تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 13 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
حوارات

إستيلا قايتانو: الكتابةُ ليست خيارا بل فعل مقاومة يومي لاستعادة المنسيين من ركام الحرب

2 فبراير, 2026
الصورة
الشرق الأوسط والقرن الأفريقي.. كيف تُختَبر منطق القوة والهيمنة؟
Share

لمع اسم الدكتورة إستيلا قايتانو كقاصة وروائية من جنوب السودان كونها تكتب بصوت مختلف. تسلط الضوء في قضاياها على الظروف المعيشية القاسية، وانقسامات الهوية والصراعات والحروب والنزوح التي دارت ولا تزال تدور في السودان.

ولدت إستيلا في الخرطوم عام 1978 ودرست كل مراحل تعليمها بالشمال. تخرجت من كلية الصيدلة، ودرستها باللغتين العربية والإنكليزية، عملت كصحفية في جريدة "أجراس الحرية" والتي تصدر في السودان. تم التعرف عليها من خلال كتاب "دروب جديدة" (2002). نشرت قصة بعنوان "بحيرة بحجم شجرة الباباي". بدأت تجربتها بالمجموعة القصصية "زهور ذابلة" (2004)، و"العودة" (2014)، ثم نشرت روايتها الأولى 2019 بعنوان "أرواح إدو" حيث نالت ترجمتها للإنجليزية على جائزة "القلم" البريطانية، فبات اسم إستيلا معروفًا في السودان وخارجها.

تمزج في نصوصها السردية بين الواقع وتجسيد المكان والزمان مستخدمة لغة سهلة قريبة من القارئ. كتبت عن البيئة السودانية المتداخلة في عالم أفريقي غارق في غرائبية وحكايات وأساطير. صدر لها رواية "إيريم" (2025) وترجمت قصصها إلى الألمانية. تعيش حاليا في ألمانيا. حصلت على جائزة الشجاعة كونها عبرت في مؤلفاتها عن قضايا مهمة تخص الهوية والهجر والنزوح.

ترى إستيلا أن السودانيين يُبيد بعضهم بعضا منذ عشرات السنين، وحتى الآن لم نشهد أي شكل من أشكال العدالة. الكل يفلت من العقاب، ويجبر الضحايا أنفسهم على المضي قدما، وهم يحملون مرارة الظلم طوال العمر.

لطيفة محمد حسيب القاضي: حدثيني عن بدايات إستيلا قايتانو، وما الذي أدى إلى نشر مجموعتك القصصية الأولى "زهور ذابلة" عام.2004

إستيلا قايتانو: ما بين 2000 -2004 كانت أعوام الانتقال بين مراحل كثيرة في حياتي. كنت حينها قارئة نهمة، ولكن لم أحظ بكتب جيدة حينها، بسبب الفقر وضيق مساحة الحركة بالنسبة لفتاة تنتمي لأسرة عادية مثل آلاف الأسر السودانية، كل شيء محدود حتى الحق في المعرفة. ولكن عندما دخلت الجامعة، أستطيع أن أقول اكتشفت اتساع العالم، وتعددت إمكانيات الحصول على الكتب، فقط يجب أن تسأل لتحصل على المساعدة.

أتذكر عندما كنت فتاة مراهقة متعطشة للكتب، كنت في زيارة مع أمي إلى منزل أحد معارفنا ميسورين الحال، قضينا ليلتين معهم. وهناك بالصدفة وجدت رواية "لا أنام" لإحسان عبد القدوس. كان أكبر كتاب أقرأه، لم يكن في إمكاني أن أستعير الراوية أو أخذها معي. أتذكر أنني انزويت، وبدأت قراءة الرواية طوال ليلتين لأنني كنت في سباق مع الزمن. وفعلا اكملت الرواية قبل أن تقرر أمي العودة إلى البيت، كان الأمر تجربة فريدة.

بعد دخولي جامعة الخرطوم، كما قلت اكتشفت اتساع العالم. وبدأت الكتابة بشكل جدي، ونشرت في الصحف بمساعدة الأصدقاء من الشعراء والصحفيين. نشر مجموعتي القصصية جاء بالصدفة تماما. كنت حينها أحمل مسودة من القصص مطبوعة في حقيبتي، وفي يوم ما طلب مني الناشر نور الهدى مدير دار عزة للنشر السودانية أن يقرأ المسودة، سلمتها له ونسيت الأمر، حتى قابلت صديقة وباركت لي فجأة قائلة: مبروك كتابك الأول يطبع الآن في القاهرة. كانت مفاجأة كبيرة كان ذلك في عام 2004. ومن هناك تغير كل شيء.

