الأحد 8 فبراير 2026
حين أُعلن أن الصومال سيتولى رئاسة مجلس الأمن، كان المتوقع أن يمرّ الخبر كإجراء بروتوكولي عادي؛ فالرئاسة تتناوب عليها الدول الأعضاء شهرياً وفق تقليد إجرائي راسخ، ودورها في الغالب تنظيمي يقتصر على إدارة الجلسات، وتنسيق جدول الأعمال، لا على تغيير ميزان القرارات أو حسم الصراعات. لكن ما كان ينبغي أن يكون انتقالاً مؤسسياً هادئاً تحوّل سريعاً إلى ذريعة للسخرية، التقطها مسؤولون أميركيون وشخصيات نافذة ـ ولا سيما المحسوبون على حركة «ماغا»ـ ليجعلوا من المناسبة فرصة للاستهزاء بالصومال وبالأمم المتحدة معاً.
يتألف مجلس الأمن من خمسة عشر عضواً؛ خمسة دائمون يملكون حق النقض (الفيتو)، وعشرة غير دائمين يُنتخبون لفترات محددة. وضمن هذه البنية، تبدو رئاسة المجلس لشهر واحد أقرب إلى إجراء بروتوكولي منها إلى تفويض سياسي فعلي، وإن كانت تمنح الدولة التي تتولاها حيزاً رمزياً لإدارة النقاشات، وطرح أولوياتها على طاولة المجلس. لكن التفاعل الأميركي مع تولّي الصومال هذا الدور كشف سريعاً عن استدعاءٍ جاهز لصورة نمطية قديمة: الصومال بوصفه «دولة فاشلة». استُخدم هذا الوصف لتقويض شرعية منصب رمزي أصلاً لا يغيّر كثيراً في العمل الموضوعي للمجلس، وفي الوقت نفسه لتمرير تشكيك أوسع بشرعية منظومة الأمم المتحدة برمتها.
في هذا السياق، هاجم السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز المؤسسة علناً عبر وسائل التواصل، ورغم اعترافه بأن الرئاسة دورية ومتداولة، كتب: "أحد العيوب الكثيرة في الأمم المتحدة هو أن دولاً تُوضَع في مواقع بغض النظر عن وضعها الأمني في الداخل"؛ وهي عبارة لا تخفي مقصدها: تقديم مشاركة الصومال لا بوصفها مفارقة عابرة، بل بوصفها سخرية منطقية في ذاتها.
لم يبقَ هذا التهكّم حبيس القنوات الرسمية، بل التقطته سريعاً نخب مالية نافذة تدور في فلك دونالد ترامب وتغذّي خطابه. فقد استخدم إيلون ماسك، الملياردير المولود في جنوب أفريقيا وأحد أبرز ممولي حملات ترامب، منصته «إكس» للسخرية من الدور الرمزي المؤقت للصومال، فكتب: "والصومال سيكون رئيس مجلس الأمن أيضاً الشهر المقبل! يبدو أن للقدر حسّاً ملحمياً بالسخرية". وسار على المنوال نفسه مليارديرات آخرون من دائرة «ماغا»، بينهم مدير صناديق التحوط بيل أكمان، متعاملين مع تولّي الصومال رئاسة المجلس كما لو أنه نكتة سياسية جاهزة للتداول.
لكن هذه الإهانات لا يجوز قراءتها بوصفها انفعالات عابرة موجهة إلى الصومال وحده؛ فهي في حقيقتها امتدادٌ خارجي لثقافة سياسية داخلية استُهدفت ضمنها الجالية الأميركية من أصل صومالي—هويتها وثقافتها وذاكرتها—على نحو منهجي عبر التشويه والتحقير. وداخل خطاب «ماغا» تحديداً، يصبح الانتقاص من الصومال بديلاً عن نزع إنسانية الأميركيين الصوماليين أنفسهم: مجتمعٌ وُضع طويلاً تحت مجهر الاشتباه، وتعرض لهجومٍ متكرر من مسؤولين محسوبين على هذا التيار، ثم جرى تضخيم تلك الصور وتحويلها إلى سردية عامة بفضل نفوذ مليارديرات قادرين على صناعة المزاج السياسي والإعلامي.
