تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الاثنين 7 سبتمبر 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
فكر

أسطورة تعريب الصوماليين

19 أغسطس, 2026
الصورة
The myth of Somali “Arabisation”
Share

برز في الآونة الأخيرة على منصات التواصل الاجتماعي خطاب يتناول الثقافة الصومالية وعلاقتها بالتأثيرين العربي والإسلامي، ويحمّلهما مسؤولية ما يُفترض أنه تآكل لهوية صومالية أصيلة. وينتج هذا الخطاب في الغالب شباب صوماليون، يعيش كثير منهم في الغرب، ويحذّرون مما يصفونه بـ«تعريب» الثقافة الصومالية. وقد حصد عدد من مروّجي هذه الفكرة على «تيك توك» ملايين المشاهدات وآلاف التعليقات، مستندين إلى أطروحة مركزية مفادها أن الصوماليين تخلّوا تدريجيًا عن هويتهم الثقافية الأصلية لمصلحة هوية عربية وافدة.

غالبًا ما يُبنى هذا الخطاب على مقارنة بصرية متكررة؛ صورة معاصرة لامرأة صومالية ترتدي الجلباب، توضع إلى جانب صورة لامرأة صومالية من مطلع القرن العشرين، التُقطت خلال الحقبة الاستعمارية، ثم يُقدَّم التباين بينهما بوصفه دليلا قاطعا على حدوث إزاحة ثقافية. غير أن هذه المقارنة تنطلق من افتراض إشكالي، إذ تتعامل مع الصور الاستعمارية كما لو كانت سجلًا محايدًا وأمينًا للحياة اليومية الصومالية، مع أنها لم تكن كذلك في كثير من الأحيان. فقد كان التصوير الاستعماري انتقائيًا ومعدًّا سلفًا، تحكمه تصورات الأوروبيين عن السكان الأصليين بوصفهم موضوعًا غرائبيًا. وكان المصورون يحددون أحيانًا وضعيات الأشخاص وملابسهم وحليّهم، بما يتوافق مع المعايير الجمالية والإثنوغرافية للنظرة الاستعمارية، فتُرتَّب الأزياء والمجوهرات لإحداث أثر بصري يخدم تلك النظرة، لا لتقديم توثيق صادق للواقع.

كانت النساء أكثر من وقع ضحية لهذا التمثيل البصري. فقد دأب المصورون الاستعماريون والكتّاب المستشرقون على رسم صورة المرأة المسلمة بوصفها شخصية غامضة ومستترة، وكأن تحررها وفهمها لا يتحققان إلا بكشف حجابها. والمفارقة أن بعض الخطاب الرقمي المعاصر يعيد إنتاج المنطق نفسه؛ فكلما اقترب مظهر المرأة الصومالية من صور النساء غير المحجبات التي حفظها الأرشيف الاستعماري، كان من الأسهل تقديمها بوصفها نموذجًا للمرأة «الصومالية الأصيلة». في المقابل، يُصوَّر الحجاب باعتباره علامة على التأثير الأجنبي والاغتراب الثقافي، رغم الحضور التاريخي العريق والمتجذر لممارسات اللباس الإسلامي في المجتمع الصومالي. وهكذا تنقلب المعادلة؛ فالصور التي صاغتها المخيلة الأوروبية وفق تصوراتها عن الأصالة والاختلاف، يُعاد توظيفها اليوم لتصبح المعيار الذي تُقاس به أصالة الصوماليين المعاصرين.

لم يكن الربط بين تحرر المرأة المسلمة وكشف حجابها وليد التصوير الاستعماري وحده، ففي الجزائر الخاضعة للاستعمار الفرنسي، تحوّل الحجاب إلى ميدان للصراع السياسي، أُسقطت عليه تصورات الاستعمار عن الحضارة والحداثة والسلطة. كما لاحظ فرانز فانون في كتابه «استعمار يحتضر»، رأت السلطات الفرنسية في نزع حجاب الجزائريات وسيلة للنفاذ إلى نسيج المجتمع الجزائري، وإعادة تشكيله من الداخل. من هذا المنطلق، نظّمت مراسم علنية لنزع الحجاب وقدّمتها بوصفها مشاهد احتفالية بالتحرر، في حين أعادت تصوير الحجاب باعتباره رمزًا ظاهرًا لتخلّف السكان الأصليين واضطهادهم.