لطيفة القاضي: قلتِ "إن الكتابة لم تكن خياراً، بل الطريقة الوحيدة لإثبات وجودك"، كيف يمكن النظر إلى الكتابة بوصفها شكلا من أشكال الوجود لا مجرد فعل إبداعي؟ وما الفارق بين أن تكون الكتابة تعبيرا على وجود، وبين أن تكتب لخلق الوجود نفسه؟

إستيلا قايتانو: حين تنتمي لبلد تعصف به الحروب والانقسامات، يموت مواطنه بالملايين بسبب التعنت السياسي والتعصب الأيديولوجي والعسكري، حينها تصبح الكتابة واجبة، بل مقاومة من نوع خاصة، لأن كل شيء معرض للدفن والإخفاء. نحن نُبيد بعضنا منذ عشرات السنين، وحتى الآن لم نشهد أي نوع من عمليات العدالة. الكل يفلت من العقاب، ويجبر الضحايا أنفسهم على المضي قدما، وحمل مرارة الظلم طوال العمر.

هنا تصبح الكتابة، شهادة، محاكمة، توثيقاً وإحياء ذكرى. كفتاة تنتمي لمجموعة خاضت الحكومة المركزية حربا ضد قومها لمدة 22 عاما، وخاض قومها أيضا حربا شرسة مضادة. ثم جاء الانقسام، فحروب جديدة في السودانين لأسباب قديمة متجددة. كان لابد أن أرفع قلمي أمام كل ذلك بكل هشاشتي، لأرسم الصورة الكبيرة لعنف القادرين على البطش.

هنا تصبح الكتابة مسؤولية وفعلا ضد النسيان، مسؤولية إعادة من تم نسيانهم للوجود، وإقامة نصب تذكاري لهم من حبر وورق، مسؤولية فتح الأعين لرؤية قبح ما يحدث لتفادي تكرارها في المستقبل. هذا يمنحني شعورا بالوجود والقدرة على الفعل، وتحريك الأذهان بالتأمل والأسئلة.

لطيفة القاضي: عشتِ تجربة الحرب والنزوح. كيف تشكلت هويتك الإنسانية والأدبية في خضم هذه التجارب الصعبة؟

إستيلا قايتانو: عندما تشكل الانتماءات الأولية المسلم بها والتي لم نختارها، ولكن ولدنا بها كأن تنتمي لوطن ما، أو أن تنتمي لمجموعة عرقية ما، أو الديانة تهديدًا. أو عندما تصبح الهوية معركة يومية بين فرض الذات وإثبات الأنا. ربما يكون من الحكمة أن تحاول تبني هويات أخرى "لست قاتلة" حسب أمين معلوف. كالانتماء لقضايا كونية أو إنسانية محددة، مثل: قضايا العدالة والسلام والحريات وحق الجميع في الحياة.. إلخ. هذه القضايا أيضا محلية، ولكن إذا أردت أن تتحدث عنها محليا لن تمر إلا من خلال "فلتر" الهويات التي تصنفك في خانة محددة.

لطيفة القاضي: تكتبين بالعربية، وهي ليست لغتك الأم، ووصفتها في حوار لصحيفة نيويورك تايمز فقلت: «أحب اللغة العربية، وأعشق الكتابة فيها. إنه القالب اللغوي الذي أرغب في ملء قصصي الشخصية وثقافتي به، والذي يتميز عن العرب». كيف يمكن للكاتب أن يعقد مصالحة هويّاتية مع لغة ليست الأصلية له، وفي الوقت نفسه جعلتِ منها أداة لوعي وجودي مختلفاً في فهم الذات الإنسانية ووعيها؟

إستيلا قايتانو: هذا السؤال عن اللغة، أجده أيضا فخا من فخاخ الهوية. مررت بمشاعر مختلفة مع هذا السؤال، في بداياتي كنت فخورة أنني أستطيع التعبير باللغة العربية، بعدها شعرت بتحدي، حيث لم يكن الأمر متعلقا بالتعبير فقط، ولكن بالإجادة. بعد استقلال جنوب السودان أو انفصاله عن السودان، صرت في موقع من يجب عليه التبرير لماذا أكتب بهذه اللغة. عندما هاجرت أصبح الأمر محرجا، لأن أوروبا لديها تقسيمات واضحة، يعرفون العرب ولغتهم، والأفارقة ولغاتهم، وبالطبع في ذهنهم العربية ليست منها. لذا كان على التبرير بسرد كل الحكاية السياسية البالغة التعقيد للسودان، المليء بحروب الهوية وصراعات الأنا والآخر العربي/الأفريقي.

