تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الاثنين 18 مايو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

إسقاط لفتاغرين… دلالات وتوازنات المشهد في ولاية جنوب الغرب

2 أبريل, 2026
الصورة
إطاحة لفتاغرين… دلالات وتوازنات المشهد في ولاية جنوب الغرب
Share

في سقوطٍ مدوٍّ وغير متوقع بهذه السرعة، تمكنت الحكومة الفيدرالية من إسقاط رئيس ولاية جنوب غرب الصومال، عبد العزيز محمد حسن لفتاغرين، عبر حملة عسكرية شنتها عقب شكوك امتدت لسنوات، وبلغت ذروتها قبل أسبوعين مع وصول العلاقة إلى مرحلة الافتراق والمواجهة، ما دفعها إلى التحرك في إطار حملة عسكرية مشتركة مع حلفائها من خصومه السياسيين داخل الولاية، بهدف إنهاء حكمه وإسقاط به بالقوة.

في صباح 30 مارس/آذار الماضي، دخلت وحدات من الجيش الفيدرالي وقوات ما يُعرف بـ"إنقاذ الولاية" التابعة لمعارضة لفتاغرين إلى مدينة بيدوا، عقب أيام من التحشيد والاستعدادات العسكرية لاقتحامها، وتمكنت من الانتشار في أحيائها، ما أدى إلى بدء انهيار سلطة لفتاغرين، وسارع عدد من المنتمين إلى إدارته إلى تسليم أنفسهم للقوات، فيما لجأ لفتاغرين وعدد من كبار مسؤولي إدارته إلى القوات الإثيوبية المتواجدة في المدينة.

بعدها بدأت اتصالات بين لفتاغرين والحكومة الفيدرالية، أفضت إلى تسليم السلطة إلى أحد وزرائه وتقديم استقالته، مقابل السماح له بالخروج الآمن من المدينة، ما أدى إلى مغادرته برفقة رئيس برلمان الولاية وبعض السياسيين الموالين له إلى نيروبي عبر طائرة.

السقوط السريع للفتاغرين

تفاجأ الشارع الصومالي بالسقوط السريع الذي مُني به نظام لفتاغرين، رغم تهديداته في الأيام التي سبقت لحظة الحسم بالدفاع عن الولاية ومدينة بيدوا، فقد أعلن قبل يوم واحد فقط من سقوطه إعادة انتخابه لولاية ثانية، في تصويت سريع ومثير للجدل جرى في المدينة، في خطوة بدت وكأنه يستعد لمواجهة الحملة العسكرية التي تقودها الحكومة الفيدرالية ضده.

في هذا السياق، برز تساؤل حول الأسباب الكامنة وراء هذا السقوط السريع، رغم استمراره في الحكم لنحو سبع سنوات، ورفضه المتكرر لمبادرات التسوية السلمية التي طرحتها الحكومة الفيدرالية قبل لجوئها إلى خيار القوة. لكن قبل الانتقال إلى مناقشة ذلك، لا بد من العودة إلى الخلف لفهم طبيعة حكمه، وكيف تشكّل في البداية؟

يمكن تفسير أسباب سقوطه السريع بعدة عوامل، أبرزها دخوله في صدام مع عشائر وازنة وشخصيات سياسية مؤثرة معارضة لنظامه، وتقييد حركتهم ومنعهم من دخول بيدوا، إلى جانب فشله في بناء قوة عسكرية وأمنية قادرة على حماية نظامه

في ديسمبر/كانون الأول عام 2018، انتُخب لفتاغرين رئيسًا للولاية بدعم مباشر من الحكومة الفيدرالية آنذاك، وبالتعاون مع القوات الإثيوبية، في عملية شهدت إسقاط سلفه شريف حسن شيخ آدم، وتخللتها أحداث عنف أسفرت عن سقوط عشرات الضحايا بين قتيل وجريح، واعتقال أحد أبرز المرشحين؛ الشيخ مختار روبو، فضلًا عن قمع طال المعارضين للعملية، بذلك تكون طريقة صعوده إلى الحكم أقرب في طبيعته إلى الطريقة التي خرج بها، وليس نتيجة توافق محلي أو مسار انتخابي نزيه.

في ظل هذا الصعود المثير، لم يعمل لفتاغرين على معالجة تداعيات تلك المرحلة عبر مصالحة سياسية أو اجتماعية داخل الولاية، بل اتجه نحو إقصاء خصومه السياسيين، وتضييق الخناق على مكونات اجتماعية وسياسية معارضة، ما عمّق حالة الاحتقان الداخلي ضده.

