد نفسه به - وجرَّه إلى الحاضر ككرةِ هدمٍ تهشم ما تلقاه في طريقها.