الأحد 7 يونيو 2026
يستعمل مفهوم "ما بعد الاستعمار" بكثافة في الخطاب المعاصر، وكأنه يعلن نهاية حقبة تاريخية وبداية أخرى قوامها الاستقلال والسيادة، غير أن هذا التصور، عند إخضاعه للفحص والتشخيص، يبدو أقرب إلى بناء أيديولوجي منه إلى وصف دقيق للواقع.
تكشف التجربة الأفريقية على أن الاستعمار أعاد تشكيل نفسه ضمن صيغ جديدة أكثر تعقيدا وأقل وضوحا؛ هنا يبرز تحليل كوامي نكروما في كتابه الموسوم بـ "الاستعمار الجديد: المرحلة الأخيرة من الإمبريالية" الذي ينبه فيه إلى أن الاستقلال السياسي أفضى إلى نمط من السيطرة غير المباشرة، وليس إلى التحرر الفعلي؛ كون الدولة المستقلة تحتفظ بمظاهر السيادة: علم وحكومة وتمثيل دبلوماسي، غير أن قدرتها على توجيه اقتصادها تبقى محدودة، وهو ما ينعكس مباشرة على قرارها السياسي، وتتحدد هذه العلاقة داخل بنية اقتصادية غير متكافئة، حيث تدمج الدول النامية في الاقتصاد العالمي بوظيفة محددة: إنتاج المواد الأولية واستيراد المنتجات المصنعة.
هذه العلاقة تُدار عبر أدوات مالية ونقدية تجعل القرار الاقتصادي مرتبطا بمراكز الإمبريالية العالمية، بذلك يصبح الاستقلال إطارا قانونيا يفتقر إلى مضمون فعلي، ويضحي معه استعمال مفهوم "ما بعد الاستعمار" قلبا للواقع، بحيث إن سيادة الدول تتحول إلى شكل قابل للتوظيف داخل نظام عالمي يعيد إنتاج السيطرة.
تتجلى آليات هذا النظام في مجموعة من الأدوات التي تعمل في ترابط؛ كالتأثير في السياسات الحكومية من خلال التمويل المشروط، والتدخل في مواقع القرار عبر شبكات إدارية واقتصادية، والتحكم في النظام النقدي من خلال ضبط اتجاهات الاقتصاد. هذه العناصر تشكل بنية متماسكة تعيد إنتاج التبعية على نحو مستمر، ضمن هذا الإطار، يؤدي رأس المال الأجنبي وظيفة محددة، حيث يُوظّف في سياق يضمن استمرار الاختلال، لا تجاوزه.
الاستقلال الشكلي قد يتحول إلى أداة لإنتاج دول عاجزة، تفتقر إلى المقومات الاقتصادية والسياسية التي تسمح لها بممارسة استقلال فعلي، ومن هنا يتصل نقده للاستعمار الجديد بنقده لبلقنة أفريقيا، لأن تفتيت القارة إلى وحدات ضعيفة ومتنازعة يضمن استمرار التبعية
هنا تتسع الفجوة بين الدول المتقدمة والدول الأقل تطورا، وتحول التنمية إلى مسألة سياسية ترتبط بموقع الدولة داخل النظام العالمي؛ تظهر هذه المفارقة بوضوح في ما يسمى "برامج المساعدة/ الدعم"، التي تبدو في ظاهرها دعما للتنمية، لكنها تتحرك ضمن دائرة تعيد توجيه الموارد نحو القوى المانحة. الأموال تدخل إلى الدول النامية، ثم تعود في صورة أرباح أو فوائد، دون أن تتحول إلى قاعدة إنتاجية مستقلة. وينعكس ذلك على طبيعة الدولة، التي تصبح قدرتها على فرض سياسات مستقلة محدودة، وتزداد قابليتها للتدخل الخارجي. لذلك تتحول العديد من الدول إلى فضاءات لصراعات داخلية وإقليمية، ضمن بيئة تسمح بإدارة "حروب محدودة" دون الوصول إلى مواجهة شاملة.
يرتبط هذا النمط من الهيمنة بتحولات ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث سعت الدول الصناعية إلى الحفاظ على توازنها الداخلي عبر تأمين تدفقات خارجية من الموارد، من خلال إعادة تنظيم علاقتها بالدول المستقلة حديثا.