الثقافة لا تُصان بموجات الغضب الاستعراضي على «تيك توك»، ولا تندثر كلما تبدلت الأزياء. إنما يعتمد بقاؤها، في المقام الأول، على انتقالها من جيل إلى آخر عبر اللغة والذاكرة والأدب والمؤسسات

تدعونا هذه الخلفية التاريخية إلى التريث حين تُستدعى الصور الاستعمارية اليوم دليلًا على ماضٍ يُفترض أنه كان أكثر حرية وأصالة. فكثير من النساء اللواتي ظهرن في تلك الصور كنّ مهمشات ومستضعفات، وجرت في حالات كثيرة هندسة وضعياتهن وملابسهن وطريقة تقديمهن بما يشبع نظرة المتلقي الأوروبي المتلصص. وحين تُرفع هذه الصور، من دون مساءلة نقدية، إلى مرتبة رموز الحرية، ينتهي خطاب التحرر إلى إعادة إنتاج الافتراضات نفسها التي يدّعي مقاومتها. فهل يمكننا حقًا الدفاع عن حرية المرأة في الاختيار، ثم نقيس مشروعية اختياراتها بمعيار جمالي ورثناه عن النظرة الاستعمارية؟ وهل يقودنا سعينا إلى استعادة هوية صومالية «أصيلة» إلى استبطان معايير الاستعمار عن الأصالة وفرضها على أنفسنا؟

لا يقتصر اجتزاء الصور من سياقها التاريخي على أرشيف الحقبة الاستعمارية، بل يمتد أيضًا إلى الصور الملونة للنساء الصوماليات من أواخر القرن العشرين، المتداولة اليوم على نطاق واسع. فقد شهد عهد «كَعان»، في ظل نظام الاشتراكية العلمية بقيادة سياد بري، مشروعًا طموحًا لإحداث تحول اجتماعي وثقافي شامل. وسعى النظام إلى إعادة تشكيل المجتمع الصومالي وفق تصوره الخاص للحداثة، محتكرًا بذلك حق تحديد الأعراف والتفسيرات الدينية والممارسات الاجتماعية التي يسمح لها بأن تكون جزءًا من النظام الوطني الجديد. وكان هذا المشروع «التحويلي» قسريًا في كثير من الأحيان، ولم تكن مقاومته تمر من دون ثمن. ولعل أبرز الأمثلة على ذلك إعدام النظام، عام 1975، عشرة علماء دين عارضوا علنًا التعديلات التي أُدخلت على قوانين الأسرة والميراث.

في خضم هذا السياق السياسي، برز في مدن مثل مقديشو مشهد حضري كوزموبوليتي لافت، ظهرت فيه النساء بأنماط متنوعة من الأزياء؛ فكثيرًا ما ظهرن من دون حجاب، مرتديات فساتين غربية وملابس قصيرة الأكمام وغيرها من الأزياء التي يُستشهد بها اليوم بوصفها دليلًا على ماضٍ أكثر تحررًا اجتماعيًا. غير أن الخطاب المعاصر ينتزع هذه الصور في كثير من الأحيان من الواقع السياسي الذي أنتجها، ويختزل بذلك لحظة تاريخية مركبة في سردية بصرية مبسطة عن التحرر. صحيح أن تلك الصور قد تشهد على أشكال من الحرية الاجتماعية والتجريب الثقافي، لكنها تعايشت في الوقت نفسه مع مشروع سلطوي لإعادة تشكيل المجتمع، استند جزئيًا إلى القمع والترهيب والعنف. ومن ثم، فإن الاحتفاء بالمظهر الجمالي لتلك المرحلة، مع تجاهل البنى القسرية التي قامت عليها، يعيد إنتاج المشكلة نفسها: قراءة الصور خارج سياقها التاريخي، وتحويلها إلى شواهد على معنى لم تكن تمثله وحده.

