الخميس 16 أبريل 2026
وُلد فرانز فانون قبل مئة عام، في 20 يوليو/تموز 1925، في مدينة فورت-دو-فرانس بجزر المارتينيك. بعد دراسته في مدينة ليون الفرنسية، أصبح طبيبًا نفسيًا، ونشر أطروحة الطب النفسي الخاصة به، في عام 1952، والتي لم يتمكّن من مناقشتها، تحت عنوان "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء"، وهو أول عمل له يتناول العلاقة بين المُستعمِر والمُستعمَر، مستندًا إلى تجربته الشخصية ذي الجنسية المارتينية، وأسود من جزر الأنتيل. يعرّف فانون فيه "الشعب المُستعمَر" بأنه ذاك "الذي وُلد في داخله مركّب نقص، نتيجة دفن الأصالة الثقافية المحلية".
تجسّدت شخصيته كمناضل مناهض للاستعمار بكل أبعادها، في الجزائر، حيث عُيّن طبيبًا رئيسًا في المصحة النفسية بمدينة بليدة-جوينفيل سنة 1953.
قال الشاعر والسياسي المارتينيكي إيمي سيزير بعد وفاة فانون في 6 ديسمبر/ كانون الأول 1961: "فانون مات، يمكننا التأمل في حياته: جانبها الملحمي، وجانبها التراجيدي أيضًا". وأضاف: "الملحمي أن فانون عاش حتى النهاية قدره بطلا للحرية، وتجاوز إلى حد بعيد خصوصيته البشرية، حتى مات جنديًا كونيا. أما التراجيدي؟ فربما لكونه أنْتيلي، لم يجد أنتيلاً يوازي قامته، فكان بين قومه رجلًا وحيدًا". وقد عوّضه التاريخ عن تلك الوحدة. فمن هو فرانز فانون؟ ولماذا لا تزال أفكاره حيّة حتى اليوم؟ إليكم خمسة أسباب لذلك:
يقول المؤرخ الفرنسي-البنيني أمزات بوكاري-يابارا إن فانون كان "واحدًا من أعظم رموز النضال ضد الاستعمار، لاسيما في الجزائر، حيث كان أحد مفكري حركة الاستقلال وفاعليها". وقد أوضح كيف أن "الاستعمار يخلق تراتبيات بين الأفراد، وعلاقات هيمنة، وأنه قائم على العنصرية، أي على تصنيف الناس وفقًا لأصولهم. فالاستعمار عنصري في جوهره"، يُضيف المؤرخ.
لا ينبغي أن تكون حياتي مكرسة لحساب القيم الزنجية. لا يوجد عالم أبيض، ولا أخلاق بيضاء، ولا ذكاء أبيض. يوجد، على طرفي العالم، أناس يبحثون
في كتاب "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء"، يكتب فانون: "إذا أنكر الأبيض عليّ إنسانيتي، فسأثبت له من خلال كل ثقلي بوصفي إنسانا أنني لست الشخصية الإشهارية التي تظهر على علب مسحوق الشوكولاتة "Y a bon banania" الذي لا يزال يتخيله. أكتشف نفسي في يوم ما في هذا العالم، وأعترف بحق واحد فقط: أن أطالب الآخر بسلوك إنساني. وواجب واحد: ألا أُنكر حريتي من خلال اختياراتي (...) لا ينبغي أن تكون حياتي مكرسة لحساب القيم الزنجية. لا يوجد عالم أبيض، ولا أخلاق بيضاء، ولا ذكاء أبيض. يوجد، على طرفي العالم، أناس يبحثون."