اللغة العربية الآن أصبحت واحدة من اللغات الأصلية في أفريقيا، لدرجة أنها قد تكون اللغة الأم الثانية بالنسبة لشخص مثلي. بها نلت تعلمي الأولى وحتى الثانوي، وبها قرأت الكتب ونلت المعارف، وبواحدة من لهجاتها كنت أتواصل مع الناس، ثم بها أكتب. لقد أصبحت جزءا من هويتي، المصالحة معها ضرورة رغم الضغط السياسي. هذا الأمر جعلني أفهم و"أتعاطف" - لا أدرى إذا كان التعاطف كلمة مناسبة ـ وأتفهم كل شخص وجد نفسه في منطقة تماس ثقافي وسياسي معقد. وشعور الضغط التي يجب أن يواجهه من كل النواحي، لأن من حولك يطلب منك أن تختار انتماءك بكل ووضوح؛ يطلبون منك اختيار الجزء بينما أنت في رحلتك للكمال الإنساني، انتميت بالفعل للكل ومازلت تستوعب انتماءات أخرى.

لطيفة القاضي: تناولتِ في أعمالك مثل "زهور ذابلة" و"العودة" شخصيات تشكلها الحرب وتجربة النزوح. برأيك، هل تعيد الحرب تعريف الإنسان وجودياً، أم تظهر الوجه الآخر للإنسان. وكيف يمكن للكتابة أن تحتضن هذه التجربة المعقدة وتمنحها صوتا؟

إستيلا قايتانو: الحرب تعيد تعريف المكان والزمان والإنسان. في السودان لدينا تجربة طويلة مع الحروب لدرجة أصبح نزوح عدد كبير من الناس، واضطرارهم للاستقرار في مساحات شاسعة في المدن، وحولها أمرا طبيعيا. وكان هذا كافيا لإظهار الوجه الآخر للإنسان النازح والمجتمع المستضيف.

لقد كشفت عن ذلك في عدد من قصصي وأيضا في الرواية. الإنسان ينتمي لمكانه، ووطنه ومدينته وقريته. وهذا الانتماء للمكان بموازاة سيرورة الزمان يتحول إلى شعور البيت والدفء والأمان. حيث يتوفر الأمان والاستقرار والألفة. وجود كارثة كالحرب، تقلب كل هذه المعاني رأساً على عقب. تُفقِد المكان باضطرارنا للنزوح واللجوء. يتحول البيت الذي سكناه سنوات إلى أمتعة نحملها معنا حتى نجد مكانا نستقر فيه، كما في قصة "زيرو" في مجموعة العودة. لنشعر بالأمان يعني يجب أن نهرب، وتصبح الألفة جرحا مفتوحا من الحنين لكل شيء لم نتمكن من أخذه معنا. الجدران والشوارع والأزقة، النهر القريب والأشجار وأصوات الجيران.

كيف بإمكان إنسان أن يبقى كما هو عندما يتزلزل المكان من تحته، ويفقد كل أدوات البقاء؟ عندما يفعل وضع النجاة! وقد يختلف ذلك من شخص للآخر، منهم من تصقلها التجربة ويتسع لاستيعاب الأمر، ومنهم من ينزل للدرك الأسفل من البدائية، ويصبح عدوا لنفسه والآخرين.

من خلال الكتابة، هناك شخصيات سمت وازدادت نبلا، وهناك شخصيات طرحت الأسئلة، وشخصيات كانت مصدر رحمة للآخرين، وشخصيات تحولت للوحوش.

لطيفة القاضي: فوزك بجائزة بنتر كاتبة الشجاعة لعام 2025 من رابطة القلم الانجليزية تقديراً لشجاعتك الأدبية في مواجهة القيود ومناهضة القمع. يعد اعترافا عالميا ذا شأن كبير. برأيك ما دور الكاتب اليوم في ظل الحروب المشتعلة؟

إستيلا قايتانو: الشيء الوحيد الذي بإمكاننا فعله هي المناصرة ومحاولة لفت الأنظار لما يحدث والبحث عن التضامن بأدواتنا ككتاب، عن طريق الكتابة والحوار المباشر مع الجمهور ومتخذي القرار من سياسي الدول إذا كان هناك فرصة.