من اللافت، في ضوء ذلك، أن الأدلة المقدَّمة على «التعريب» تكاد تنحصر في الملابس والصور التي تظهرها. ويكشف هذا التركيز عن ميل كثير منا، ممن نشأوا في مجتمعات غربية، إلى فهم الهوية من خلال علامات بصرية يسهل تمييزها واستهلاكها بنظرة أحادية. وحين تغيب اللغة الصومالية، نطقًا وكتابة، تصبح الصورة الوسيط الوحيد الذي يتفاعل من خلاله الصوماليون في الشتات مع ثقافتهم، فيتحول ما نراه إلى تصور كامل عن ماهية هذه الثقافة. لكن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير، ولا يمكن اختزال التاريخ في مجموعة من الصور المنتزعة من سياقاتها. ومع ذلك، تُطرح الخلاصة في صورة تقرير بديهي لا يحتاج إلى برهان: هكذا كنا في الماضي، أما اليوم فقد أصبحنا عربًا.

يتغذى الالتباس المحيط بهذه المسألة، ولا سيما في أوساط الشتات، من تراجع القدرة على التمييز بين الإسلام والثقافة العربية... وخارج السياقات الدينية، تظل العربية على هامش الحياة اللغوية اليومية للغالبية الساحقة من الصوماليين، فيما تبقى اللغة الصومالية وسيطهم الثقافي والاجتماعي الأساسي

تستمد هذه الحجة جانبًا كبيرًا من قوتها العاطفية من ملامستها تجربة حقيقية من تجارب الشتات، فبوصفنا شبابًا صوماليين في المهجر، نعيش علاقة مجزأة مع الثقافة الصومالية، تتشكل عبر الأسرة والذاكرة ووسائل التواصل الاجتماعي ولقاءات متقطعة مع وطن قد لا نعرفه إلا جزئيًا. لذلك، من الطبيعي أن يشعر كثيرون برغبة عميقة في استعادة شيء يبدو بعيدًا وآخذًا في التلاشي. غير أن هذا الحنين قد يجعلنا أكثر استعدادًا لتقبّل سرديات تقدم تفسيرًا بسيطًا ومُرضيًا عاطفيًا لما نتصوره فقدانًا ثقافيًا، سواء في الشتات أو داخل الصومال. وقد يكون القلق الذي يحرك هذه السرديات صادقًا، لكن صدق القلق لا يعني بالضرورة صحة التشخيص. فحجة «التعريب»، بوصفها تفسيرًا للتحولات الثقافية التي شهدها المجتمع الصومالي، تظل ضعيفة من الناحيتين التاريخية والاجتماعية.

فالتعريب لا يعني مجرد تبني ملابس معينة أو استخدام تعبيرات دينية أو ممارسة عادات متفرقة مرتبطة بالعالم العربي، بل هو عملية اجتماعية أوسع تندمج من خلالها عناصر الثقافة العربية في البنية اللغوية والمؤسسية والاجتماعية لجماعة غير عربية. وقد ارتبط التعريب تاريخيًا بتحولات شملت اللغة والأدب والأعراف الاجتماعية والهوية الجماعية. ففي الحقبة الإسلامية المبكرة، رافقت الثقافة العربية انتشار الإسلام في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، من دون أن تكون مرادفة له. أما في العصر الحديث، ولا سيما مع صعود القومية العربية خلال القرن العشرين، فقد اتخذ التعريب شكل سياسات متعمدة قادتها دول بهدف الصهر اللغوي والثقافي، واستهدفت في كثير من الأحيان أقليات غير عربية داخل دول عربية حديثة الاستقلال. ولا ينطبق أي من هذين النموذجين التاريخيين بسهولة على المجتمع الصومالي.

يتغذى الالتباس المحيط بهذه المسألة، ولا سيما في أوساط الشتات، من تراجع القدرة على التمييز بين الإسلام والثقافة العربية. فللغة العربية مكانة خاصة في الإسلام، لأنها لغة القرآن والصلاة وتراث واسع من العلوم الدينية المؤسسة. ولهذا يصلي المسلمون بالعربية، ويتلون القرآن بها، ويستخدمون مصطلحات دينية عربية، سواء كانوا صوماليين أم إندونيسيين أم نيجيريين أم بوسنيين أم من شعوب أخرى. وتعبّر هذه الممارسات عن الانتماء إلى تقليد ديني مشترك، لكنها لا تعني في حد ذاتها الاندماج الثقافي في هوية عربية. وخارج السياقات الدينية، تظل العربية على هامش الحياة اللغوية اليومية للغالبية الساحقة من الصوماليين، فيما تبقى اللغة الصومالية وسيطهم الثقافي والاجتماعي الأساسي.

