تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 19 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
كتب

استعادة الذاكرة الصوتيّة لأسرى أفريقيا خلال الحرب العالميّة الأولى

2 يوليو, 2025
الصورة
استعادة الذاكرة الصوتيّة لأسرى أفريقيا خلال الحرب العالميّة الأولى
Share
لا يقدّم كتاب المعرفة عبر الأذن مساهمة في التاريخ فحسب، بل يضعنا أمام تحدّ جوهري: أن نُنصت لما لم نُرد أن نسمعه سابقا، وأن نعيد النظر في معنى الصوت حين يصدر من موقع القهر، لا من موقع الهيمنة في عالمٍ تُختزل فيه الذاكرة غالبًا في النص والصورة، يذكّرنا الكتاب بأنّ هناك رواية أخرى للعالم، تُحكى من موضع الأسر، وتبقى- رغم كلّ شيء - حيّة في الصوت، ومفتوحة على أفق الاعتراف.

تقدّم أنيت هوفمان (Anette Hoffmann)؛ الباحثة في معهد الدراسات الأفريقيّة وعلم المصريات بجامعة كولونيا، في كتابها «المعرفة عبر الأذن: الإنصات إلى تسجيلات صوتية لأسرى أفارقة في معسكرات ألمانية خلال الحرب العالمية الأولى (1915–1918)» الصادر عن مطبعة جامعة ديوك (Duke University Press) سنة 2024 تدخّلا راديكاليّا في حقول الأرشفة والتاريخ الصوتي ودراسات ما بعد الاستعمار، من خلال إعادة قراءة أرشيف سمعي نادر، يضمّ تسجيلات صوتية لأسرى أفارقة خلال الحرب العالمية الأولى.

لا يُعنى الكتاب فقط باسترجاع تلك الأصوات، بل يسائل أيضا بنية إنتاجها، ويستكشف كيف أمكن لأشخاص مستَعمَرينَ وفي وضعيّة الأسر أن يتركوا خلفهم أثرا صوتيّا، يخلخل السرديات الاستعماريّة.

الأرشيف الصوتي الاستعماري: أدوات السيطرة وإمكانات الإفلات

احتجزت ألمانيا في معسكراتها بين عامي 1915 و1918، آلاف الأسرى من مستعمرات أفريقيّة خاضعة لفرنسا وبريطانيا، بينهم رجال من السنغال والصومال ونيجيريا وتونس والكونغو. استغل الباحثون الألمان وجودهم لتسجيل أصواتهم ضمن "البعثة الفونوجرافية"، التي هدفت إلى توثيق لغات وأغاني ومرويّات شفويّة غير أوروبيّة.

لكن خلف هذا الظاهر العلمي، يكشف المشروع عن طموح استعماري في تحويل الجسد الصوتي للمُستعمَر إلى عيّنة لغويّة قابلة للتحليل، حيث لم يكن يُنظر إلى هؤلاء الرجال بوصفهم أشخاصا بل كحوامل لصوت "بدائي".

الأسرى - كما تُثبت التسجيلات - كانوا يدركون في حالات كثيرة أنّ الباحثين لا يفهمون لغاتهم، ما منحهم مساحات خفيّة للكلام الشخصي والتعبير عن الوجع والسخرية والاحتجاج

ومع ذلك، تسعى هوفمان إلى تفكيك هذه المنظومة من الداخل. إذ ترى أنّ هذه التسجيلات - رغم انبثاقها من سياق قمعي - تحمل في طيّاتها شذّرات من الذاتيّة والمقاومة والتعبير الحر، ذلك أنّ الأسرى - كما تُثبت التسجيلات - كانوا يدركون في حالات كثيرة أنّ الباحثين لا يفهمون لغاتهم، ما منحهم مساحات خفيّة للكلام الشخصي والتعبير عن الوجع والسخرية والاحتجاج.