لطيفة القاضي: نظرا للموقع الفريد للأدب على التخوم الثقافية في جنوب السودان، برأيك ما الذي يمكن أن يقدمه للأدبين العربي والأفريقي؟

إستيلا قايتانو: أعتقد أن بإمكانه تقديم الكثير، جنوب السودان واحد من الدول التي تشكل جسرًا للتواصل ما بين العالم العربي والأفريقي. أولا من خلال اللغتين العربية والإنجليزية، وثانيا كان جزءا من السودان حتى 2011. والآن يتشارك واحدة من أطول الحدود بين الانجليزية. الكتاب اشتهروا في البلدين وفي مصر ودول أخرى من خلال كتابتهم بالعربية أو في دول الجوار الأفريقي بسبب انتشار اللغة الإنجليزية. وهذا يوفر قاعدة انتشار ما بين العالمين.

لطيفة القاضي: وصفتِ المنفى بأنه ليس مجرد هروب، بل مساحة للتفكّر في معنى العودة الحقيقي. هل يمكن للنفي والاغتراب أن يصبحا إعادة بناء لتأسيس الذات أم أنهما انفصال عن الأصل وفقدان للجذور؟

إستيلا قايتانو: المنفى كالحرب، له تكلفة نفسية ومشاعرية عالية. خاصة لشخص عاش فترة طويلة متوهما بأنه لا يمكن أن يعيش في مكان آخر سوى الوطن. الوطن الذي دفع ثمنا باهظا لتغييره للأفضل ورفض الخروج بإرادته ولكن فيما بعد أُجبر على ذلك.

عندما وصلت المنفى تملكني شعور الغضب لوقت طويل من كل شيء. فاكتفيت بالصمت. لقد ساعد الصمت الخارجي هذا في أن أخوض حوارا في داخلي حتى الوصول إلى مرحلة التصالح مع الماضي والذات والوطن، وقبول الوضع الجديد كفرصة وليس كعقاب. أحاول قبول أن المنفى تجربة جديدة تحتاج مني لمرونة الاتساع، واستيعاب ذاتي الجديدة لتنضم لبقية ذواتي، وبعدا آخر للهوية، ليس بالضرورة انفصالا أو بترا، ولكن يمكننا القول تراكما وامتدادا.

لطيفة القاضي: تعيشين الآن في ألمانيا، في كتاباتك نجد الذاكرة كمرآة مشوشة تتداخل فيها اللمسات الجسدية والآلام النفسية. كيف يمكن للذاكرة أن تتحول إلى بنية كونية للوجود لا مجرد أداة سردية تستخدم لاستدعاء الحكايات؟

إستيلا قايتانو: هذه العوالم المنسية هي ما يشغلني الآن، لأنني أستعيد يقينًا قديماً بأن داء سقوطنا في دائرة العنف والحروب المتكررة يعود إلى عجزنا عن معالجة أحداث الماضي. تلك الأحداث للأسف حبيسة ذاكرة الجناة والناجين فقط، وهؤلاء لا مصلحة لهم في إعادة فتح هذا الجرح مرة أخرى. ومع ذلك، الأحداث تعيد نفسها كأنها تريد أن تلقن كل جيل ذات الدرس. ولكني لا أرى حتى الآن أفقًا حقيقياً لتغيير هذا المسار أو الخروج منه خروجا نهائيا ما لم نعد بذاكرتنا إلى ما كان، ونوجهه بوعي لا بخوف. عوالم الذاكرة تشبه عوالم الواقع في السودان، ولكن الكثيرين يعجزون عن إيجاد نقاط للربط بينها أو حتى رؤيتهما كصورتين متكاملتين لحقيقة واحدة.

لطيفة القاضي: ما واقع المرأة في جنوب السودان اليوم، وهل تؤمنين بأن الأدب يمكن أن يكون أداة للتغيير؟

إستيلا قايتانو: أعتقد وضعها مزري، علينا دائما قياس وضع النساء والمستضعفين من خلال سياسات الدولة والاستقرار العام. جنوب السودان دولة منقسمة، وبها نزاعات مسلحة، وحكومة فاسدة منشغلة بنفسها، وتقاتل ما فرغته من مشكلات ومليشيات مسلحة بسبب سوء الإدارة والقيادة. بالطبع سيكون وضع النساء آخر قضية تفكر بها دولة كهذه. الكثير من النساء نازحات أو لاجئات، مغتصبات ومقتولات. مازال تعليم البنات يشكل تحدي. بالإضافة للعادات والتقاليد بالطبع. ولكن رغم ذلك مازالت قوية تحاول النجاة من ذلك وحدها.