ومنذ صعود دونالد ترامب إلى السلطة السياسية عام 2016، بات—رمزاً أو محرّكاً—لمسار طويل من الاعتداء السياسي على المجتمعات الصومالية في الولايات المتحدة. فقد سخّر خطابه وسياساته لاستثارة قاعدته ضد الصوماليين، وحوّلهم مراراً إلى كبش فداء مريح ضمن سرديات أوسع معادية للمهاجرين ومشبعة بالإسلاموفوبيا. وليس هذا النمط تفصيلاً عارضاً يمكن اختزاله في عبارة «هكذا يتحدث ترامب»؛ إذ إن التغاضي عنه بوصفه مجرد بلاغة انتخابية، كما جرى كثيراً، يتجاهل أذاه الملموس وما يخلقه من مناخ تهديد مباشر لحياة الأميركيين الصوماليين. والسجلّ هنا ليس انطباعاً، بل وقائع موثقة ومتراكمة.
في عام 2017، أُدرج الصومال ضمن قرار حظر السفر الذي أصدره ترامب ـ والذي وُصف على نطاق واسع بأنه «حظر المسلمين» ـ ما قيد دخول الصوماليين إلى الولايات المتحدة، وخلّف آثاراً اجتماعية مباشرة: عائلات تفرقت، ومسارات طلاب تعطلت، وبرامج إعادة توطين اللاجئين شارفت على الشلل. ثم بين عامي 2018 و2019 أخذ ترامب يربط مراراً المهاجرين الصوماليين بالإرهاب وبالاحتيال، ولا سيما في مينيسوتا، في إعادة إنتاج لصور نمطية سامة تقدّم الجالية بوصفها موضع ريبة دائم، لا أفراداً مواطنين أو مهاجرين ذوي حقوق.
تحوّل هذا المسار إلى هجوم أكثر فجاجة عام 2019، حين جعل ترامب من النائبة إلهان عمرـ الأميركية من أصل صومالي ـ هدفاً متكرراً في تجمعاته، لتصبح هتافات «أعيدوها إلى بلدها» لحظةً سياسية مكثفة تُحوّل عضواً منتخباً في الكونغرس إلى رمز لعداء منظم. وخلال حملة 2020 استمرّت الاستراتيجية نفسها: استخدام الأميركيين الصوماليين كورقة ضغط انتخابية، خصوصاً في مينيسوتا، عبر تصويرهم كتهديد ديموغرافي وثقافي يُستدعى لتأجيج المخاوف وحشد الأنصار.
ثم جاء ديسمبر/كانون الأول 2025 ليبلغ التصعيد ذروته، حين وصف ترامب المهاجرين الصوماليين بأنهم «قمامة»، ودعاهم إلى «العودة» و«إصلاح» الصومال، ونعته بأنه «جحيم». وبالتوازي، أعلن البيت الأبيض مراجعات لخطط إلغاء التجنّس بحق أميركيين صوماليين أُدينوا بالاحتيال، كما جرى تجميد 185 مليون دولار من إعانات رعاية الأطفال الفدرالية في مينيسوتا—في خطوات قرأها كثيرون باعتبارها مسيّسة ومحمّلة بدوافع عنصرية—بينما استعدت وكالات إنفاذ الهجرة لتوسيع عملياتها في ولاية تضم أكبر جالية صومالية في البلاد.
إذا وُضعت هذه الوقائع في سياق واحد، فإنها تكشف نمطاً ثابتاً لا مجرد حوادث متفرقة: نزع إنسانية عبر الخطاب، وعقاب عبر السياسات العامة، وهجمات انتقائية ذات حمولة عنصرية تستهدف الأميركيين الصوماليين ـ خصوصاً في مينيسوتا ـ بغرض تعبئة القاعدة السياسية. وفي هذا النمط، جرى مراراً «تشخيص» إلهان عمر بوصفها بديلاً رمزياً لمخاوف أوسع تتصل بالهجرة والإسلام والهوية الوطنية، بحيث يصبح الشخص واجهةً تُسقَط عليها قضايا أمة كاملة.
مكانة المواطنة الأميركية، ومن ضمنها مواطنة الصوماليين، لم تتراجع من حيث القيمة القانونية أو الرمزية. لكن ما يجري هو استهدافٌ للشخصية والهوية الصوماليتين، ويمكن النظر إليه بوصفه انتكاسة مؤقتة تُفرض عبر المناخ العام لا عبر نصّ المواطنة ذاته. ومع ذلك، تبقى الأعمدة الدستورية متينة، حتى إن تعرّضت للتجاذب أو العبث في بعض الممارسات
جاءت التداعيات عميقة. على مستوى الجالية، تصاعد الخوف والوصم الاجتماعي وتزايدت قابلية التعرض للتمييز. وعلى مستوى السياسة الأميركية، استُخدمت المجتمعات الصومالية كوقود في معارك انتخابية. وعلى المستوى الدولي، ساهمت هذه اللغة في تثبيت صورة فظة ومؤذية عن الصومال باعتباره مرادفاً للفوضى والفشل وانعدام النظام.