وعن الاستعمار وعواقبه الإنسانية والعنصرية، يقول إيمي سيزير في مقال تأبيني لفانون: "إن كتابه الأساسي هو كتاب فانون "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء". إنه كتاب عن: مسألة الاستعمار وآثاره على الإنسان، أما كتاب "معذبو الأرض" فهو عن مسألة الاستقلال، بجوانبها ومشاكلها"، هذا الأخير كتبه فانون في تونس بعد طرده من الجزائر بسبب نشاطه، وانخراطه في حركة التحرير. لقد كان فانون بلا شك ثوريًا. وبحسب آدم شاتز في كتابه "حياة في الثورات" (منشورات لا ديكوفرت)، فإن "الكفاح المسلح، في نظر فانون، لم يكن مجرد رد فعل على عنف الاستعمار، بل كان شكلاً من أشكال العلاج القادر على إحياء الإحساس بالقوة والسيطرة على الذات".
ويُضيف أمزات بوكاري-يابارا: "فانون كان دائمًا يسعى لتغيير الواقع نحو العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية. لقد جعل من الإنسان محور اهتمامه منذ وقت مبكر". فحين كان في الثامنة عشرة من عمره، التحق عام 1943 بصفوف "فرنسا الحرة" لتحرير فرنسا من النازية، التي كان يعتبرها انتهاكًا لكرامة الإنسان. لكن تلك التجربة كانت مريرة، إذ سرعان ما أدرك أن فرنسا الكونية، التي تخيّلها مناهضة للعنصرية، لم تكن سوى سرابا.
"في الجزائر، في مدينة البليدة، التقى فانون قدره"، هكذا يكتب جان-كلود بارني، مخرج الفيلم البيوغرافي فانون، المعروض في صالات السينما منذ 2 أبريل/ نيسان. "هناك، التقى بالطب الاستعماري، وهناك تكشّف كل ما هو عليه". في منصبه كمدير للمصحة النفسية في بليدة-جوينفيل، أنهى فانون نظام الفصل بين المرضى الفرنسيين والجزائريين. ومن هناك، قرّر الانخراط في الكفاح من أجل الاستقلال، من خلال التحاقه بجبهة التحرير الوطني، حيث كان يعالج سرًا مقاتليها داخل عيادته. وفي نهاية المطاف، تم طرده من الجزائر عام 1957، فلجأ إلى تونس حيث انضم إلى الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية. وهناك كان في قلب الحملة الدبلوماسية التي كانت تقودها، خصوصًا تجاه دول أفريقيا جنوب الصحراء.
حين كان في الثامنة عشرة من عمره، التحق عام 1943 بصفوف "فرنسا الحرة" لتحرير فرنسا من النازية، التي كان يعتبرها انتهاكًا لكرامة الإنسان. لكن تلك التجربة كانت مريرة، إذ سرعان ما أدرك أن فرنسا الكونية، التي تخيّلها مناهضة للعنصرية، لم تكن سوى سراب
توفي فانون عن عمر 36 عاما، إثر إصابته بسرطان الدم الحاد، في الولايات المتحدة حيث كان يتلقى العلاج. "لم يشهد استقلال الجزائر الذي ناضل من أجله"، يذكّر المخرج جان-كلود بارني. يضيف: "لقد كانت الجزائر، بطريقة ما، ملاذًا لكل العصاة، والمضطهدين من شتى الدول الاستعمارية. لقد استقر فيها، ودُفن فيها، إكرامًا لشعبها".
لقد مثّلت التجربة الجزائرية، بالنسبة لفانون، نموذجًا مسبقًا لتجربة باقي الدول الأفريقية المستعمَرة. يقول صديقه وأول رئيس لغانا، كوامي نكروما: "لن أنسى أبدًا هذا الوطني الأفريقي الشجاع، الذي جمع في شخصه وعيًا حادًا بالواجب، ورغبة متقدة في النضال بلا هوادة من أجل تحرير وطنه والقارة الأفريقية".
"لقد لعب فانون دورًا هامًا في تاريخ الطب النفسي، من أجل تحرير الطب ومعالجة المرضى من الهيمنة الاستعمارية"، يقول أمزات بوكاري-يابارا. ويضيف: "طبيبًا، كان يعرف المعاناة الإنسانية؛ طبيبًا نفسيًا، اعتاد تتبّع أثر الصدمات في النفس البشرية؛ وفوق ذلك، رجلًا 'استعماريًا'، وُلد وتشكّل داخل وضع استعماري، كان يشعر به ويفهمه كما لم يفعل غيره، يدرسه علميًا، تارةً بالتأمل الذاتي وتارةً بالملاحظة الدقيقة"، كما وصفه إيمي سيزير.