لطيفة القاضي: قلت"إن الكتابة ليست وسيلة للتبشير أو الراحة، بل فعل مقاومة يوميّة"، كيف يمكن للكتابة بوصفها علاقة بين الكاتب ونصه أن تكون مقاومة وجودية لا جمالية فقط، وهل هذه المقاومة رفض للواقع أم محاولة لإعادة فهمه ومعالجته؟

إستيلا قايتانو: قد يكتب الكاتب أدب من أجل إحداث تغيير ما، ولكن مع توفر شرط القراءة النشطة من الجمهور المستهدف. نحن في أيام أصبحت فيه الصورة والفيديوهات تنافس القراءة بشكل كبير، بالإضافة لعوامل أخرى، مثل ارتفاع نسبة الأمية وغلاء الكتب... إذا كتبنا وظل ذلك حبيس الأغلفة، إذن انتفى فعل التغيير من خلال الأدب، هذا أمر محزن بالطبع للكُتاب، خاصة إذا كنت تستهدف جمهورا معينا بالكتابة.

عندما أكتب عن السودان، هو بالطبع رفض للواقع ومحاولة لاستيعاب الماضي ومحاكمته، قد يسمح ذلك للأجيال الجديدة إذا قرأت أو وجدت أي طرق أخرى لنيل المعرفة، حينها يصبح التغيير ممكنا.

لطيفة القاضي: الصورة والمشهد الطبيعي حاضرة بقوة فكرية في كتاباتك. ما دور الطبيعة والجغرافيا في رواياتك؟

إستيلا قايتانو: أنا أكتب عن الإنسان، في كتاباتي الإنسان له علاقة وثيقة مع الطبيعة حوله. الطبيعة أيضا بطلة في كتاباتي، تلك الأشجار الباسقة التي تصنع الأحداث المؤثرة. أو فقط عندما تقف هناك كشاهد صامت. هي أيضا تشكل عاملا مهما في الشعور بالحنين والفقد فيما بعد عندما يهاجر الإنسان. وأيضا للإنسان الأفريقي علاقة وثيقة مع الطبيعة أحيانا تُوضع في مقام الإله، لذلك يصعب فصل ذلك أثناء الكتابة.

لطيفة القاضي: في رواية أرواح إدّو، المعاناة تتكرر عبر الأجيال، وكأنها دائرة لا تنتهي. كيف يمكن للكتّاب مواجهة الصراع والعنف دون الوقوع في فخ التكرار، وإلى أي مدى يمكن للأدب أن يعيد تشكيل الألم المتوارث ليغدو فهما إنسانيا للذات والآخر؟

إستيلا قايتانو: أنا لا أخشى التكرار ربما سيمل القراء نعم، ولكن ادعي بيني وبين نفسي بأنني أكتب من أجل فضح قبح الحرب والعنف، حتى يفهم قومي أن السلام أيضا خيار متاح وممكن. قد تكون الحروب متشابهة في قوة تدميرها وتشويهها للحياة، ولكن قصص من يوجهها، ويتحملون آثارها مختلفة. وأعتقد أن مواصلة سرد ذلك يصنع نوعا من التضامن الجمعي، وأيضا الرفض الجمعي للعنف كوسيلة وحيدة للحل.

لقد اختبر جميع السودانيون الآن الحرب، ولكن هل وصلنا إلى مرحلة التباهي بمعاناة الحرب/الحروب، من منا عانى أكثر، وأي حرب كانت أكثر فتكا.. قد يساعد الأدب في وضع كل تلك الصور قرب بعضها، وربما نصطدم جميعا بسؤال: لماذا فعلنا وما زلنا نفعل بأنفسنا كل هذا؟

لطيفة القاضي: حين تتحدثين عن الرغبة في تجاوز ثنائية الضحية والجاني، هل ترين أن الإنسان قادر على أن يجمع بين الدورين في آن واحد، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن للأدب تفكيك القوالب الضمنية التي تعيد إنتاج هذا الانقسام الثنائي؟

إستيلا قايتانو: هناك جاني واحد في قمة الهرم الجاني المعتدي على الجميع، في حالة السودان الجاني هو الحكومات المركزية، وما تحتها كلهم يتبادلون الأدوار ما بين الجناة والضحايا بعد الإيقاع بينهم بشكل أو آخر. تحت الاستقطاب السياسي/الديني /الاثني ...الخ. خاصة إذا تم التلاعب بهم، واستخدامهم كأدوات لضرب بعضهم البعض من أجل مصلحة الجاني الأوحد في قمة الهرم.