لا يختلف المهدي بن بركة في مقاله المعنون بـ:" أفريقيا ما بعد الاستقلال"، عن كوامي نكروما، حيث يتبنى -بن بركة- تصورا دقيقا وثويا في آن واحد، إذ يرى أن أفريقيا دخلت، بعد الاستقلال، مرحلة جديدة أكثر تعقيد من مرحلة التحرر الوطني المباشر؛ في هذه المرحلة لم يعد الاستقلال السياسي كافيا في ذاته، لأن قيمته تتوقف على ما يفتحه من أفق للتنمية الاقتصادية والتحول الاجتماعي، لذلك يربط بن بركة بين الاستقلال وبين مهمة تاريخية أوسع، هي بناء تنمية حقيقية وشاملة ومنسجمة، قادرة على نقل المجتمعات الأفريقية من التحرر الشكلي إلى امتلاك شروط الفعل والسيادة. ويميز بين أوضاع مختلفة داخل القارة الأفريقية في تلك المرحلة: إذ هناك مناطق ما تزال تواجه الاستعمار التقليدي، ومناطق انتقلت إلى مواجهة الاستعمار الجديد، بما هو صيغة مستحدثة للهيمنة، ومناطق أخرى أصبحت معنيّة مباشرة ببناء الاستقلال على قاعدة الثورة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية. هذا التمييز يكشف أن أفريقيا، في نظره، ليست كتلة متجانسة، وإنما فضاء تاريخي تعيش داخله أشكال متعددة من الصراع، وإن كانت جميعها تتصل بالسؤال نفسه: كيف يمكن تحويل الاستقلال إلى واقع مادي وتاريخي؟
ينبع تخوفه من أن تنتهي أفريقيا إلى وضع شبيه بوضع أمريكا اللاتينية، أي استقلال اسمي مصحوب بعجز بنيوي وارتهان طويل الأمد
يحتل الاستعمار الجديد موقعا مركزيا في تحليل بن بركة، عندم يؤكد بأنه لم يعد يأتي فقط من السيطرة الاستعمارية المباشرة، وإنما من قدرة الإمبريالية على تغيير وسائلها والظهور في صور جديدة، محلية أو دولية، ذلك كون الاستقلال الشكلي قد يتحول إلى أداة لإنتاج دول عاجزة، تفتقر إلى المقومات الاقتصادية والسياسية التي تسمح لها بممارسة استقلال فعلي، ومن هنا يتصل نقده للاستعمار الجديد بنقده لبلقنة أفريقيا، لأن تفتيت القارة إلى وحدات ضعيفة ومتنازعة، يضمن استمرار التبعية، ويمنع نشوء قوة أفريقية قادرة على فرض شروطها.
إن الاستقلال بوصفه لحظة منجزة، هو فعل تاريخي مفتوح، ولا يكتمل إلا حين يقترن بالتنمية؛ لهذا يدعو إلى أن يكتسب مفهوم "التنمية" الحمولة التعبوية نفسها التي اكتسبتها مفهوم "الاستقلال" في مرحلة التحرر الوطني؛ أي أن النضال من الاستقلال لا يعتمل إلا بالنضال من أجل التنمية، وهو ينطلق في ذلك من مبدأ مادي تاريخي يعتبر أن جوهر الصراع هو الصراع الاقتصادي، ومكننا أن نلامس سدادة هذا الموقف بالنظر إلى وضع أفريقيا اليوم؛ المجتمع نال سيادته السياسية دون أن يبني قاعدته الاقتصادية، هكذا يظل معرضا للسقوط في التبعية، وتبقى مؤسساته الوطنية معلقة فوق واقع من الفقر والهشاشة. ومن هنا ينبع تخوفه من أن تنتهي أفريقيا إلى وضع شبيه بوضع أمريكا اللاتينية، أي استقلال اسمي مصحوب بعجز بنيوي وارتهان طويل الأمد.
تظهر هذه المفارقة بوضوح في ما يسمى "برامج المساعدة/ الدعم"، التي تبدو في ظاهرها دعما للتنمية، لكنها تتحرك ضمن دائرة تعيد توجيه الموارد نحو القوى المانحة
بناء على هذا التشخيص نصل إلى أن التنمية في أفريقيا لا يمكن أن تُترك للمسار الليبرالي أو للبرجوازيات الوطنية الناشئة، لأنها تفتقر إلى القدرة التاريخية على إنجاز تحول جذري. لذلك يمكن أن تمنح الفرصة للبدائل الاقتصادية الأخرى خاصة القائمة على مبدأ المساواة مكانة مركزية في مشروع التحرر الأفريقي، باعتبارها أداة لبناء سلطة شعبية، وتنظيم الموارد، وفرض رقابة ديمقراطية على أجهزة الدولة، وقطع الصلة بالبنى التي تبقي الاقتصاد تابعا للمصالح الإمبريالية. بهذا المعنى تكون التنمية مشروعا سياسيا واجتماعيا شاملا، يتطلب تعبئة المجتمع، والثقافة والتعليم وبناء قاعدة إنتاجية مستقلة.
من المثير للاهتمام أن رؤية بن بركة للتنمية ترتبط بفكرة الوحدة الأفريقية، فالوحدة عنده شرط من شروط الخروج من الضعف البنيوي الذي كرّسه الاستعمار، وهي كذلك الوسيلة الأقدر على معالجة النزاعات الحدودية الموروثة، ومقاومة التفتيت، وبناء كتلة أفريقية تملك قدرا أعلى من الثقة بالنفس والقدرة التفاوضية في مواجهة التكتلات الاقتصادية الدولية، بدون ذلك ستظل الدولة الأفريقية المفردة محدودة الإمكانات، في حين أن التنسيق والوحدة يفتحان أفقا مختلفا للسيادة الاقتصادية والفعل السياسي.
بعد كل هذا، يمكن القول إن ما يجب الانتباه إليه، أولا: هو التمييز بين استقلال يكتفي بالمظاهر السياسية، واستقلال يتحول إلى ثورة وطنية شاملة؛ الأول يترك البنية التابعة على حالها، والثاني يربط التحرر بإعادة بناء الاقتصاد والمجتمع والدولة ضمن أفق الوحدة والعدالة الاجتماعية. ثانيا: هو الاستعمال المفاهيمي في حقل الممارسة النظرية، بحيث يصح مفهوم "ما بعد الاستعمار" مفهوم يقلب الواقع أكثر ما يصف.