من هذا المنظور، يمكن فهم هجمات «ماغا» ـ المسنودة بسلطة الدولة حيناً والمضخَّمة بنفوذ نخب مليارديرية حيناً آخر ـ باعتبارها جزءاً من حرب ثقافية ذات بعد عنصري تتمحور حول السلطة والهوية والتحكم في السرديات. فالسخرية من الصومال هنا ليست طعناً بالأمم المتحدة بقدر ما هي مرآة لثقافة سياسية أميركية باتت أكثر ألفة مع الاحتقار: احتقار المؤسسات الدولية، واحتقار الجماعات المهمشة التي يربك حضورها تصوراً ضيقاً وإقصائياً لمعنى «الأمة».
ولفهم ما تعنيه هذه اللحظة بالنسبة للأميركيين الصوماليين، أجرى فريق تحرير «جيسكا» حواراً مع الكاتب الأميركي من أصل صومالي أحمد إسماعيل يوسف حول تبعات التصعيد وكيف تتعامل الجالية مع الأزمة.
أحمد إسماعيل يوسف: حين تُستدعى هيبة الولايات المتحدة وقوتها، فإن كلمات «أقوى رجل» في العالم لا بد أن تترك أثراً مؤذياً في نفسية مجتمع ذاق كثيراً من المعاناة، ثم استطاع أن ينجو منها بإصرارٍ محض. والمؤلم أن الصوماليين حاولوا ـ قدر المستطاع ـ أن يضعوا مسافةً بينهم وبين ماضٍ مثقل بالجراح، إن لم يكن لشيءٍ إلا لحماية أبنائهم من ارتداداته.
ومع أن هذا المجتمع شديد الصلابة، فإن تحويله إلى كبش فداء يعيد إشعال ذاكرة كابوسية، ويوقظ اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، والأسوأ أنه يفتح باباً واسعاً للعداء اليومي، عبر تحويل كلمات الرئيس إلى أداة تُستَخدم ضد أطفال صوماليين أميركيين أبرياء في سنّ المدرسة. إنها عملياً «رخصة للتنمّر»، وقد بدأت آثارها تظهر بالفعل.
جيسكا: الإدارة تستخدم صراحةً قضية الاحتيال المعروفة باسم «Feeding Our Future» (إطعام مستقبلنا) ذريعةً للعملية التي تسميها «Operation Metro Surge» ولرفع مستوى المراقبة. كيف يمكن للجالية الصومالية المطالبة بمحاسبة المتورطين في الاحتيال كأفراد، من دون السماح للدولة بأن توظّف تلك الجرائم كسلاح لعقابٍ جماعي ضد مجموعة إثنية بأكملها؟
الصوماليون اليوم ليسوا طارئين على مينيسوتا؛ لقد أصبحوا جزءاً أصيلاً من نسيجها الاجتماعي. ثم إن فلسفة استقبال اللاجئين وشعار الترحيب بهم لم يأتيا من الخارج، بل وُلدا في هذه الولاية نفسها، التي اعتادت تاريخياً فتح أبوابها لمن يطلب الأمان
ثانياً، فإن سلاح العقاب الجماعي ـ رغم فظاظته ـ له حدود تكشف نفسها سريعاً. أ) لحسن الحظ، وقفت الغالبية الساحقة من قيادات ولاية مينيسوتا، كما وقف كثير من الجيران والأصدقاء من أصحاب الضمير، إلى جانب الجالية الصومالية. ب) الصوماليون متماسكون، ولديهم عقول قانونية وأدوات تمكّنهم من الدفاع عن أنفسهم. ج) كما أن التاريخ أيضاً في صفّنا؛ فقد مرّ الأميركيون من أصول إيرلندية وإيطالية ومكسيكية ـ وبالتأكيد الأميركيون الأفارقة ـ بمحطات مشابهة من الشك والتمييز. وآخر الشواهد الكبرى على الاغتراب الإثني كانت في عام 1942، حين جرى احتجاز نحو 110 آلاف أميركي من أصل ياباني في إطار سياساتٍ تمييزية قاسية، تعرّضوا خلالها لانتهاكات جسيمة ومصادرة لحقوقهم وكرامتهم.