ولا تسند الأدلة التاريخية القول إن الإسلام، وما رافقه من مفردات دينية عربية، فُرض على المجتمع الصومالي عن طريق الغزو أو الاستيعاب القسري. بل انتشر الإسلام تدريجيًا عبر التجارة والهجرة وطلب العلم والمصاهرة والتواصل المستمر عبر البحر الأحمر وخليج عدن. وقد جعل القرب الجغرافي للصومال من شبه الجزيرة العربية قرونًا من التبادل التجاري والديني والدبلوماسي أمرًا طبيعيًا وحتميًا، لا حالة استثنائية، قبل ظهور الدولة القومية الحديثة بزمن طويل. ويتجلى عمق هذه العلاقة في حضور روايات الأصول العربية ضمن مرويات النسب لدى عدد من العشائر الصومالية؛ إذ ينتسب بعضها إلى آل بيت النبي أو إلى شخصيات من صدر الإسلام، بينما يعيد بعضها الآخر أصوله إلى عُمان أو مناطق أخرى من شبه الجزيرة العربية. وليس جوهر المسألة هنا ما إذا كان بالإمكان إثبات هذه المرويات بوصفها حقائق تاريخية حرفية، إذ يكفي استمرارها في الذاكرة الاجتماعية الصومالية للدلالة على قِدم الصلات التي جمعت الصوماليين بالجزيرة العربية وشعوبها وعمقها.

يُستدعى انضمام الصومال إلى جامعة الدول العربية، على نحو مماثل، بوصفه دليلًا قاطعًا على تبني الصوماليين هوية عربية إثنية. غير أن العضوية في منظمة سياسية لا تُحدث في حد ذاتها تحولًا إثنيًا. فقد جاء انضمام الصومال في سياق الحسابات الدبلوماسية والجيوسياسية لحقبة الحرب الباردة، مستندًا أيضًا إلى روابطه التاريخية والدينية والتجارية الراسخة مع الدول العربية. ولم يكن هذا الانضمام إعلانًا عن تخلي الصوماليين عن هويتهم الصومالية أو تحولهم إلى عرب من الناحية الإثنية. ومع ذلك، ما زال اتهام «التعريب» حاضرًا، ويرجع ذلك جزئيًا إلى جمع عمليات تاريخية متباينة تحت مسمى واحد، كما لو كانت جميعها تعبيرًا عن الظاهرة نفسها.

حجة «التعريب»، بوصفها تفسيرًا للتحولات الثقافية التي شهدها المجتمع الصومالي، تظل ضعيفة من الناحيتين التاريخية والاجتماعية... فاختزال هذه التحولات كلها في مفهوم «التعريب» يخلط بين التغير الديني والاستيعاب الإثني والثقافي

لا يعني ضعف حجة «التعريب» أن الحياة الدينية الصومالية بقيت ثابتة؛ فقد شهدت بالفعل تحولات عميقة خلال نصف القرن الماضي. وأسهمت التغيرات في التعليم الديني، وهجرة العمالة إلى دول الخليج، وانتشار التيارات السلفية وغيرها من الحركات الإسلامية، والتمويل الأجنبي للمؤسسات الدينية، فضلًا عن اتساع تأثير وسائل الإعلام من القنوات الفضائية إلى منصات التواصل الاجتماعي، في إعادة تشكيل الطريقة التي يفهم بها كثير من الصوماليين الإسلام ويعبّرون عنه ويمارسونه. كما ترك ظهور تنظيمات إسلامية راديكالية، مثل «الاتحاد الإسلامي» و«جماعة الاعتصام»، ثم «حركة الشباب» لاحقًا، أثرًا واضحًا في الخطاب الديني ومعايير اللباس وتصورات الأخلاق العامة ومظاهر التدين في المجال العام.