بُنِي الكتاب حول عدد من التسجيلات التي أجراها أسرى أفارقة في معسكرَي "Zossen" و"Wünsdorf"، وذلك بتخصيص فصول تحليليّة لأصوات بعينها، مثل:

- عبد الله نيانغ (Abdoulaye Niang) من السنغال، الذي وصف ساحات المعارك الأوروبية بـ"المسلخ"، قائلاً في أحد تسجيلاته بلغة الولوف: "لماذا تموت الحيوانات في أفريقيا بينما يُذبح البشر في أوروبا؟"، في تعبير رمزي عن تفاهة الموت الاستعماري وعبثيّته.

- محمد نور (Mohamed Nur)، صومالي عمل في الجيش البريطاني، ثم أُسر وعُرض لاحقًا أنموذجا إثنوغرافيا في أحد المعارض الألمانية. في تسجيله، يروي تجربته بإحساس واضح بالكرامة والرفض الضمني لتمثيله كمجردّ "شيء قابل للمشاهدة".

- ألبرت كودجابو (Albert Kudjabo) من الكونغو، الذي استعان بلغة "اللينغالا"، وبنى سرده على إيقاعات وتكرارات ذات طابع طقوسي، ما منح خطابه طابعا أدائيّا ذا بنية سرديّة قويّة، تتجاوز المقصد الإثنوغرافي الأصلي.

تكشف هذه التسجيلات أنّ الصوت كان وسيلة لمقاومة التمثيل الصامت، وأنّ الأسرى لم يكونوا موضوعات للعلم بل ذواتا تحكي وتسخر وتغنّي وتعلّق على العالم من موقع الإكراه.

الإنصات كفعل سياسي: أخلاقيّات التلقّي وإعادة التأويل

ينتقل الكتاب من التحليل التاريخي إلى مساءلة أخلاقيّات الإنصات؛ إذ تطرح هوفمان سؤالا جوهريّا: كيف نستمع إلى تسجيلات أُنتِجت في سياق استعماري، دون أن نعيد إنتاج عنفه الرمزي؟ فلا يُعدّ الإنصات هنا فعلا تقنيّا أو بريئا، بل يتقاطع مع قضايا الهيمنة والاعتراف، ويتطلب حسّا نقديا مضادا لهيمنة النموذج الغربي على المعرفة.

يصبح الإنصات، كما تصوّره هوفمان، تدخّلا معرفيّا وأخلاقيّا يُعطي للصوت بعدا سياسيا، لا بوصفه مجرّد أثر ماضوي، بل كشهادة حيّة تطالب باستعادة كرامة من لم يُنصت إليهم آنذاك

تدعو هوفمان إلى ممارسة إنصات نقدي/أخلاقي، يتجاوز حياديّة التوثيق نحو إعادة تموضع الصوت في سياقه التاريخي والثقافي، ويتضمّن:

- الترجمة المشتركة: ليس فقط بوصفها عمليّة لغويّة، بل كفعل تأويلي تشاركي يُنجز مع ناطقين معاصرين باللغات الأصليّة. الهدف هنا ليس استعادة "المعنى الظاهري"، بل إعادة تأهيل الصوت ضمن ذاكرته الجمعيّة، وتفكيك الرموز والإحالات الثقافيّة التي يحملها.

- تحليل الأداء الصوتي: يشمل النبرة والإيقاع وطبيعة التقطيع والتنغيم، بما يكشف ما لا تقوله الكلمات بحد ذاتها. فبعض التسجيلات - مثل تلك التي تعود إلى محمد نور أو عبد الله نيانغ - تتضمّن سخرية أو حزنا مكتوما لا يُقرأ إلّا عبر الصوت لا النص.

- إعادة إدراج الصوت في سياقه التاريخي الاجتماعي: بما يعني فهم من تكلّم، ولماذا تكلّم، ومن الذي استمع إليه، وتحت أي شروط. الاستماع في هذه الحالة، لا يُفصل عن البنية الاستعماريّة التي وُلد فيها الصوت، بل يُعاد تأويله باعتباره وثيقة مقاومة محتملة، أو على الأقل علامة على تفاوض داخلي مع القسر والتشيء.