أحمد إسماعيل يوسف: لا، ليس بهذا المعنى. مكانة المواطنة الأميركية، ومن ضمنها مواطنة الصوماليين، لم تتراجع من حيث القيمة القانونية أو الرمزية. لكن ما يجري هو استهدافٌ للشخصية والهوية الصوماليتين، ويمكن النظر إليه بوصفه انتكاسة مؤقتة تُفرض عبر المناخ العام لا عبر نصّ المواطنة ذاته. ومع ذلك، تبقى الأعمدة الدستورية متينة، حتى إن تعرّضت للتجاذب أو العبث في بعض الممارسات. وهذا الوضع المُهين الذي يدفع الصوماليين إلى حمل جوازاتهم معهم لن يدوم.
أحمد يوسف: هذه السرديات المسمومة لا تستند إلى أساس، وستفقد قيمتها حين تتكشف معظم أكاذيبها أمام الناس. ولو امتلكت قدراً من الجدية الفكرية، للاحظت ما لدى الصوماليين من روح مبادرة وريادة أعمال، إلى جانب قيم دينية محافظة، وهي صفات يدّعي هؤلاء عادة أنهم يقدّرونها ويتماهَون معها. ثم إن السلوكيات الاجتماعية التي يغذيها الحسد مفسِدة ومُتآكلة في ذاتها. ومع وجود حلفائنا إلى جانبنا، نحن مستعدون لمواجهة الخصوم.
أحمد يوسف: عندنا مثل صومالي يقول: «Nin aan hadlin hooyadii qadisay» ويعني حرفيًا: "من لا يُحدث صوتاً قد لا تنتبه أمه لإطعامه". لذلك فالصمت، في مثل هذه اللحظات، ليس حياداً بل هزيمة. لا ينبغي للمرء أن يسلّم نفسه للضربات أو يستلقي ليُستهدف. نحن لن نستسلم. سنرفع صوتنا بالقدر الذي نستطيعه.
أحد العيوب الكثيرة في الأمم المتحدة هو أن دولاً تُوضَع في مواقع بغض النظر عن وضعها الأمني في الداخل"؛ وهي عبارة لا تخفي مقصدها: تقديم مشاركة الصومال لا بوصفها مفارقة عابرة، بل بوصفها سخرية منطقية في ذاتها
نعم، هناك "خيار ثالث"، لكن الاستسلاء ليس خياراً صومالياً. وما هو صومالي حقاً كلمات الحكمة لفاَرَح نور. (شاعر صومالي): «Lix halkaad ku jogtaan dagaal laabta ka ogaada / Kun la dirira idinkoo kunton ah waydin kaafiye.» إذا لم يبقَ منكم سوى ستة، فكونوا على يقظة من أي هجوم وشيك؛ وحتى إن كنتم خمسين، واجهوا ألفاً وأنتم ثابتون، فذلك يكفي لتزرعوا الهزيمة في صفوفهم.
أحمد إسماعيل يوسف: الصوماليون اليوم ليسوا طارئين على مينيسوتا؛ لقد أصبحوا جزءاً أصيلاً من نسيجها الاجتماعي. ثم إن فلسفة استقبال اللاجئين وشعار الترحيب بهم لم يأتيا من الخارج، بل وُلدا في هذه الولاية نفسها، التي اعتادت تاريخياً فتح أبوابها لمن يطلب الأمان. استقبلت مينيسوتا شرقيي أوروبا عام 1945، ثم الفيتناميين عام 1975، ثم شعب الهمونغ في الثمانينيات، وتبعتهم مجموعات عديدة أخرى؛ أما غالبية الصوماليين فقد وصلوا في التسعينيات.
وفوق ذلك، فإن في تاريخ الولاية أسماء سياسية اكتسبت مكانة رفيعة في مسار الحقوق المدنية ـ مثل والتر مونديل وهوبرت همفري ـ وكانوا بمثابة الذراع القانونية التي دفعت باتجاه حصص اللاجئين السنوية في الولايات المتحدة. لهذا، أنا لا أرى أن الصوماليين سيكتفون بتجاوز الأزمة والبقاء فحسب؛ بل أتوقع أن يواصلوا الازدهار. وهذا الاضطهاد السياسي الفدرالي المؤسف، وما يرافقه من ضجيج إعلامي في بعض المنابر المحسوبة على اليسار، سيمرّ في نهاية المطاف مع الإدارة الحالية.