هكذا، يمكن تفسير أسباب سقوطه السريع بعدة عوامل، أبرزها دخوله في صدام مع عشائر وازنة وشخصيات سياسية مؤثرة معارضة لنظامه، وتقييد حركتهم ومنعهم من دخول بيدوا، إلى جانب فشله في بناء قوة عسكرية وأمنية قادرة على حماية نظامه، وعدم إنشاء خطوط دفاع خارج المدينة، في وقت ظلت فيه حركة الشباب تنشط على مقربة لا تتجاوز 10 كلم من بيدوا طوال فترة حكمه.

لقد راهن على القوات الإثيوبية المتمركزة في المدينة التي تولت حماية المطار والقصر الرئاسي، بدلا من معالجة التأثيرات السلبية الناجمة عن صعوده إلى الحكم، إلى جانب اعتماده على عشيرته التي منحها نفوذًا واسعًا داخل مؤسسات الحكم على حساب بقية العشائر الأخرى، ما جعله يُنظر إليه بوصفه "رجل قبيلة" أكثر من كونه رجل دولة، وهو ما أسهم في تراكم حالة احتقان باتت تنتظر لحظة الانفجار.

عكست هذه العوامل مجتمعة حجم الضعف الداخلي الذي عانى منه نظامه، رغم أن البعض يخفف من مسؤوليته عن ذلك، ويعزوه إلى تحديات اقتصادية ولوجستية، في ظل محدودية الموارد المالية للولاية، واعتمادها على الدعم الحكومي وبعض الإيرادات المحلية المحدودة، فضلًا عن ضعف مصادر التسليح التي تقتصر إلى حد كبير على ما يأتي عبر إثيوبيا، بخلاف ولايات مثل: بونتلاند وجوبالاند التي تمتلك منافذ بحرية وعلاقات خارجية أوسع.

بعد حكم لفتاغرين… توازنات هشة وتنافس في الظل

وصل وفد حكومي رفيع إلى مدينة بيدوا، بقيادة رئيس مجلس الشعب الشيخ آدم محمد مدوبي، في أقل من 24 ساعة على سقوط لفتاغرين، للشروع في الترتيبات اللازمة لتشكيل إدارة انتقالية في ولاية جنوب الغرب، مع توجه الرئيس الرئيس حسن شيخ محمود يوم الخميس 2 أبريل/نيسان الجاري. وتتولى هذه الإدارة تسيير شؤون الولاية مؤقتًا إلى حين إجراء انتخابات لاختيار قيادة جديدة، وفق نظام "صوت واحد لكل شخص" الذي يتبناه الرئيس، وسط ترجيحات بإجرائها خلال الشهرين المقبلين.

يكمن التحدي الأبرز في قدرة الرئيس على إدارة تعدد المرشحين لرئاسة الولاية من الموالين له، والذين يصل عددهم إلى خمسة، من بينهم رئيس مجلس الشعب ووزيران نافذان، حيث حصل كلٌّ منهم على وعود بالدعم منه

تُخفي هذه الترتيبات الفنية والإدارية وراءها جملة من الحسابات المعقدة والمصالح المتضاربة بين الأطراف المعنية؛ إذ يكمن التحدي الأبرز في قدرة الرئيس على إدارة تعدد المرشحين لرئاسة الولاية من الموالين له، والذين يصل عددهم إلى خمسة، من بينهم رئيس مجلس الشعب ووزيران نافذان، حيث حصل كلٌّ منهم على وعود بالدعم منه، ما يجعل أي قرار بدعم مرشح بعينه محفوفًا بمخاطر التمرد والانقسام داخل صفوف حلفائه، وقد يدفع بعضهم إلى التحول إلى معارضة نشطة ضده. ومع ذلك، تفرض معضلة المرشحين المستقلين أو المدعومين من أطراف أخرى نفسها، والذين سيدخلون حتمًا في مواجهة مباشرة مع خطة الحكومة الفيدرالية.

في سياق موازٍ، يبرز تحدٍّ أمني لا يقل خطورة، يتمثل في كيفية التعامل مع المليشيات المحلية التي شاركت إلى جانب القوات الحكومية في الحملة الأخيرة، فاحتفاظ هذه المجموعات بسلاحها يجعلها عنصر ضغط أمني قابلًا للانفجار في أي لحظة، خاصة إذا شعر بعض المرشحين بالتهميش أو فقدان المصالح، ما قد يفتح الباب أمام تمردات أو صراعات داخلية.