بهذا المعنى، يصبح الإنصات، كما تصوّره هوفمان، تدخّلا معرفيّا وأخلاقيّا يُعطي للصوت بعدا سياسيا، لا بوصفه مجرّد أثر ماضوي، بل شهادة حيّة تطالب باستعادة كرامة من لم يُنصت إليهم آنذاك.

المادّة الصوتيّة: الأصل، تفكيك السرديّة الأوروبيّة، ومسؤوليّة المستقبل

يكشف الكتاب عن تحوّل جذري في فهم الأرشيف السمعي، حين يتمّ التعاطي معه لا بوصفه مجرّد وثيقة لغويّة أو إثنوغرافية، بل باعتباره نصا سرديّا فنيا مركّبا. لا يُختزل الصوت في مقاربة أنيت هوفمان في كونه وسيطا لنقل الكلام، بل يُفهم كبنية حاملة للتعبير والذاكرة والتوتّر، تنفتح على قراءات متعدّدة تتجاوز التلقّي الخطّي.

في حالات كثيرة، لا يُفهم المعنى من ظاهر الكلمات، بل من طريقة أدائها، من الشفرات الثقافيّة التي تحكمها، ومن قدرتها على تجاوز الإدراك الأوروبي الذي أحاطها من البداية بترتيب استعماري للمعنى

بعض التسجيلات التي يستند إليها الكتاب، مثل تلك التي تتضمّن غناء جماعيّا، أو قصصا تُروى بنبرات مسرحيّة، أو حتى أدعية وصرخات وجدانيّة، تبيّن أنّ المتحدّثين الأفارقة قد أدوا ذواتهم صوتيّا من خلال ممارسات شفوية معقّدة، لا تقل عن النصوص المكتوبة في أبعادها الأدبيّة والرمزيّة. بهذا، تدعو هوفمان إلى مقاربة تلك المادّة باعتبارها نصوصا شفوية أدبيّة تاريخيّة، تتكوّن في لحظتها، وتحمل أثر الذات المتكلّمة من خلال اختيار الكلمات والصمت والتردّد والارتباك، أو حتى السخرية الخفيّة.

تتجاوز هذه المقاربة الرؤية التفسيريّة الكلاسيكيّة، إذ تضعنا أمام مفهوم أوسع للأرشيف الصوتي، بوصفه نتاجا تعبيريّا يشتبك مع السلطة ويفاوضها من الداخل. في حالات كثيرة، لا يُفهم المعنى من ظاهر الكلمات، بل من طريقة أدائها، من الشفرات الثقافيّة التي تحكمها، ومن قدرتها على تجاوز الإدراك الأوروبي الذي أحاطها من البداية بترتيب استعماري للمعنى.

يمثّل الكتاب مساهمة واضحة في تفكيك المركزيّة الأوروبيّة في كتابة التاريخ، وخاصة ما يتعلّق بالحرب العالميّة الأولى. فعلى الرغم من وجود آلاف الجنود والعمّال والجنود الأسرى من أفريقيا في ساحات القتال والمعسكرات، ظلّت الرواية الرسميّة أوروبية في مركزها، نصّيّة في مادّتها، وبصريّة في أدواتها. أمّا المادّة الصوتيّة، التي خزّنها الأرشيف الألماني لعقود دون ترجمة أو دراسة، فقد اعتُبرت هامشا إثنوغرافيّا لا يستحقّ أن يُدرَج ضمن التاريخ الفعلي.