إلى جانب دراسته للطب، تابع فانون دروسًا في الفلسفة والأدب في مدينة ليون. وكان أول مؤلفاته، وهو "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء"، مقتبسًا من أطروحته في الطب النفسي، بوصفها "دراسة إكلينيكية". وهو أيضًا مؤلف كتاب "العام الخامس للثورة الجزائرية" (1959)، و"معذبو الأرض" (1961)، و"من أجل الثورة الأفريقية" الذي نُشر بعد وفاته عام 1964. كما كتب فانون مقالات في الأعداد الأولى من "جريدة المجاهد" لسان الثورة الجزائرية.
يقول المخرج جان-كلود بارني عنه: "إنه أحد أكثر الشخصيات إثارة في القرن العشرين. فغالبًا ما يكتب المثقفون كتبًا ويتوقف الأمر عند ذلك. أما فانون، فقد كان حامل رسالة سلام من خلال الفعل. لقد ذهب، بجسده وفكره، إلى مواجهة أنصار الاستعمار والتمييز. فانون كان دائم الحركة".
يوافقه المؤرخ أمزات بوكاري-يابارا، مضيفًا: "لقد مات شابًا، ونضالاته لم تكتمل. إنه رجل من القرن العشرين، لكن رؤيته لا تزال متماسكة وراهنة بخصوص قضايا مثل: إنهاء الاستعمار ومعالجة المرضى في الطب النفسي والهوية والعنصرية... وهي قضايا لا تزال حاضرة اليوم، ولم يتناولها كثيرون بنفس العمق النظري والفعلي معًا".
"لقد اختار فانون. لقد أصبح جزائريًا. وليس من السهل تذكُّر رجل مثله في فرنسا"، بهذه الكلمات يعبّر إيمي سيزير، كما يذكّرنا بذلك ميشيل آزار وإيف روفيير في كتابهما المصوّر "فهم فانون" (منشورات ماكس ميلو.) لقد جعلت منه نضالاته ضد الاستعمار والعنصرية - وخاصةً انخراطه في حرب الجزائر - منبوذًا في فرنسا لعقود. تلك البلاد التي "كانت تحاول سريعًا كبت التجربة الصادمة لتلك الحرب التي لا اسم لها. وقد كان فانون بنفسه ضحية لهذا الكبت: أصبح شخصية يُفضَّل محوها من الذاكرة التاريخية".
لقد مرت قرون وأوروبا توقف تقدم الشعوب الأخرى وتُخضعها لأغراضها ولمجدها؛ قرون وهي، باسم مغامرة روحية مزعومة، تخنق الغالبية العظمى من البشرية
ومع ذلك، فقد تكاثرت الدراسات عن فانون في أنحاء العالم. يقول جان-كلود بارني: "فرانز فانون في ماضينا، لكنه يحدّد مستقبلنا، خاصةً في زمن تتصاعد فيه العنصرية وتروج فيه أفكار التفوّق العرقي".
في "معذّبو الأرض" كتب فانون: "لقد مرت قرون وأوروبا توقف تقدم الشعوب الأخرى وتُخضعها لأغراضها ولمجدها؛ قرون وهي، باسم مغامرة روحية مزعومة، تخنق الغالبية العظمى من البشرية. انظروا إليها اليوم وهي تتأرجح بين الانهيار الذري والانهيار الروحي. ومع ذلك، على مستوى الإنجازات، يمكن القول إنها نجحت في كل شيء".ويختم بقوله: "من أجل أوروبا، ومن أجلنا، ومن أجل الإنسانية، يا رفاق، يجب أن نُجدّد أنفسنا، أن نُنتج فكرًا جديدًا، وأن نحاول بناء إنسان جديد".
النص الأصلي هنا