وعلى الصعيد الإقليمي، ستكون إثيوبيا حاضرة في قلب المعادلة، إذ يُرجّح أن تفرض نفوذها في المشهد عبر دعم مرشحين معارضين لنهج الحكومة الفيدرالية، في حين قد تنخرط أطراف خارجية أخرى في مسار الانتقال بما لا يتوافق مع رؤية مقديشو.

ومع كل هذه التعقيدات واستحالة إقناع جميع الأطراف المعنية، قد يبدو الخيار الأمثل هو التوجه نحو انتخابات حرة ونزيهة قائمة على التوافق بين الفاعلين المحليين، بعيدًا عن الضغوط والتأثيرات الخارجية، لكن المعطيات الحالية تؤكد سعي الرئيس إلى ضبط العملية الانتخابية لضمان فوز مرشحه، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كان الرئيس محمود سينجح في تثبيت حليف له على رأس الولاية، أم أن التوازنات المعقدة ستقود إلى انفجار الصراع، وهو ما سيكشفه الوقت.

جنوب الغرب والمعادلة الفيدرالية

تتمتع ولاية جنوب الغرب بثقل شبه حاسم في معادلة التوازنات المرتبطة بالانتخابات الفيدرالية، ما يجعلها تنتقل من مجرد ساحة تنافس محلي إلى عقدة مركزية في رسم ملامح السلطة على المستوى الفيدرالي؛ وهو ما تجلّى في قيام الحكومة الفيدرالية بوضع ثقلها السياسي والعسكري الكامل في الأزمة الأخيرة، سعياً لتحقيق انتصار محسوم لصالحها، والتعامل معها باعتبارها معركة مفصلية تمثل لها مسألة حياة أو موت على مستوى الانتخابات الفيدرالية، وكذلك فيما يتعلق باستمرار مشروع الإصلاحات الانتخابية والتعديلات الدستورية التي يتبناها الرئيس حسن شيخ محمود.

ستكون إثيوبيا حاضرة في قلب المعادلة، إذ يُرجّح أن تفرض نفوذها في المشهد عبر دعم مرشحين معارضين لنهج الحكومة الفيدرالية، في حين قد تنخرط أطراف خارجية أخرى في مسار الانتقال بما لا يتوافق مع رؤية مقديشو

تكمن أهمية الولاية في معادلة الانتخابات الفيدرالية في حجم تمثيلها داخل البرلمان الفيدرالي بمجلسيه الشعب والشيوخ، إذ تساهم فيه 77 نائبًا من أصل 329 عضوًا، أي ما يقارب ربع إجمالي أعضاء البرلمان. ويُعد هذا الرقم الأعلى مقارنة ببقية الولايات، حيث لا يتجاوز تمثيل أكبرها 51 نائبًا، ما يمنحها مكانة استثنائية في الحسابات السياسية، ليس فقط بالنسبة للرئيس محمود، وإنما لكافة الطامحين إلى الوصول إلى سدة الحكم في البلاد.

لا تقتصر أهمية الولاية على ثقلها العددي فحسب، بل تمتد إلى دورها الوازن في معادلة صناعة من يتولى سدة الحكم في البلاد. فغالبًا لا يتنافس السياسيون المنحدرون منها على منصب رئاسة الجمهورية، نتيجة حصولهم في الغالب على حصة رئاسة البرلمان وفق العرف السياسي السائد في البلاد، ما يضعهم في موقع توازن بين الكتل العشائرية المتنافسة تقليديًا على الرئاسة - هوية ودارود - مما يمنحها دورًا فاعلًا في صياغة موازين القوى السياسية على المستوى الفيدرالي.

يتجلى ذلك في تسارع عدد من السياسيين المعارضين والمرشحين للرئاسة إلى تهنئة عبد العزيز لفتاغرين عقب إعلانه إعادة انتخابه في 28 مارس الماضي، رغم الإشكاليات التي أُثيرت حول نزاهة عملية التصويت، في سباق عكس سعيهم إلى كسب ودّه وتأمين دعمه في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

وفي المحصلة، وبالنظر إلى التأثير الكبير لرؤساء الولايات الإقليمية في الانتخابات الفيدرالية، حتى في ظل الانتقال من نمط الانتخابات الغير المباشرة، يتضح أن الصراع الكامن الذي قد يظهر إلى السطح حول من يتولى رئاسة الولاية يكون أكثر شراسة، لارتباطه بمفاتيح التأثير في معادلة الحكم المقبلة، والمتمثلة في حجم تمثيلها النيابي، ما يجعل أولوية الأطراف المعنية، بما فيها الحكومة الفيدرالية، ضمان ولاء هذا الثقل البرلماني، والتصدي لمحاولات الخصوم لاختراقه أو التأثير عليه.