لكن الأصوات التي ظلّت حبيسة الأسطوانات تعود اليوم لتقول شيئا آخر: لم نكن صامتين، بل لم يصغِ أحد. بهذا التصريح الضمني، يحرّر الكتاب الصوت من كونه "أثرا بيولوجيّا" إلى كونه موقعا للمعنى والمقاومة، ويشتبك مع نقد جذري للمعرفة الاستعمارية من داخلها. المعرفة - كما تبيّن هوفمان - لا تُنتَج فقط عبر ما يُرى، بل أيضا، وبقوة، عبر ما يُسمع، وما يُستبعد عن السمع.

في ضوء هذا الفهم، تصبح استعادة هذه الأصوات اليوم ليست مجرّد خطوة رمزيّة، بل فعلا أخلاقيّا وسياسيا يعيد الاعتبار لمن صودرت ذاكرتهم. ومع تنامي الوعي العالمي بمطلب إعادة الأرشيفات الصوتيّة والبصريّة إلى مستعمراتها الأصليّة، تتّخذ مساهمة هوفمان بعدا عمليّا يندمج في سياسات الذاكرة المعاصرة.

لكن الأصوات التي ظلّت حبيسة الأسطوانات تعود اليوم لتقول شيئا آخر: لم نكن صامتين، بل لم يصغِ أحد

لقد بدأت بلدان مثل تونس والسنغال فعليّا في المطالبة باسترجاع تسجيلات أسراها من الأرشيف الألماني، وهي تسجيلات يمكن أن تتحوّل من مجرّد "أثر صوتي" إلى جزء من سرديات الهويّة الوطنيّة، سواء عبر إدماجها في المناهج التربويّة، أو عرضها في المتاحف، أو توظيفها في الفن المعاصر كتعبير عن ذاكرة مقاومة لا تزال حيّة في الصوت.

إنّ المادّة الصوتية، كما يعيد الكتاب تأطيرها، ليست موروثا جامدا، بل وثيقة حيّة لا تخص الماضي وحده، بل تُلزمنا بمسؤوليات تجاه المستقبل: أن نُصغي على نحوٍ مغاير، أن نعيد الاعتبار لمن لم يُسمعوا، وأن نُدرج صوتهم في كتابة التاريخ كما لم يُكتب من قبل.

لا يقدّم كتاب المعرفة عبر الأذن مساهمة في التاريخ فحسب، بل يضعنا أمام تحدّ جوهري: أن نُنصت لما لم نُرد أن نسمعه سابقا، وأن نعيد النظر في معنى الصوت حين يصدر من موقع القهر، لا من موقع الهيمنة. ففي مقاربة هوفمان، لا يُعَد الصوت مجرّد وسيط ناقل للغة أو معلومات، بل بنية سردية سياسية تُنتج ذاتها في اللحظة، وتقاوم التمثيل الصامت الذي فُرض على المهمّشين.

من خلال استعادة هذه التسجيلات، وتحليل أدائها، وسياقاتها، وإعادة تأويلها أخلاقيّا، يُحرّك الكتاب حجرًا في مياه الذاكرة الكولونيالية الراكدة، ويقترح نمطا جديدا من العلاقة مع الأرشيف: علاقة تُعيد تعريف "الوثيقة" و"الشاهد"، وتضع المستمع موضع الفاعل لا المتفرّج، بوصفه مسؤولا عن تاريخ لم يُكتب بالنص وحده، بل بالنبرة والتنهيدة والانقطاع والصمت.

إنّه كتاب يُعيد رسم حدود ما نعدّه معرفة، ويزعزع مركزيّة الرؤية الغربيّة في قراءة الماضي، ويدعونا لا فقط إلى سماع أصوات المستعمَرين، بل إلى الاستماع إليهم بشروطهم، وضمن لغتهم التاريخيّة والوجوديّة.

في عالمٍ تُختزل فيه الذاكرة غالبًا في النص والصورة، يذكّرنا الكتاب بأنّ هناك رواية أخرى للعالم، تُحكى من موضع الأسر، وتبقى- رغم كلّ شيء - حيّة في الصوت، ومفتوحة على أفق الاعتراف.