في مصلحة الجناة الحقيقيين أن يخنق ضحاياهم بعضهم، أن يرى كلِ في الآخر السبب المباشر في محنته ومعاناته. هنا الأدب يحاول أن يجعل الناس تنظر إلى الموقف من زوايا متعددة، ربما يبث نوعا من التعاطف أو يخلق حوار في اتجاهين. وأيضا ربما يخلص إلى سؤال: ماذا كنت سأفعل إذا كنت في مكان الآخر جاني أو ضحية، في حالة الاعتداء، الدفاع عن النفس، الانتقام، الغضب والكراهية ...الخ

لطيفة القاضي: في ضوء إيمانك بأن الكتابة توضح العالم لكنها لا تغيّره مباشرة، كيف يمكن للنص أن يكون جسرًا بين الوعي الفردي والمعرفة المشتركة للوجود، وهل غاية الكلمة في التحرّر أم في التوضيح؟

إستيلا قايتانو: قد يتصادم الوعي الفردي مع مصلحة الجماعة. الجماعة أو الحشد تفضلك تابعا، وغالبا تريد منك استخدام لغة تعصب والبقاء داخل الحدود. كأن تتحدث عما يخصك وتترك الآخرين يواجهون مصيرهم، حتى لو كانوا يعانون من نفس المشكلة. قد يقف الفرد منا محرجا أمام لغة الخطاب الذي يجب أن يستخدمه. بعض القضايا لا تتحمل الصمت، ولكن في ذات الوقت لا تتحمل أيضا إضافة جرح على جرح.

غاية الكلمة في التحرر، حررتنا الكلمات كما أننا تحررنا عبرها، التعامل مع الكلمة دفعتنا للتفكير والتفكير يخلق الوضوح والوضوح يقود إلى التحرر.

لطيفة القاضي: الاعتراف بالذات التي تساهم في الدمار هو موضوع طرحته في خطابك عند استلام جوائزك. كيف يمكن للكاتب مواجه الشر الكامن فيه بوعي أخلاقي ويحوله إلى أداة فكرية في بناء السلام بدلا من توثيق العنف؟

إستيلا قايتانو: إنه أمر في غاية الصعوبة، طبيعة الإنسان ترفض الاعتراف بالآنا الظالمة، ودائما أصبعه ممدودة متهمة الآخرين بالشر المطلق، ربما نتقبل الظلم الذي نال الجميع. ولكن من الصعب الاعتراف بأننا أيضا ساهمنا في انتشار الشر بشكل أو آخر. تمنينا سرا أن ينال من بطش بنا العقاب في القريب العاجل على يد من هو أقوى منه. صفقنا للانتقام بدل السعي نحو العدالة. حتى توسع الحرب ووصولها لأماكن أخرى، حقق نوع من الرضى للبعض، لأن عندما كانت الحرب مشتعلة في مناطقهم لم يشعروا بالتعاطف الكافي.

نحتاج جميعا لتحقيق التغيير أن نخسر، وأن نعمل أحيانا ضد مصلحتنا، وأن نتحمل بشجاعة عواقب الاعتراف بالمظالم والاعتذار. التوثيق للعنف هي اللبنة الأولى، ثم تأتي العدالة وبعدها يُبنى السلام. في حالتنا، لا يمكن القفز فوق هذا الترتيب. لقد حدث هذا القفز من قبل خلال اتفاقيات سلام عديدة، يتصافح السياسيون ويبتسمون أمام الكاميرات ويتقاسمون الثروة والسلطة، ينسون ببساطة الدماء التي أُهدرت، لذلك لم ينجح الأمر. ليعود العنف في كل مرة أشرس من التي قبلها، وهكذا في دائرة من الفظائع التي لا تنتهي.

هذا ما أنا مشغولة به حتى الآن. ربما يحدث شيء يختصر كل هذا.