لكن اختزال هذه التحولات كلها في مفهوم «التعريب» يخلط بين التغير الديني والاستيعاب الإثني والثقافي. فتبني تفسير أكثر محافظة للإسلام، أو ازدياد حضور أنماط معينة من اللباس الديني، أو تنامي نفوذ الحركات الإسلامية العابرة للحدود، لا يعني بالضرورة التخلي عن اللغة الصومالية أو هياكل القرابة أو الذاكرة التاريخية أو الشعر أو المؤسسات الاجتماعية أو الهوية الإثنية الصومالية. ويمكن لمجتمع أن يشهد تغيرات جذرية في ممارساته الدينية، من دون أن يفقد السمات التي تجعله متميزًا وقابلًا للتعرف على ذاته. ومن ثم، فإن استخدام «التعريب» لتفسير هذه العمليات يحجب أكثر مما يوضح، ويكشف عن قصور في التمييز بين الدين والثقافة والإثنية، وفي فهم العلاقات المعقدة التي ربطت بينها على امتداد التاريخ الصومالي.

هنا يبرز تناقض يستحق التأمل: لماذا تُعامَل بعض التأثيرات الخارجية بوصفها طبيعية وغير ضارة، بل لا يُلتفت أحيانًا إلى كونها وافدة أصلًا، بينما تُصوَّر تأثيرات أخرى باعتبارها تهديدًا وجوديًا للهوية الصومالية؟ ولماذا تمر تأثيرات ثبت أنها غيّرت عاداتنا اللغوية والثقافية بقدر كبير من اللامبالاة، في حين تُقدَّم ممارسات تمتد جذورها قرونًا في المجتمع الصومالي بوصفها عناصر دخيلة عليه؟ وهل ينبع هذا القلق فعلًا من قراءة تاريخية دقيقة، أم أنه تشكّل، ولو جزئيًا، تحت تأثير المجتمعات التي نشأ فيها كثير منا في الشتات، وما يسودها من مواقف تجاه العرب والمسلمين والمظاهر المرئية للإسلام؟ يتجلى هذا التناقض بوضوح في علاقتنا باللغة. فكثير من الصوماليين في الشتات يشعرون براحة أكبر في التحدث بعضهم إلى بعض بالإنجليزية؛ وبعضهم لا يتقن الصومالية إلا بدرجة محدودة، فيما يكاد آخرون لا يتحدثونها مطلقًا. وفي داخل الصومال نفسه، اكتسبت الإنجليزية مكانة متزايدة في مجالي التعليم والعمل، وغالبًا على حساب الصومالية بوصفها لغة للتدريس والبحث وإنتاج المعرفة. ومع ذلك، لم يُثر تراجع الصومالية أمام الإنجليزية خطابًا في الشتات يماثل، في حدته وانتشاره، الخطاب المحذّر من «التعريب». فلماذا؟

ينبغي لهذا التفاوت أن يدفعنا إلى مراجعة أولوياتنا قبل أن نعلن، غالبًا من على بُعد آلاف الأميال، أن المجتمع الصومالي وقع ضحية غزو ثقافي. فإذا كان هدفنا الحقيقي هو الحفاظ على الثقافة الصومالية، فلا بد أن نبدأ بالعناصر التي تنتقل الثقافة من خلالها فعلًا. وعلى من لا يتقنون الصومالية منا أن يتعلموها، وأن يقرأوا أدبها وشعرها، ويحفظوا تقاليدها الشفوية، ويسجلوا ذكريات آبائهم وأجدادهم ما دامت الفرصة متاحة. كما ينبغي أن نضمن أن يرث أبناؤنا اللغة نفسها، لا مجرد ارتباط رمزي بالهوية الصومالية، وأن ندعم الكتّاب والباحثين والصحافيين والمؤرخين والفنانين والمؤسسات القادرة على صون الحياة الفكرية الصومالية وتطويرها.

فالثقافة لا تُصان بموجات الغضب الاستعراضي على «تيك توك»، ولا تندثر كلما تبدلت الأزياء. إنما يعتمد بقاؤها، في المقام الأول، على انتقالها من جيل إلى آخر عبر اللغة والذاكرة والأدب والمؤسسات. وقد صمدت الثقافة الصومالية أمام التقسيم الاستعماري والديكتاتورية وانهيار الدولة والحرب الأهلية والنزوح الجماعي والهجرة عبر القارات؛ ولن يعجزها تغير الأذواق في اللباس. أما الخطر الأشد، فيكمن في أن نسمح للغة الصومالية، وهي الوعاء الأساسي الذي يحمل جانبًا كبيرًا من ذاكرتنا الجمعية، بأن تنحسر تدريجيًا، بينما نقنع أنفسنا بأن تغير الملابس هو أخطر أزماتنا الثقافية.